الدخول إلى النيوليبرالية ليس كالخروج منها!

شهيد بولسين يكتب لـ عربي21: الدخول إلى النيوليبرالية ليس كالخروج منها!

ليس قبل أن تُمتَصَ دماءك كلها

عندما صعد حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا تحت قيادة رجب طيب أردوغان عام 2003، كانت التَرِكة التي ورثها عبارة عن حكومة ملزمة بسداد أكثر من 20 مليار دولار من الديون لصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وغيرهم من كبار المقرضين الدوليين الآخرين. أما من حصل على هذه القروض فقد كان إلى حد كبير هو وزير الاقتصاد في الحكومة السابقة، كمال درويش (وهو الموظف السابق بالبنك الدولي). وقد قام درويش بتشكيل ما عُرف باسم “الخطة الوطنية” لإعادة هيكلة الاقتصاد التركي لتمكين الحكومة من خدمة هذه القروض، وكانت خطة درويش هذه ما هي إلا صيغة نيوليبرالية صميمة؛ بمعنى أنها كانت تلك الكتلة المعتادة من الإصلاحات القياسية الهيكلية للاقتصاد الكلي التي يطلبها صندوق النقد الدولي من جميع المدينين.
 
 وتضمنت الخطة خصخصة واسعة النطاق للشركات المملوكة للدولة والبنوك، مع إتاحتها للمستثمرين الأجانب، فضلا عن خفض الإنفاق الاجتماعي، ووقف الدعم الزراعي، وتجميد الأجور في القطاع العام، وهلم جرا. وعندما صعد حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، كانت هذه الخطة بالفعل جارية، وبما أن الديون كانت قائمة بالفعل حول رقبة تركيا، فقد واصلت حكومة أردوغان نفس طريق برنامج النيوليبرالية.
 
 ونتيجة لهذه السياسات، خرجت بيانات اقتصادية سطحية من تركيا تعبر عن أن الاقتصاد يسير من أقوى إلى أقوى على مدى السنوات الـ10 الماضية. فالمستثمرون الأجانب كانوا سعداء، وصندوق النقد الدولي كان سعيدا، وكان يتم الثناء على حكومة حزب العدالة والتنمية تقريبا بشكل عالمي شامل. أما قصة الاقتصاد الحقيقية، كما هو الحال في إطار إصلاحات التكيف الهيكلي لصندوق النقد الدولي، فهي تكون مختلفة إلى حد ما في معظم الأحيان. فبحلول عام 2010 كانت الأجور الحقيقية في التصنيع أقل بنسبة 12 في المئة مما كانت عليه في عام 1998، وزادت ديون الأسر، وانخفضت القوة الشرائية، وظلت الفجوة بين الأغنياء والفقراء آخذة في الاتساع، حتى أن أغنى 100 عائلة في تركيا صارت يملكون ما يعادل مجمل ثروة أفقر 15 في المئة من السكان (ونحن هنا نتحدث عن حوالي 11.25 مليون نسمة).
 
 منذ عهد الدولة العثمانية، كان أداء الأعمال التجارية في تركيا يسير بنظام أقرب ما يكون إلى الوصاية، وكان الدور الرئيسي للدولة هو “تسيير” الأمور، أو أنها كانت تقوم بدور “الراعي” للمجموعات المفضلة من النخب، وأي نوع من الأنشطة المتعلقة بـ”ريادة الأعمال” في تركيا كان يقوم دائما على أساس العلاقات الحكومية. ولذا، فقد قيل إنه في تركيا لم يكن لديهم أحزابا سياسية بالشكل المتعارف عليه، ولكن كان لديهم شبكات من الوصايا. وبالتالي، كان دائما يتم حجب الاسلاميين عن هذه اللعبة في تركيا، لأن الحكومة المناهضة للدين كانت تقدم “وصاية” حصرية لرجال الأعمال القوميين العلمانيين. وواحدة من السمات الشهيرة لبرنامج النيوليبرالية؛ هي أنها تعيد توزيع الثروة والسلطة داخل المجتمع على نحو غير متناسب لحفنة صغيرة من السكان المحليين الذين يتعاونون مع عملية الإصلاح ويجنون فوائدها. ولكن عندما تولى حزب العدالة والتنمية الحكومة، أدى هذا إلى تغيير اتجاه الوصاية، ما أدى إلى خلق طبقة جديدة من النخب المالية الإسلامية في تركيا، وبمساعدة الآثار المنحرفة فعليا للإصلاحات النيوليبرالية.
 
