طارق أوشن يكتب لـ عربي21: طوفان في بلاد البعث

يفتح المدير باب غرفة خالية ونظيفة عكس كل حجرات المدرسة الأخرى. وبكل فخر واعتزاز ينطلق في الحديث.
 
 المدير: هذه الغرفة هي غرفة الكومبيوتر، وجهزت حديثا.. وكذلك وصلتنا هذه الأجهزة (الكومبيوتر، الشاشة، الطابعة، علبة المفاتيح) ويتم تركيبها قريبا.. هذه الأجهزة هي عطاء من عطاءات الرفيق الدكتور بشار حافظ الأسد الذي نادى بالتطوير والتحديث…. وستوضع هذه الأجهزة بين أيدي تلاميذنا الأعزاء وسوف يتدربون عليها بكل دقة ونشاط وتصبح لديهم الحصيلة العلمية التي يسارعون بها في بناء مستقبل سوريا التقدم، سوريا الحضارة، سوريا بشار حافظ الأسد.
 
 ثم يغلق الباب على الغرفة النظيفة الخالية إلا من صورتين للأسدين حافظ وبشار، وعليهما ثلاث لمبات إضاءة مسلطة على وجهيهما المنيرين “إلى الأبد”.
 
 كان هذا واحدا من المشاهد الأكثر تعبيرا عن حال سوريا الأسد والبعث كما صورها عمر أميرلاي في فيلمه (طوفان في بلاد البعث — 2003). لم يكتب للمخرج أن يشهد طوفان الشعب السوري وهو يخرج هادرا إلى الشوارع والحارات طلبا للانعتاق من ربقة الحكم الأسدي البعثي حيث غادر الدنيا أياما قبل بدء الحراك الذي يعيش سنته السابعة على وقع مفاوضات انتقلت من جنيف وعواصم “العالم الحر” إلى غياهب جمهوريات اتحاد سوفياتي تفككت أوصاله، قبل أن يلملم فلاديمير بوتن بعضا من “كبريائه” سعيا لاستعادة مجد غابر في زمن تتحول فيه دول “العالم الحر” أو تكاد إلى حضن اليمين القومي المتطرف الواحدة تلو الأخرى. لكنه كان شاهدا على طوفان من نوع آخر وثقه ذات حماس شبابي.
 
 يقول أميرلاي في مقدمة فيلم: كنت من مؤيدي تحديث بلدي سوريا بأي ثمن ولو كان الثمن تكريس فيلمي الأول للإشادة بإحدى منجزات حزب البعث الحاكم: بناء سد الفرات. واليوم ألوم نفسي على ما فعلت، فانهيار أحد السدود التي شيدها البعث مؤخرا وتشقق سدين آخرين أحدهما سد الفرات واحتمال تعرض باقي السدود للمصير ذاته بحسب تقرير رسمي.. كل ذلك يجعلني أعود لتفقد المكان الذي قادني إليه في يوم من الأيام حماسي الشاب.
 
 واظب أطفال سوريا منذ ذلك التاريخ، كما أسلافهم، على تلقي ما كان يعتقده أميرلاي صوابا وانتهى كابوسا يأبى الزوال. لكن أطفال درعا بصموا بحيواتهم على شهادة ميلاد جديدة للشعب السوري، أو جزءا منه على الأقل، حين ارتفعت حناجرهم بشغب طفولي نادر تنادي بالحرية وسقوط الطغاة. وكانت تلك المفاجأة الأكبر، فكيف لطفل مساره خطته الدولة الأسدية انتماء لطلائع البعث في المرحلة الابتدائية، ولاتحاد شبيبة الثورة في الإعدادي قبل الانتهاء في حضن الاتحاد الوطني لطلبة سوريا بالمرحلة الجامعية وبعدها حزب البعث الاشتراكي العربي المشرف على كل تلك التنظيمات، كيف له أن يثور ويعلن العصيان؟ في الفيلم طٌرِح السؤال على مدير المدرسة، رئيس فرع الحزب بقرية الماشي، فكان جوابه استنكاريا وغير مستوعب لإمكانية رفض هذا المسار الإجباري. فطلائع البعث كما قال الرفيق الخالد حافظ الأسد، والعهدة على أحد المدرسين، “جيل المستقبل الباسم المشرق”. كل جيل يدرس من يليه نفس الإفك دون أن يرى للبسمة تحققا ولا للإشراق تجسيدا. هو تدجين للأجيال المتعاقبة تواطأ الشعب على استدامته ليتواصل صراخ الأطفال يعلو في الفصول: قادتنا أهلا بيكم.. مرحب شرفتونا.. أحلى تحية للقائد والكل يسمعونا.. طلائعنا نورنا بتحيي القائد بشار.. والكل يسمعونا.
 
 على قبر عمر أميرلاي يمد المخرج الشاب فؤاد ملصق فيلم (يوميات قرية سورية عادية) ويبدأ في الحديث للراقد في القبر.
 
 فؤاد: انكسر الخوف… طوفان يا عمر!
 
 والمشهد من فيلم (سلم إلى دمشق — 2013) للمخرج محمد ملص.
 
 الطوفان كان مستهدفا للحرية تماما كما درسها الأطفال في فصول بلاد البعث كما يرويها عمر أميرلاي.
 
 داخل إحدى الفصول بمدرسة قرية “الماشي”..
 
