مسائل حول الدين والعنف

شريف أيمن يكتب لـ عربي21: مسائل حول الدين والعنف

“يتعين أن نميز بين النموذج التنظيمي كطريقة الإدارة، وبين الأطر المرجعية والثوابت الحضارية والثقافية، ونميز بين المأخذ الثقافي المتعلق بالإطار المرجعي، وبين النظريات الاقتصادية والتوجهات السياسية والاجتماعية، وهو خطأ مشترك وقع فيه كل من مؤيدي الشريعة الإسلامية ومعارضيها؛ ذلك أن المقارنة لا يصح أن تنعقد إلا بين نظم ومذاهب تتشابه في مستوى التعميم والتجريد، أو المجال النوعي الذي تقوم فيه، فالاشتراكية تقارن مع الرأسمالية بجامع كونهما من النظم الاجتماعية الاقتصادية، والدين الإسلامي يقارن مع الدين المسيحي بالمنهج ذاته، فلا يصح النظر للإسلام باعتباره نظاما سياسيا واجتماعيا، بل يُنظر إليه باعتباره مرجعية عامة”.
 
 هذه الفقرة السابقة من كتاب أستاذنا المستشار/ طارق البشري، الذي عنونه بـ “التجدد الحضاري”، وهو في هذه الفقرة يضع ضابطا للمناقشات الفكرية والتجاذبات السياسية، لينأى أطراف النقاش والتجاذب عن الوقوع في منزلق عدم التساوي في مستويات العموم والتجريد، والتفرقة بين المرجعيات العامة والكلية وبين النظم الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية، وهو ما شاع الآن باعتبار الإسلام أيديولوجيا.
 
 تفريعا على هذا الضابط والمبدأ نحتاج للتمييز بين تفاوت الأفهام في تفسير النص الديني من جهة، وبين من يحق له تفسيره من جهة أخرى، وبين السياقات الزمانية والمكانية لعمليات التفسير بما يحكمها من أحداث ووقائع اجتماعية وسياسية واقتصادية من جهة ثالثة؛ فالنص الديني في أغلبه يحتمل تعددا في معانيه، لكن هذا التعدد محكوم بكون التفسير تحتمله معاني اللغة العربية في زمن نزولها لا ما تغيرت حقولها الدلالية، وقد يترجح أحد المعاني المحتَمَلة بنص آخر أو فعل متأخر عن النص المسمّى بـ “ظنيّ الدلالة” إذ لا أرجحية ذاتية لأحد معانيه بل يحتاج تغليب أحد معانيه لمرجِّح.
 
 أما من يحق له تفسير النص فهو الأهم، إذ يتحدث البعض عن كون النص ليس حكرا لأحد، وهذا صواب، لكن النص الديني كذلك ليس كلأً مباحا لكل أحد يتحدث فيه بما يعرف وما لا يعرف وبما يخرج به عن قواعد اللغة وقواعد الفهم المنطقي للنصوص، وفهم النص الديني لا يختلف عن أي علم من العلوم النظرية أو التطبيقية، يحتاج لمتخصصين لشرح ما تم التوصل إليه أو لإحداث ما يستجد من مفاهيم، وبدون التخصص لا يحق لأحد أن يتحدث في العلوم الدينية وغيرها من العلوم. ثم تبقى مراعاة السياقات الزمانية والمكانية وما يحكم الزمان والمكان من وقائع اجتماعية وسياسية واقتصادية تستدعي فتاوى معينة في أبواب المعاملات التي يبدو فيها تأثير تلك السياقات في فتاوى أهل الفن والتخصص.
 
 إذا استُوعِب ذلك سيكون من السهل على أبناء الحركات السياسية الإسلامية أن يتأدبوا في نسبة بعض الممارسات التي يقومون بها إلى الدين، وكذلك سيكون من السهل على مخالفيهم ألا يتحسسوا من الدين في ظل إدراك مدى قصور نسبة بعض ممارسات أو أدبيات الإسلاميين إليه، وأيضا لن يتحسسوا من استدعاء أقوال قديمة ربما تأثرت ببعض الظروف التي أحاطت بالفتوى المستدعاة.
 
