رمال متحركة بأثر رجعي..

طارق أوشن يكتب لـ عربي21: رمال متحركة بأثر رجعي..

ما الذي يجعل الدول العربية والإسلامية، التي اجتمعت بالرئيس الأمريكي بالرياض قبل أيام، تضع بيضها كله في سلة رئيس أمريكي مثير للجدل ببلده قبل الخارج، ويواجه خطر إسقاطه الذي يتعاظم يوما عن يوم؟ ما من منطق أو مصلحة آنية كانت أو استراتيجية يمكنها تبرير هذا الترامي في أحضان دونالد ترامب الذي أكد مرارا خلال حملته الانتخابية أن على دول الخليج دفع مقابل الحماية الأمريكية إن هي أرادت الاستمرار في الوجود. 
 
 قد يفهم الأمر في حضور رئيس يحظى ب”شرعية” و”استقرار” في حكمه، أما وأن الاتهامات تتوالى على الرجل من كل حدب وصوب لدرجة تصل إلى مرتبة “التخابر” مع روسيا، فالبحث عن جواب مقنع أقرب ما يكون بالبحث عن إبرة في رمال صحراء. الأكيد أن ترامب وجد ضالته في نفس الرمال وعاد باتفاقيات بمئات الملايير من الدولارات حازت منها ابنته المدللة إيفانكا مائة مليون.
 
 لم تمض على “القمم” الأمريكية الخليجية العربية الإسلامية إلا أيام حتى فاجأت بعض القنوات الإخبارية المحسوبة على دول خليجية جمهورها بسهرة تلفيقات استهدفت دولة قطر وأميرها الشيخ تميم في تطور لافت لم ينفع معه النفي الرسمي القطري للتصريحات المنسوبة لأميرها ولوزير خارجيته في تصحيح اتجاه الحملة، التي بدت منظمة وإن كان توتر من أسند لهم أمر “تنشيط” السهرة من مذيعين قد فضح جزءا من المستور.
 
 في مقال سابق بهذا الموقع تحت عنوان “ويل للمهللين” كتبت ما يلي:
 تتوالى في المرحلة الأخيرة اتهامات للمملكة العربية السعودية ولدولة قطر بالتحديد بانتهاك حقوق العمال الأجانب، وتتوالى بيانات وتقارير المنظمات الحقوقية بانتهاكات تصل حد الجرائم ضد الانسانية في مواجهة التحالف العربي في حربه باليمن والبقية في الطريق ما دامت التجاذبات الانتخابية قد جعلت من العلاقة الغربية بالبلدين موضوعا للمزايدة هناك في أمريكا وفي دول أخرى على رأسها فرنسا، التي يبدي المرشحون الخمسة الكبار وعدا لإعادة النظر فيها بما يعنيه ذلك من سعي لتضييق الخناق عليها.
 
 وهي محاولات تجد لها صدى لدى كثير من العرب وإن اختلفت لديهم الدواعي والأسباب. ضائع هو من يثق في تاجر يبحث لاستثماراته على الربح دون اعتبار للعهود أو الاتفاقات.
 
 في أثناء “القمة” الأمريكية الإسلامية، استلم رئيس الانقلاب بمصر، في “شجاعة” نادرة، مشعل ترويج نفس الاتهامات في وجه قطر وتركيا، كما شرحت أذرعه الإعلامية بعدها. وكانت نبرته “قوية” بالشكل الذي يظهر أنه تلقى ضوءا أخضر بالجرأة في الخوض في الموضوع تمهيدا لآت لم يعتقد أكثر المتشائمين أنه سيظهر بالشكل الذي قدمته قنوات العربية وسكاي نيوز والإخبارية فجر الرابع والعشرين من مايو.
 
 ليطرح السؤال إن كانت الهجمة الإعلامية صافرة بدء مشروع أكبر تتجدد معه المحاور والولاءات وتتغير المجالس والأحلاف. وضع اليد على مجسم للكرة الأرضية لا يعني بالضرورة قدرة على تغيير الحقائق وفبركة المعطيات.
 
