الاتفاق النووي، المأزق إيراني أم أمريكي؟

صابر كل عنبري يكتب لـ عربي21: الاتفاق النووي، المأزق إيراني أم أمريكي؟

السجال الدائر حديثا بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية بعد فرض عقوبات أمريكية جديدة على طهران، بسبب برنامجها الصاروخي ودورها الإقليمي، أعاد الاتفاق النووي الذي توصلت إليه القوى الست الكبرى وإيران يوليو 2015 إلى الواجهة مجددا، وطرح تساؤلات منطقية حول مصير هذا الاتفاق بعد مرور قرابة 8 أشهر على ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي لا يزال يكّن له العداء الصريح.
 
 تعاطي إدارة ترامب خلال الشهور الثمانية مع الاتفاق النووي يظهر مدى تخبطها وارتباكها في هذا الشأن، فمن جانب أكدت الإدارة فعلا التزام طهران بالاتفاق مرتين في التقارير الدورية التي ترسلها خارجيته للكونغرس، والتي تتضمن تأكيد واشنطن استمرار العمل بموجب الاتفاق، ومن جانب آخر، تصعّد الحرب على الاتفاق قولا، مما يجعل المراقب أمام حيرة وتناقض شديد في السلوك الأمريكي.
 
 أسباب هذا التناقض تختصر في مرارة الخيارات المتاحة، فمن جهة إذا ما مزق ترامب الاتفاق النووي، سيبقى هو ساري المفعول، لأنه اتفاق دولي له شركاء دوليون والإلغاء أمريكيا لا يعني إنهاء الاتفاق دوليا، ومن جهة أخرى فأن الإبقاء عليه يلحق أضرار بالغة بشخصية ترامب النرجسية التي يعتني بها كثيرا، ويعرض الهيبة الأمريكية للسخرية، والتي وعد ترامب بإعادتها للولايات المتحدة.
 
 فضلا عن عقوبات الكونغرس الأخيرة، فرضت الإدارة الأمريكية منذ مجيء رئيسها الجديد ثلاث عقوبات محدودة على إيران، اللافت أن مرتين منها جاء توقيتها بالتزامن مع تأكيد واشنطن التزام طهران بتعهداتها الواردة في الاتفاق النووي، مما يعني استمرار واشنطن في القبول بالاتفاق، فهنا الدلالة واضحة وصريحة، هي التغطية على مواصلة العمل بمقتضى الاتفاق أمريكيا، وفشله أيضا في تمزيقه كما وعد بذلك ومحاولة للحفاظ على ماء الوجه، والرسالة أيضا بليغة، هي استرضاء الحلفاء، وعلى رأسهم الحليف السعودي الذي طالما وعده ترامب بالعمل ضد إيران.
 
 دوافع تحامل ترامب على الاتفاق النووي، ليست هي نفسها عند اليمين الجمهوري أو الإسرائيليين، وإنما انزعاجه غالبا ما على أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تجن منه شيئا اقتصاديا، وهو صادق في ذلك، إذ يرى رجل الأعمال دونالد ترامب أن واشنطن كانت الطرف الأساسي في التوصل لهذا الاتفاق، لكن الثمار تجنيها بقية شركاء الاتفاق روسيا والأوروبيون، وكذلك إيران نفسها، هي المستفيد الأبرز من الاتفاق رغم العراقيل التي تضعها الولايات المتحدة في دواليبه، ففضلا عن انهيار إجماع دولي ضدها يصعب على الإدارة الأمريكية الحالية إحياءه، أنّ رفع الحظر على قطاع النفط، أعاد لإيران مصدر دخلها الرئيس، وأفرج عن أموال مجمدة كانت طهران بأمس الحاجة لها، إضافة إلى فتحه الباب أمام استثمارات أجنبية، ولو أنها خجولة حتى هذه اللحظة لأسباب كثيرة، على رأسها القلق على مستقبل هذه الاستمارات في ظل توتر العلاقات الإيرانية الأمريكية، إلا أنها بدأت تتدفق. 
 
 من الطبيعي أن يصب رجل الأعمال الأمريكي الرئيس ترامب جام غضبه على الاتفاق، عندما يرى هرولة توتال الفرنسية نحو إيران وتوقيعها أكبر صفقة معها منذ رفع العقوبات بقيمة 5 مليارات يورو، بينما بلاده تتفرج صفر اليدين، فلسان حاله أمام هذا المشهد يقول، نحن من أنجزنا الاتفاق، وآخرون قطفوا الثمار، وكما نقل عنه مؤخرا أن الولايات المتحدة الأمريكية تحارب طالبان في أفغانستان، والصين تجني ثمار ذلك وتستولي على مواردها الطبيعية من خلال الحصول على صفقات اقتصادية ضخمة.
 
 جل ما يريده اليوم الرئيس دونالد ترامب من خلال فرض عقوبات جديدة على إيران، ومواصلة عرقلة تنفيذ الاتفاق النووي وإطلاق التهديدات، إما جرّ طهران إلى طاولة التفاوض معها كي تحصل فيها واشنطن على مردودات اقتصادية مثل بقية شركاء الاتفاق النووي، أو استدراج طهران إلى فخ إلغاء الاتفاق، حيث تقوم الأخيرة برد فعل منفعل على العقوبات الأمريكية، يخرق الاتفاق وبذلك يتوفر لدى الإدارة الأمريكية السبب المقنع لتمزيق الاتفاق في ظل عجزها عن تحقيق ذلك بعد الرفض الأوروبي والروسي القاطع.
 
