حرية الإعلام في تونس

صلاح الدين الجورشي يكتب لـ عربي21: حرية الإعلام في تونس

يدور جدل في تونس حول حرية الإعلام. لا يتعلق الأمر بمبدأ الحرية، فتلك المسألة حسمها الدستور، وإنما المقصود هو اتهام السلطة التنفيذية بانتهاك هذا الحق، من خلال الاعتداء على الصحفيين خلال ممارستهم لمهنتهم، أو بسبب حرمانهم من الوصول إلى مصادر الخبر، وتعمد حجبه.
 
 عاد هذا الجدل بقوة إثر التقرير الذي أصدرته نقابة الصحفيين التونسيين، استعرضت فيه حصيلة الانتهاكات التي وقعت في المجال الإعلامي خلال شهر آذار/ مارس الماضي. 
 
 وكانت المسألة التي أفاضت الكأس هي عدم بث قناة حنبعل الخاصة حوارا تم تسجيله مع الناشط السياسي رضا بالحاج، الذي كان مدير ديوان الرئيس الباجي قايد السبسي، قبل أن يصبح معارضا لابن الرئيس، وللشق الذي يقود حاليا حزب نداء التونس المشارك في الحكم والماسك بحكومة الوحدة الوطنية.
 
 رضا بالحاج يتهم مجموعة القصر الرئاسي بالوقوف وراء إلغاء بث الحوار، ويعدّ ذلك دليلا على انتهاك حرية الإعلام من خصومه الذين يديرون العملية السياسية الراهنة بعيدا عن ضوابط الدستور وقواعد الديمقراطية بحسب رأيه. 
 
 لكن الرئاسة والحكومة ينفيان كل هذه التهم التي لا تستند من وجهة نظرهم على أي دليل. 
 
 وهكذا، تستمر المعركة بين كتل الحزب الحاكم دون إدراك منها للتداعيات الخطيرة التي يمكن أن تنجر عن هذه التهم المتبادلة على مؤسسات الدولة، خاصة على الرأي العام التونسي الذي شتته الأحزاب وأرهقته الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.
 
 لا يمكن إنكار أن حرية التعبير هي المكسب الرئيس الذي جناه التونسيون بعد الثورة. 
 
 فالرئيس بن علي كان يرتاب من الصحافة والصحفيين، الذين ذاقوا في عهده الأمرين، حتى فقدوا القدرة على ممارسة مهنتهم. 
 
 أما اليوم، فقد تم تصنيف تونس ضمن كوكبة الدول الديمقراطية في مجال حرية الصحافة، حيث كسرت مختلف الحواجز السابقة، لكن ذلك لا يعني انتفاء الصعوبات والعوائق. 
 
 فحرية الإعلام لا تطمئن الحكام والحكومات في مختلف دول العالم بما فيها الدول الأكثر ديمقراطية. 
 
 فالصحافة تبقى دائما سلطة مزعجة لبقية السلط وخاصة السلطة التنفيذية. ولا يكفي في هذا السياق إصدار تشريعات متقدمة لصالح حرية التعبير، فتلك خطوة هامة ولا شك، غير أنها تبقى مهددة بالممارسات التي يمكن أن يلجأ لها السياسيون لإخفاء ما يقومون به في السر من مناورات وإجراء صفقات مشبوهة، ومن تزوير للحقائق، وغير ذلك من أشكال الفساد السياسي والمالي. 
 
 لهذا تعدّ معركة الإعلام معركة دائمة، وتتطلب الحذر المتواصل والجرأة والتضامن بين الصحفيين، وكذلك مساندة المجتمع المدني، سواء تعلق الأمر ببورما أو تونس أو أمريكا حيث المواجهة مفتوحة حاليا بين ترامب ووسائل الإعلام.
 
 من الواضح في تونس أن العودة إلى ممارسات الماضي في المجال الإعلامي مستبعدة جدا. 
 
 فقدت السلطة التنفيذية جميع أسلحتها السابقة سواء التشريعية منها أو الأمنية أو السياسية أو الإدارية. 
 
 تغيرت موازين القوى بشكل جذري لصالح الصحفيين الذين أصبحوا يتمتعون بقدرة واسعة على الدفاع عن مهنتهم ومؤسساتهم. 
 
 ولهذا السبب تجد السياسيين ينفون عن أنفسهم بقوة تهمة المساس بحرية التعبير، بمن رئيس الدولة الباجي قايد السبسي الذي التزم منذ حملته الانتخابية السابقة باحترام حرية الصحافة والتعبير.
 
 تونس اليوم مختلفة كثيرا عن تونس الأمس، انتكست في بعض الجوانب، لكنها تقدمت كثيرا في مجالات عديدة، وفي مقدمتها حرية الإعلام، حيث لم يعد أحد فوق النقد والمحاسبة. 
 
 مع ذلك لا يزال الأداء الإعلامي ضعيفا وارتجاليا في بعض الأحيان. 
 
 كثير من التونسيين يحملون الإعلام المحلي مسؤولية الإضرار بصورة البلاد، أو بتعميق الصراعات الداخلية وتأجيجها في بعض الأحيان، أو بسبب الارتهان لأصحاب النفوذ والمال. 
 
 هناك عدم انسجام واضح بين التمتع بالحرية وبين ممارستها على أرض الواقع، فهذا جزء من ضريبة التدريب والتعلم في مراحل الانتقال الديمقراطي.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.