 طوال صعود أردوغان وحزب العدالة والتنمية، كانت حركة غولن (Hizmet — هيزمت أو “خدمة”) تلعب دورا رئيسيا. في الواقع، لن تجانبنا الدقة لو قلنا إن حزب العدالة والتنمية قد حصد الغراس السياسي الذي زرعه العمل الاجتماعي والتعليمي لحركة خدمة في تركيا. فكان أردوغان وفتح الله غولن في الأساس حليفين في محاولة تخفيف قبضة التعصب الديني وإحياء الشعور الإسلامي في المجتمع. وطالما كان هذا هو الحال، فلم يكن لحزب العدالة والتنمية أي اعتراض على حركة خدمة، وترك أعضاؤها يرتقون في الرتب في مؤسسات الدولة، ليحلوا محل العناصر المتشددة المناهضة للدين في الجيش والشرطة والقضاء والتعليم العالي ووسائل الإعلام. بدأت التوترات بين أردوغان وغولن عندما بدأ يتضح أن غولن نفسه لديه طموحات سياسية، وأن زرعه لأعضاء حركة خدمة في مؤسسات الدولة الرئيسية كان في الواقع جزءا من خطة منسقة للاستيلاء على السلطة، والإعلان عن نسخته الخاصة من إقامة دولة إسلامية في تركيا، منصبا نفسه كمرشد أعلى.
 
 ولكن لأن أردوغان رجل ديمقراطي، ولأن مصداقية “الدولة الإسلامية” ستكون مشكوكا فيها، خاصة وأن زعيمها يعيش حياة فاخرة في منفى اختياري بالولايات المتحدة، فقد تم كسر التحالف الضمني بين حركة خدمة وحزب العدالة والتنمية.
 
 ومباشرة قبيل الانقسام، في عام 2013، تمكن أردوغان بنجاح؛ من سداد كامل القروض لصندوق النقد الدولي، لأن الحكومة كانت قد أخضعت له سياستها الاقتصادية لمدة عشر سنوات كاملة. وعلى الفور بعدها، بدأ موقف أردوغان من النيوليبرالية يتغير بشكل واضح وجلي، فراح يهاجم صندوق النقد الدولي، وينتقد بلا هوادة البنك المركزي، ويدعو إلى فوائد بنكية صفرية أو سالبة، وراح يدعو لسياسات اقتصادية أكثر شعبوية، ويطالب بالمزيد من السيادة الاقتصادية لتركيا. فبدأت الأعمال التجارية الدولية تشك في أن أردوغان ليس النيوليبرالي الملتزم الذي تصوروه منذ البداية.
 
 بداخل حزب العدالة والتنمية، يوجد هناك الآن على الأقل فصيلان: نيو ليبراليون، وشعبويون. أما المستشارون النيوليبراليون لأردوغان فهم يتحدثون عن “إعادة هيكلة القطاع الصناعي لزيادة الصادرات ذات القيمة المضافة”، وهي طريقة معقدة لقول “خفض الأجور”. وأما الشعبويون فهم يتحدثون عن محاولة زيادة مدخرات الأسر وزيادة النشاط الاستهلاكي المحلي، وهي طريقة أخرى لقول “رفع الأجور وتحسين نوعية الحياة”. وكلما قام أردوغان بأي عمل سياسي ينظر إليه على أنه تعزيز لسلطته الشخصية، كان المستثمرون الأجانب يتململون، والتفسير الوحيد لهذا هو أنهم في الغالب متشككون مما إذا كان سيستخدم هذه السلطة لخدمة مصالحهم هم أم خدمة مصالح تركيا. في الواقع، لو تتبعنا بدقة الوقت الذي بدأ أردوغان يتلقى فيه انتقادات من وسائل الإعلام الدولية؛ سنجد أنه بدأ بالتزامن مع الحظة التي أطلق فيها تركيا من عبودية صندوق النقد الدولي، معبرا عن رؤية اقتصادية مختلفة.
 
 كل هذه الخلفية مهمة لفهم ما حدث يوم 15 تموز/ يوليو، ومحاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها أنصار غولن، والحملة اللاحقة على أنصاره في مؤسسات الدولة.
 
 فتح الله غولن في ضيافة الولايات المتحدة، يعيش في مجمع سكني في ولاية بنسلفانيا، والتصور السائد في تركيا هو أنه أصبح أحد مخصصات المخابرات الأمريكية. وعندما كانت محاولة انقلاب جارية، أصدرت السفارة الأمريكية في تركيا تحذيرا عاجلا للرعايا الأميركيين في البلاد تحت عنوان “انتفاضة تركية”، وهو وصف سابق لأوانه بشكل واضح لمحاولة عسكرية صارمة لقلب نظام الحكم.
 
 ويبدو أن هذا يشير إلى أن المخابرات الأمريكية توقعت أن المدنيين من أصار غولن سيساندون الانقلابيين، لجعل الاستيلاء على السلطة تبدو وكأنها انتفاضة شعبية. وقدجاء على قناة CNN ليلة محاولة الانقلاب، في مقابلة مع وكيل المخابرات المركزية السابق بوب باير، أنه بالفعل تناقش مع ضباط الجيش التركي قبل بضعة أشهر في احتمال وقوع انقلاب في تركيا!! لذا فيبدو أن هناك نوعا من الإجماع بشأن الرغبة في إزاحة أردوغان من السلطة، بسبب تزايد الشكوك حول موالاته للنيوليبرالية، وكان يُعْتَقَد أن شبكة غولن المترامية الأطراف ستكون قادرة على تحقيق هذه النتيجة.