فبذلك فليفرحوا (5): على هامش انقلاب الثالث من يوليو..

طارق أوشن يكتب لـ عربي21: فبذلك فليفرحوا (5): على هامش انقلاب الثالث من يوليو..

الديكتاتور، كلاكيت مرة خامسة..
 

 وكانت جمهورية بامبوزيا مثالا يحتذى به في تداول السلطة، خصوصا بعد “موقعة الصينية المجيدة” (إطلاق رصاص على الرئيس من مسدس كان مخبأ داخل صينية الشاي)، بعدها تولى الرئيس شنن الجيوش قيادة الشعب البامبوزي البطل. ونعمت بامبوزيا بالأمن والاستقرار بفضل قراراته الحكيمة، وأهمها منع أي حد من الدخول عليه وهو شايل “صينية”. وصار شنن على نهج القادة العظماء المصلحين (على الحائط نستعرض صورا لهتلر وموسوليني).
 
 لترسيخ سلطتهم على البلاد والعباد، يختار “زعماء” الأنظمة الديكتاتورية استبعاد الكفاءات من مناصب المسؤولية، وتعيين من يدينون بالولاء التام والطاعة العمياء بديلا. ولأن هؤلاء يعلمون أن بقاءهم في المنصب رهن استمرار “الزعيم” في الحكم، فإنهم “يجتهدون” في ابتداع وسائل التقرب والتزلف من ولي النعمة؛ بشكل قد يبهر صاحب الشأن قبل غيره من المتابعين.
 
 في مصر، ظهرت طائفة من المنتفعين الجدد من وصول الحاكم الانقلابي لسدة الحكم اغتصابا. ظهر هؤلاء في الدكاكين الانتخابية المسماة أحزابا، وفي الإعلام ومؤسسات التربية والتعليم والمنظمات الثقافية والحقوقية، وفي غيرها، حتى بدا أن النفاق صار سلعة منتشرة في أرجاء المحروسة “بيت بيت.. زنقة زنقة”. هكذا يخلق الشعب و”نخبته” المتزلفة الفرعون، ولو كان مجرد “شنن جيوش” لم يُعرف عنه أنه خاض حربا أو انتصر في معركة، ولو قلده “الطرطور” نياشين المشير.
 
 مجانينو، 1993، للمخرج عصام الشماع
 

 داخل إحدى الغرف المظلمة بمستشفى المجانين، حديث بين مأمور المستشفى حلمي، صاحب السلطة الفعلية بالمستشفى بعد “ثورة المجانين” وتعيين الدكتور آدم زعيما “صوريا”، وجلال أحد أعوانه الأوفياء.
 
 جلال: ليا عندك طلب يا زعيم.
 
 حلمي: اطلب يا جلال.
 
 جلال: مفاتيح الزنازين! أنا نفسي أبقى وزير داخلية.
 
 حلمي: وزير الدفاع يا جاهل. مش خسارة في وفائك يا جلال.
 
 جلال: حفضل كلبك الوفي يا زعيم. هاو هاو هاو..
 
 حلمي: هوهو ثاني يا جلال.. سمعني صوت وفائك..
 
 جلال: هاو هاو هاو… هاو هاو هاو
 
 هكذا يختاز الانقلابي حاشيته ومرؤوسيه، والمتنافسون على “الهوهوة” والنباح بأعداد تزداد يوما عن يوم.
 
 في بداية “حكمه”، كان اختيار قائد الانقلاب، أو هكذا أوحي له بعد أن كان يقرأ من أوراق تكتب له للتغطية عن جهله وفقدانه لمقومات الخطيب المفوه الذي يلهم الجماهير، أن يضم لفريقه أسماء مشهودا لها بـ”الكفاءة” وبـ”النزاهة الفكرية”، تدليسا على الناس والمجتمع الدولي. لكن افتضاح “مستوى” تفكيره عندما اتخذ “الثرثرة” سبيلا لمخاطبة الشعب، أعاده لبيئته الطبيعية التي تعتمد الولاء الأعمى مقوما أوحدا للترقي وظيفيا، ولتحمل المسؤولية سياسية كانت أو اقتصادية أو ثقافية.
 
 ولعل في اقتصاره في اختياراته لمناصب الوزارات والمحافظين وغيرها على قدماء “العسكر” واللواءات المتقاعدين، في تكريس لمبدأ “الهوهوة” وتنفيذ الأوامر وتقبل تحمل “مسؤولية” الأخطاء والتقريع حماية لظهر الزعيم الملهم، دليل على أن الكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة آخر اهتمامات الانقلاب.
 
 وبالرغم من أن موجة انتقاد التوجهات الاقتصادية والسياسية لـ”النخبة” المختارة من حواريي السيسي وأدعيائه؛ انتقلت لصفوف من يطبلون له صباح مساء، فإن العمى السياسي والجهل المركب بتحديات الحاضر والمستقبل يجعلان استمرار نفس المنظومة المبنية على الفساد والإفساد قدرا محتوما على المصريين. فالسيسي الذي بدأ عهده بقصائد نساء يطلبن منه أن “يغمز” فقط ليلبين رغباته، وجد في بعض “الكتبة” ولاعقي البيادة من يعتبره “آخر الأنبياء”.
 