 تذكير بفيلم (سيريانا — 2005) للمخرج ستيفان غاغان.
 
 يدعو الأمير الشاب ناصر مستشاره الاقتصادي الجديد برايان وودمان إلى الدخول لغرفة جانبية.
 الأمير ناصر: لقد درست في أوكسفورد وناقشت الدكتوراه في جروج تاون. أرغب في إنشاء برلمان، في أن تحصل النساء على حق التصويت، في بناء أسس قضاء مستقل. أرغب في أن يباع النفط في بورصة الشرق الأوسط بعيدا عن المضاربين. 
 
 لماذا يباع النفط العربي في بورصتي لندن ونيويورك؟ أرغب في نظام تنافسي في مجال الطاقة حيث نمر عبر إيران في اتجاه أوربا كما اقترحت علي. نريد تزويد السوق الصينية أيضا. هذا ما نحتاجه للرفع من مردودية اقتصادنا. وقتها سأستثمر العائدات في مشاريع كبرى ترفع كفاءة مملكتي.
 
 برايان: هذا ممتاز. هذا ما يجب فعله.
 
 الأمير ناصر: نعم. لكن رئيسكم لا يتوانى كل مرة عن الاتصال بوالدي ليخبره أن البطالة مرتفعة بولاية تكساس أو واشنطن. النتيجة أننا نقلص من مخصصات المشاريع الاجتماعية ببلادنا لشراء طائرات بمبالغ مرتفعة. صحيح أننا مدينون للولايات المتحدة الأمريكية لكننا دفعنا الفاتورة كاملة. لقد وافقت على العرض الصيني لأنه كان الأفضل فتحولت إلى إرهابي وشيوعي شرير.
 
 في مواجهة السعي لاستقلال القرار الوطني والخروج عن السيطرة الأمريكية، كان نصيب الأمير ناصر صاروخا موجها حوّل موكبه إلى رماد بعد خيانة أحد المقربين، في الوقت ذاته كانت الشركات البترولية الكبرى تنصب شقيقه أميرا جديدا يضمن استمرار مصالحها. وفي مواجهة قيم “الاعتدال” التي كان الأمير المغتال يمثلها، لم تجد أمريكا في مواجهتها غير “انتحاريين” يخرجون لمواجهتها في البر والبحر والجو، لن تنفع ضدهم لا “حرب دولية على الإرهاب” ولا مراكز “اعتدال”.
 
 في فيلم (صولت — 2010) للمخرج فيليب نويس، وبعد أن يتمكن العميل الروسي تيد وينتر من الدخول إلى الغرفة الرئاسية الأمريكية المحصنة، وقتل الرئيس ومستشاريه المقربين بعد فتحه الحقيبة النووية، يعدل من المدن المستهدفة بالقصف النووي ليحصرها في مدينتين فقط: مكة وطهران.
 
 في الفيلم، الذي سنعود إليه لاحقا، يعتقد الروس أن ضرب المدينتين يعني نهاية الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة أمة إسلامية تعدادها يفوق المليار.
 
 قد يلوِّح دونالد ترامب باستعمال القوة العسكرية ضد طهران وقد يستخدمها. لكن ليس السلاح النووي دوما الوسيلة الوحيدة للقضاء على “الخصوم”، فلربما كان استنزاف مدخرات البلد المعني طريقا أسهل لتدميرها. تكثيف الاستثمارات السعودية بأمريكا مع وجود سيف دمقليس الممثل في قانون (جاستا) يعادل أسلحة الردع النووية تأثيرا.
 
 يقول برايان وودمان في فيلم (سيريانا) وهو يحدث الأمير ناصر بصراحة ووضوح:
 أتعرف ما يقال عنكم في أوساط المال والأعمال؟ يقال إنكم كنتم قبل قرن تعيشون في الخيام وتستمتعون بقطع رؤوس بعضكم البعض. وما عليكم غير انتظار مائة سنة أخرى لتعودوا إلى ما كنتم عليه.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.