 من الواضح أن الإيرانيين على علم بهذه اللعبة الأمريكية، وكذلك حجم التخبط الأمريكي في طريقة التعامل مع الاتفاق النووي، هذا ما أكد عليه الرئيس روحاني بعد إقرار العقوبات الأخيرة في مجلس النواب الأمريكي بالقول “المؤامرة الأمريكية أن يتعاملوا بطريقة تُدفع إيران إلى الانسحاب من التزاماتها في الاتفاق النووي”. 
 
 عليه، تأتي تأكيدات إيرانية مكررة على لسان الرئيس الإيراني ووزير خارجيته بمواصلة طهران الالتزام بتعهداتها، لإفشال لعبة الاستدراج الأمريكية، مما يزيد ذلك من المأزق الأمريكي أكثر فأكثر.
 
 يستبعد جدا انسحاب طهران من الاتفاق النووي، أو القيام بخرقه سافرا، وإنما في الرد على الالتفافات الأمريكية ستقوم بخطوات مماثلة دون مستوى الخرق. ولعل تجربة إطلاق قمر السيمرغ (العنقاء) في التاسع والعشرين من يوليو الماضي جاءت في هذا السياق، مما أثارت حفيظة واشنطن وثلاث دول أوروبية، دفعتها إلى إصدار بيان رباعي اعتبر التجربة انتهاکا لقرار 2231 الدولي.
 
 تجد الإدارة الأمريكية اليوم نفسها مضطرة في البحث عن مخرج لهذا المأزق الذي تعيشه، وحال ظل موقفها كما هو “الإبقاء على الاتفاق”، ولم يلجأ ترامب إلى خيار التمزيق، على الأغلب سوف تستمر الالتفافات الأمريكية على الاتفاق، كمحاولة لتفريغه من مضمونه بالكامل، وتصفير مردوده الاقتصادي لبقية الأطراف. لكن هنا أيضا الأيدي الأمريكية مغلولة إلى حد كبير، لأنها ببساطة لا تستطيع إعادة عقوبات مشددة رفعها الاتفاق، مثل حظر النفط الإيراني و…الخ. 
 
 ولعل إعادة فرض عقوبات قديمة من قبل الكونغرس الأمريكي مؤخرا كان سببه هذه الأغلال، حيث معظم العقوبات التي سنها الكونغرس الأمريكي ضد إيران مؤخرا ووقع عليه الرئيس الأمريكي، كانت قد فرضتها الإدارات الأمريكية السابقة أساسا، وأن ما فعله الكونغرس هو تحويل هذه العقوبات إلى قانون، حسب قول رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني.
 
 والمفارقة هنا أن إدراج روسيا في رزمة عقوبات الكونغرس إلى جانب إيران وكوريا الشمالية جاء في المصلحة الإيرانية، وكما يقول المثل الفارسي الشعبي “لو أراد ربك، قد يجلب العدو لك الخير”، سيكون لهذا الإجراء الأمريكي مردود إيجابي على العلاقات الإيرانية الروسية، وسيعزز التعاون بينهما في مواجهة الضغوطات الأمريكية، في حين كانت تشكل تصرفات روسية بالذات في سوريا، مصدر قلق لدى طهران من احتمال تحسن العلاقات الأمريكية الروسية على حساب مصالحها. 
 
 الخلاصة أنه لا يبدو أن لدى إدارة ترامب اليوم إستراتيجية واضحة في التعامل مع الشأن الإيراني بملفاته: الاتفاق النووي، والدور الإيراني الإقليمي، وغيرهما، هذا ما أقرّ به رئيس CIA، مايك بومبيو مؤخرا بقوله: “عندما سنضع إستراتيجية (حول إيران)، سنكون واثقين بأنها كفيلة بصدّ السياسات الإيرانية.” مؤكدا بذلك أنه لا توجد إستراتيجية بهذه المواصفات حتى اللحظة.
 
 إلى حين تتبلور هذه الإستراتيجية التي يعد بها بومبيو، وفي إطار العداء الترامبي للاتفاق النووي، والعجز عن إلغائه، يتوقع أن تصعّد واشنطن ضغوطها على طهران بطرق مختلفة خلال الفترة المقبلة، منها السعي إلى التأثير على تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي أكدت حتى الآن التزام إيران بتعهداتها، وطرح مطالب تعجيزية، مثل مطالبة إيران بفتح مراكزها العسكرية الحساسة أمام المفتشيين الدوليين، وكذلك عسكرة الأوضاع من خلال عودة الحديث عن خيارات فوق الطاولة وتحتها.
 
 في المقابل، الإيرانيون الذين أظهروا خلال العقد الأخير أنهم يحسنون جيدا فن استغلال مواطن ضعف السياسة الخارجية الأمريكية الشرق أوسطية وخصومهم الإقليميين بنفسهم الطويل وصبرهم الدبلوماسي، يواصلون العمل وفق ما تمليه سياستهم الخارجية بثورية أحيانا وبرغماتية أحيانا حسب اقتضاءات الظروف. 
 
 كما أنه بالرغم من فوضوية الإدارة الأمريكية وسياستها الخارجية هذه الأيام بسبب الأزمة الداخلية والانقسام في أركان الإدارة الأمريكية، والتي توفر أسباب الراحة والسعادة للإيرانيين، تبقى شخصية ترامب مصدر قلق لهم أيضا، فالرجل الذي يوحي بشيء وينفذ نقيضه، قد يأتي يوم تتطابق فيه أقواله مع أفعاله.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.