أرض الهلال والصليب: تفتكر الجنة بتاعتكم هي الجنة بتاعتنا؟

طارق أوشن يكتب لـ عربي21: أرض الهلال والصليب: تفتكر الجنة بتاعتكم هي الجنة بتاعتنا؟

طارق وأمل جالسين على شاطئ البحر بعد أن أنقذها طارق من الغرق وهي تحاول اللحاق بالمركب الذي كان يستقله مهاجرا بشكل سري خارج البلد..
 أمل: تفتكر هي ده الجنة؟
 طارق: مش مهم.. المهم أننا مع بعض.
 أمل: تفتكر الجنة بتاعتكم هي الجنة بتاعتنا؟
 طارق: حق؟ ده حيبقى حتة مقلب…
 والمشهد من فيلم (الخروج — 2011) للمخرج هشام عيسوي وعنوانه الانجليزي كان أكثر دقة (الخروج من القاهرة). واجه الفيلم قبل عرضه في القاعات مشاكل رقابية باعتباره ناشرا للفتنة الطائفية لعرضه قصة حب بين شابة مسيحية وشاب مسلم. وما دامت قصص الحب تدعو للكراهية وتوقظ الفتنة “النائمة” فالنتيجة الطبيعية قصص رعب وقتل ودمار تشتعل وتخفت بالتوازي مع سخونة أحداث المنطقة وعلى حسب هوى النظام وحساباته السياسية الداخلية منها والخارجية.
 
 أمل النساء اللواتي كن يصلين بالكنيسة البطرسية قبل أيام دخول الجنة، وهو ما كان يسعى إليه منفذ عملية التفجير أيضا إن سلمنا بالرواية الرسمية للأحداث. جنة مطلوبة هنا وجنة مطلوبة هناك لكن واقع الأمر أمر مما تقدمه النصوص الدينية و”يتاجر” به رجال الدين والسياسة والإعلام.
 
 حسن ومرقص — 2008 للمخرج رامي إمام..
 قساوسة مسيحيون وشيوخ مسلمون على سجاد أحمر يدخلون قاعة مؤتمرات..
 قس مسيحي 1: مؤتمرات إيه بس؟ مؤتمرات إيه؟ احنا لو قعدنا 100 سنة في البلد ده مش حناخذ حقنا.. لا عارفين نبني كنيسة ولا حتى نصلح دورة ميه في كنيسة من غير ما نجيب لها تصريح يأخذ له سنة.
 قس مسيحي 2: هو كده وبس.. هو فيه حد من أولادنا يقدر يتعين في منصب مهم في الدولة.. طب قل لي فيه كم وزير مسيحي في الحكومة؟
 قس مسيحي 1: بس بوس وأحضان وقرارات ومؤتمرات وايلي في القلب في القلب يا كنيسة.
 يمران من أمام شيخين مسلمين..
 الشيخ 1: مضطهدين؟ مضطهدين ايه يا شيخ جاد؟ ده احنا ايلي مضطهدين.. كل ما نبني جامع يبنوا قدامه كنيسة وتلات أرباع فلوس البلد معاهم. هما سايبين شغلانة مبيشتغلوهاش..
 الشيخ 2: على رأيك.. مديرين بنوك ورؤساء مجالس إدارات الشركات الاستثمارية الكبيرة كلهم مسيحيين.
 الشيخ 1: أي والله يا شيخ جاد. انت عمرك شفت شحات مسيحي؟ 
 الشيخ 2: أيوه صحيح..
 الشيخ 1: وقال ايه؟ قعدوا يقولوا عيدنا مش اجازة.. مش اجازة.. لحد ما بقت أعيادهم كلها اجازات.. اجازات اعيادهم على اجازات أعيادنا ومحدش بيشتغل في البلد ده..
 
 أخطأ الشيخ الأول في جزمه أن لا أحد يشتغل في البلد، فقد سهرت الأجهزة الأمنية وواصلت الليل بالنهار لتجميع جثة الإرهابي، منفذ عملية التفجير بالكنيسة البطرسية بحزام ناسف، عكس ما تم تداوله من أن حقيبة ملئ بالمتفجرات كانت وراء الحادث. عمل مضن كان الهدف منه منح عبد الفتاح السيسي قشة يحتمي بها أمام الأسئلة الحارقة حول مدى التقصير الأمني في حماية المواطنين والممتلكات وهو يشارك في الجنازة العسكرية للضحايا بديلا عن عدم قدرته على حضور الجنازة الشعبية مع تصاعد هتافات الأقباط المطالبين برحيله بعد أن كانوا ظهيره الشعبي لسنوات. وأخطأ القس الأول حين ادعى أن إصلاح دورة مياه بالكنائس “أمرا مستحيلا”، فقد طالب السيسي ذاته، وبعد أن سبق له الاعتذار للأقباط على تأخر ترميم الكنائس في يناير الماضي، الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بضرورة الانتهاء من عمليات الترميم، التي تشمل 23 كنيسة ومنشأة كنسية، وفقا للمواعيد المحددة مع انتهاء ديسمبر الحالي.
 
 لم يعد بإمكان الأقباط السكوت على التجاوزات التي يرتكبها النظام وأجهزته لأنه بعيد عنها. فقبل أيام كان مجدي مكين أول ضحايا شرطة ما بعد 3 يوليو من المسيحيين صريعا تحت التعذيب. ولأن الدولة وفية في الدفاع عن أدواتها فقد انتهت قضية مقتله في قسم الشرطة كما بقية القضايا دون عقاب.
 