 المعلم: الحرية.. استيقظت فجر يوم على صوت هرة تموء بجانب فراشي وتتمسح بي فرابني أمرها، وقلت لعلها جائعة، فنهضت وأحضرت لها طعاما فعافته وانصرفت عنه، وأخذت تنظر إلى نظرات حزينة فأثر منظرها في نفسي تأثيرا شديدا، وتمنيت لو أنني أفهم لغتها لأعرف حاجتها. 
 تتم إحدى التلميذات قراءة النص: وكان باب الغرفة مغلقا فرأيت أنها تطيل النظر إليه وتلتصق بي كلما رأتني أتجه نحوه، فعرفت أنها تريد أن أفتح لها الباب فأسرعت بفتحه، وما أن وقع نظرها على الفضاء حتى انطلقت تعدو في سبيلها بفرح وسرور.
 
 يواصل تلميذ آخر: عدت أفكر في أمر هذه الهرة وأعجب لشأنها وأقول: هل تفهم الهرة معنى الحرية لكي تحزن لفقدانها وتفرح بلقائها؟ أجل، إنها تفهم معنى الحرية وما كان حزنها ومواءها وإمساكها عن الطعام والشراب إلا من أجلها.
 
 وبينما يتواصل النقاش السوريالي حول الحرية باعتبارها سبيل السعادة في الحياة بين المعلم والتلاميذ (طلائع البعث)، تتحرك الكاميرا خارج غرفة الدرس لتصور واقع مدرسة أشبه ما يكون بسجن بشبابيك مسيجة وممرات موحشة تشي بأنها مراقبة في سكنات تلاميذها وحركاتهم كما إدارتها ومدرسيها.
 
 التلاميذ هنا ومدرسوهم ينطقون بلسان غير لسان، وبأفكار غير أفكارهم في عملية غسيل أدمغة وتلقين ايديولوجي استلهمها “الخالد” حافظ الأسد من زيارة له لكوريا الشمالية كما يشرح مدير المدرسة مفتخرا. ترويض الأجيال الناشئة على الببغائية والاستكانة والخوف مرادف طبيعي لفلسفة ترويض نهر الفرات من خلال بناء السد عليه ولو أدى ذلك لمحو قرى كاملة من الوجود وتهجير سكانها.
 
 من نفس الكتاب المدرسي يقرأ تلميذ حكاية حياة نهر.
 
 التلميذ: في بلادي يغيرون تاريخ حياة نهر، يخترعون نهرا. ففي الخامس من تموز استيقظ نهر الفرات ليجد أن العرب السوريين قد نقلوه وفراشه وغطاءه إلى عنوان جديد. إنني أفهم حزن الأنهار عندما تجبر على ترك ملاعب طفولتها وأماكن حبها القديم وصداقاتها مع الطير والشجر. ولكنني أفهم طموح الثورات لتسخير كل شيء في الطبيعة لمصلحة الإنسان.
 
 يتفهم النص “مشاعر” نهر اجتث من مساره الطبيعي بعد أن تم تحويله. لكن بلاد البعث شهدت في السنوات الست الماضية تدميرا للبشر والحجر وتهجيرا قصريا للملايين “بعيدا عن ملاعب طفولتها وأماكن حبها القديم وصداقاتها مع الطير والشجر” لمجرد أنها أعلنت ثورة سلمية لمصلحة الإنسان قبل أن يحولها النظام لحرب شاملة استدعى لها الفرس والروس سندا ومقاتلين متعددي جنسيات مبررا لوجوده. وبعد أن كان الرفيق القائد المناضل رحمه الله، والكلام لمدير المدرسة، يقول: لن نفرط بذرة واحدة من تراب هذا الوطن، صار الوكن في عهد خليفته مرتعا لكل طامع تتنازعها القوى الإقليمية والدولية والمليشيات في الأرض والجو والبحر. وصار القرار السوري رهينة مصالح ساكن الكرملين ومرشد الحسينيات. أما البلد فتحولت لأثر بعد عين.
 
 في فيلم (طوفان في بلاد البعث) يحكي واحد من مواطني القرى التي كان سد الفرات سببا مباشرا في زوالها، ما عاننته سوريا المواطن والتاريخ والحضارة، ملخصا مآلات وضع البلاد وكأنه يتحدث عن واقع الحاضر المرير.
 
 المواطن: نحنا ولدنا وكبرنا بسلسلة من القرى بوادي الفرات. فجأة ايجوا وخزنوا مياه بحيرة السد وشفنا بيوتنا كيف عم تغرق وعم تدمر ودمرت معها كل الذكريات.. حذف ذكرياتنا وحذف الطفولة ايلي عشناها. لا زلنا نذكر ولو بشكل تقريبي أماكن كل بيت من بيوتنا. مثلا بيتي أنا هون تحت الماي هون .. ما مبين منه شيء ولو فيك تبحث تحت كل بيت من بيوتنا وبتلاقي آثار وحضارات من الفترة الإسلامية وحتى العصور الحجرية. مثلا في هاي المنطقة كم موقع يعود تاريخه لما يفوق 8.000 إلى 11.000 قبل الميلاد والحبوبة قريتنا هي أول قرية بنيت في التاريخ.. يعني أول ما استوطن الإنسان وحاول يزرع ويجني ثمار تعبه وتحول من صياد لمزارع ودجن حيوانات هي في هذه المنطقة بالذات. المنطقة قدمها قدم التاريخ.
 
 تلك سوريا، وهذا هو المصير الذي أوصلها إليه البعث الأسدي.
 
 من نافذة بيت بدأ فيلم عمر أميرلاي على وقع أصوات الطلائع يصرخون” بعث.. بعث.. بعث”، وعليها ينتهي وصوت الأذان يملأ المكان وكأنها نبوءة لقادم هو الواقع الذي تعيش سوريا ارهاصات تحققه يوم بعد يوم.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.