 تبقى الإشارة حول مستوى الحوار الذي تتساوى فيه نظائره وتختلف أُسُسه أي “الديني — الديني” أو “الأيديولوجي — الأيديولوجي” فالحوارات بشكل عام ينبغي أن تركز على الأخلاقيات التي تحكم الممارسات الصادرة مع المختلف، والتركيز على المشترك الإنساني، وعدم استفزاز الآخر بالاعتداء على مناطق وجوده إلا في إطار من التراضي حول صورة التواجد أو التبشير السياسي/الديني، وأخيرا عدم ازدراء دين أو أفكار الآخر في ظل الخطاب العام، ولا يتنافى عدم الازدراء مع ترسيخ العقائد والأفكار عند معتنقيها؛ إذ الترسيخ الذي يحتاج لنقد الآخر ينبغي أن يخضع لاعتبارات علمية لا تزدريه، أما الدين فلا حوار حول التشريع والمعتقد إذ لا تقريب فيهما، إذ أن المتحاورين لا يملكون التغيير ولا ابتداء التشريع لأن مصدرية التشريع لا نزاع فيها، وإلا انتفى الاتباع أصلا إذا كان هناك تشكك في مصدريته.
 
 هذا الإطار يدفعنا للحديث عن العنف، وهو يتدثر غالبا برداء ديني في المنطقة، فكانت النتيجة أن الحملات الناقمة توجهت للإسلاميين على اختلاف تنوعاتهم، وتحدث آخرون عن المسلمين بصورة أعمّ، ولم يُخْفِ آخرون حديثهم عن الدين نفسه، وهو ما يحتاج لبيان على تلك المستويات الثلاثة، فالسواد الأعظم من الإسلاميين يتبنون الديمقراطية كخيار للتغيير والمواطنة كأساس للتعايش، نعم هناك قصور في تلك المفاهيم عند الأغلبية منهم، لكن يبقى أنهم ضد الاختيارات الداعشية في مجملهم، ولا يمكن الحكم على الانفعالات الصادرة الآن تحت وطأة قمع الدول العلمانية في المنطقة، الذي وصل للتصفية الجسدية المباشرة، وعلى مستوى المسلمين فنحن نرى تقديرات الأجهزة الاستخباراتية الغربية لأعداد الحركات المسلحة، وهي محصورة في بضع عشرات الآلاف، وليس مفهوما كيف يُحمّل سلوك هذه النسبة القليلة للمسلمين كلهم (1.6 مليار مسلم)، في حين أن المسلمين هم الأكثر تضررا من تلك السلوكيات المنبوذة، ولو لم تكن تلك الحركات منبوذة لوجدنا أفرادها بعشرات الملايين، أما على مستوى الدين، فلا يمكن اتهام دين بالعنف وقد انتشر هذا الانتشار الجغرافي والبشري، واتبعه كثيرون من أهل البلدان التي فتحوها، ولا يحكي التاريخ عن ثورات “دينية” ضدهم.
 
 الإشكال الذي أوقعنا في العنف ليس في النص الديني، بل في الممارسات التي أوصلت هؤلاء لذلك المسار، وهي ممارسات أنظمة الحكم المستبدة، أو أنظمة غربية تدعم الاستبداد أو تحتل بلادنا، فأصبحت هناك ردة فعل مفهومة ضد هذه الأطراف، أقول مفهومة وليست مقبولة حتى لا يلتبس المعنيان، وهذا التوجه الاستبدادي المحلي والغربي يغيب الحديث عنه تملقا للسلطات أو استجابة للانبهار بالغرب، الذي لا نزاع في كونه أفضل من بلادنا، ولكن تتغير هذه الأفضلية إذا تم المس بالثروة أو التوجه نحو الحرية في بلادنا، كما يغيب في طرح الإشكال أن أي تجمع بشري سيكون فيه متشددون ومنحلون، وهذه طبيعة الاجتماع، ولن يأتي يوم نرى فيه أمة كاملة تطابقت في طباعها وسلوكياتها، ومن ادعى ذلك فسننتظر بيّنته أبد الدهر.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.