 في مشهد دخول القساوسة والشيوخ لقاعة المؤتمر في فيلم (حسن ومرقص) كان مذيع التلفزيون الرسمي يشدو بالكلمات المعتادة التي يحاول النظام ترسيخها في لا وعي الناس..
 المذيع: ويؤكد المؤتمر السنوي الحادي والخمسون للوحدة الوطنية على المشاعر الطيبة المتبادلة بين المسلمين والمسيحيين على أرض الهلال والصليب.
 وكم هو الفرق شاسع بين كلام المذيع الرسمي وما تفوه به من عهد إليهم النظام بترسيخ “حقيقة” التعايش والهتاف في القاعة أن “يحيا الهلال والصليب”.
 
 أحمد موسى ولميس الحديدي وريهام سعيد وغيرهم من الأذرع “الإعلامية” للنظام العسكري، تنادوا إلى مكان حادث الكنيسة البطرسية، تنفيذا للتعليمات بالضرورة، وكانوا يستعدون لأخذ أماكنهم أمام الكاميرات لقراءة اسكريبت الأمن الوطني بخصوص الحدث الجلل تأكيدا “للوحدة الوطنية والمشاعر الطيبة المتبادلة بين المسلمين والمسيحيين على أرض الهلال والصليب”. كان الغضب المسيحي هذه المرة عارما وكاد يجرف معه الأدعياء الثلاثة لولا بعض الحماية التي أنقذتهم من أيدي الباطشين. لم يعد إعلام السيسي قادرا على تخدير المصريين والعزف على “الوحدة الوطنية” فأخرجوا ليلا من الدفاتر القديمة حديثا عن محاكمات عسكرية وإجراءات زجرية قبل أن يقرأوا بيان الداخلية المتهم لجماعة الإخوان ولدولة قطر بالوقوف وراء الحادث الأليم الذي تبناها تنظيم الدولة ناعيا منفذه “أبو عبد الله المصري”.
 
 في أعقاب أحداث الاتحادية في العام 2012، خرج الرئيس المصري وقتها محمد مرسي ليعلن أمام كاميرات التلفزيون عن اعتقال المتورطين وعن التحقيق معهم. قامت القيامة على الرجل بدعوى اعتدائه على اختصاصات النيابة الكفيلة وحدها بإعلان سير التحقيقات. وخلال الجنازة العسكرية لضحايا الكنيسة البطرسية، لم يجد السيسي غضاضة في الإعلان عن اسم الانتحاري المزعوم وعن اعتقال أربعة من “المشاركين معه” دون أن يرف للإعلاميين جفن ودون أن تطالب النيابة بصيانة حقوقها. الواضح أن الزمن تغير، وأن القناعات تتجزأ حسب الظروف والأحوال، وأن شعارات الوحدة الوطنية جعجعة فارغة بلا طحين.
 
 على باب بيت عائلة طارق المسلمة، تنتظر أمل خروجه فيلمحها أخوه.
 الأخ: انت مش حتسيبك من البنت المزيتة ده؟
 طارق: بقول لك ايه كله إلا أمل..
 الأخ: الله.. هو أنا يعني بافتري عليهم.. هما مش بياكلو لحم خنزير يبقوا مخنزرين.
 طارق: انا مخنوق.. سيبني لوحدي.
 يعلي الأخ صوت آلة التسجيل التي ينبعث منها صوت قارئ قرآن ثم ينظر إلى أمل.
 الأخ: بنحب نشغل قرآن.. يمكن الشياطين تمشي.
 وداخل مقبرة مسيحية، تمر أمل من أمام بعض النسوة داخل المقبرة.
 امرأة 1: مش هي ده بنت شنودة وايفيت؟ هي لسه ماشية مع الواد إياه؟
 امرأة 2: تقريبا.. لو شنودة عايش كان قتلها.
 وفي فيلم (حسن ومرقص) تنتقل الكاميرا بين بيتي العائلتين المسيحية والمسلمة بعد أن افتضح أمر ديانة كلاهما.
 في البيت “المسيحي”..
 الأم: الحقيقة أنهم بيكرهونا.. انت لسه صغير وما تعرفش حاجة..
 جرجس: لا يا ماما.. انت أول مرة متبقيش صح. الناس دول احنا جبيناهم وهما كمان حبونا..
 الأم: حبونا علشان كانوا فاكرين أننا مسلمين زيهم.
 وفي البيت “المسلم”..
 الأم: دول كانوا فاكرينا مسيحيين زيهم ولما عرفوا أننا مسلمين الوش الثاني ظهر.. اسكتي اسكتي بقا علشان أنا عارفة انت بتقولي كده ليه.. كان يوم اسود يوم ما شفناهم.
 
 الذي جعل فيلم (حسن ومرقص)، ومن خلاله المجتمع المصري، مقتصرا على الاثنين دون ثالثهما كوهين كما كان عليه الحال في فيلم حمل اسم الثلاثة في العام 1954 للمخرج فؤاد الجزايرلي، يتحمل عبء ما يحدث اليوم وينذر بغد يغرد فيه كل من حسن ومرقص وكوهين على نغمة طائفته بما يحمله ذلك من بوادر القضاء على الوطن بشكل نهائي.
 
 لنعود ونقول على لسان بولس/الشيخ حسن وابنه جرجس/عماد حين سئلا في أمور المسلمين للفتوى: هو الدين بيقول ايه؟ أما الجنة فهي لرب العالمين يُدخلها من شاء ويُخرج منها من شاء.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.