 قديما قالوا إن شر البلية ما يضحك
 

 الإضحاك في عهد قائد الانقلاب ممنوع، والسخرية جريمة تودي بصاحبها إلى النفي خارج البلاد أو الرمي في أقبية السجون. لا فرق في ذلك بين “أطفال الشوارع” و”أبناء الذوات”.
 
 مواطن ومخبر وحرامي، 2001 للمخرج داوود عبد السيد
 

 داخل ردهات قسم المباحث يمشي المواطن سليم والضابط مجدي..
 
 مجدي: كل ده حصل لك؟
 
 سليم: اسكت يا أخي.. كل ده علشان حتة محضر. انت عامل ايه يا مجدي؟
 
 مجدي: كويس، وانت؟
 
 سليم: الحمد لله، الحمد لله.
 
 مجدي: بس انت كنت شقي أوي زمان. كنت أكبر مشاغب مخل بالأمن.
 
 سليم: أنا؟ إزاي يعني.
 
 مجدي: كنت مسخرة. كنت بتعمل الناظر والمدرسين مسخرة. كنت بتقلدهم واحنا بنضحك.
 
 سليم: وده اسمه إخلال بالأمن ده؟
 
 مجدي: طبعا. انت متعرفش أن أكبر إخلال بالأمن هو الضحك، والأسوأ منه السخرية وخصوصا من أولي الأمر؟… والله زمان يا سليم.
 
 نظرية الضابط مجدي لم تكن مجرد قناعة شخصية، بل هي تعبير واقعي عن فهم الأجهزة الأمنية والأنظمة العسكرية لمفهوم السخرية التي يعتبرون القضاء عليها ومنعها من الوصول إلى الناس “معركة” وجود. لأجل ذلك لم يدخر النظام الانقلابي بمصر جهدا لإغلاق كل البرامج الساخرة التي ازدهرت بعد الخامس والعشرين من يناير، بل ملاحقة بعض صانعيها ولو التجأوا لوسائط بث خارج إطار قنوات التلفزيون. ولعل في استمرار حبس فرقة “أطفال الشوارع” دليلا آخرا على العداء الذي يكنه العسكر للسخرية، مقابل فسحهم المجال لكل مظاهر “العهر” التلفزيوني الخادش للسمع والأبصار.
 
 يعرف قائد الانقلاب وداعميه أن السخرية من الرئيس المنتخب وحكومته؛ كانت وسيلة ناجعة أوصلت السخط الشعبي لذروته طوال سنة من الحكم المدني. ولم يكن بالإمكان، في ظل غياب الثقة بين أركان وتيارات النظام “الجديد”، التساهل مع من سولت له نفسه انتهاج السخرية وسيلة لإبداء الرأي وانتقاد الأوضاع بالبلاد. لكن المدهش أن من كانوا يتسمرون أمام سيل الإعلانات في انتظار فقرات البرامج الساخرة، هم أول من رفع البطاقة الحمراء في وجهها خوفا على سمعة “الزعيم”، باعتبار الحديث عنه بـ”قلة أدب” تطاولا وانتقاصا وجريمة تستحق العقاب.
 
 هكذا عبدت “الجماهير” الطريق سالكا لاستهداف الذوق العام، الذي كان في طريقه للتعافي، وإفساده من جديد كوسيلة مثلى لإحكام القبضة على التوجهات الفكرية والسياسية للأفراد كما الجماعات.
 
 الفرح، 2009، المخرج سامح عبدالعزيز
 

 بينما كان المونولوجيست صلاح وردة يؤدي “نمرته” في حفل الفرح الصوري الذي نظمه المعلم زينهم، للحصول على “نقطة” تخول له شراء ميكروباص. وأمام استهجان المعازيم للعرض المقدم على الخشبة، يتدخل المعلم زينهم صارخا في وجه صلاح:
 
 زينهم: بس.. مش عايز طرب. هو احنا في الموسيقى العربية هنا؟ مش عاير طرب أنا. كل واحد عارف ايلي ليه وايلي عليه والكراسة موجودة. انزل يا عم صلاح.. الله يسترك خلينا نشتغل.. متخافش يا عم، أجرتك حتخذها.
 
 صلاح: مش مسألة أجرة يا معلم زينهم. أنا عايز الناس تسمعني.
 
 زينهم: يا عم تسمع ايه؟ انت مش شايف؟ حد دلوقتي يسمع نكت في الزمن ابن الكئيبة ده؟ خد منو الحديدة وشغلني يالله (موجها كلامه للنبطشي العسلي).
 
 العسلي: (يأخذ الميكرفون) نأسف للازعاج، وبنقول متشكرين للعم صلاح وردة ناظر المدرسة وصاحب المريلة، وبنقوله معلش يا وردة جرس الفسحة ضرب ضرب..
 
 وفي الوقت الذي يواصل فيه الانقلاب مهمته في تجريف كل مقومات الثقافة الجادة والفن الهادف بالمحروسة مقابل تشجيع الميوعة والإسفاف، يتواصل مسلسل “الهوهوة” صوتا للوفاء على مرأى ومسمع الجميع دون أدنى خجل أو وخز ضمير.
 
 الديكتاتور، 2009، للمخرج إيهاب لمعي
 

 عزيز، أحد أبناء حاكم بامبوزيا شنن الجيوش، في حفلة رسمية وهو المعتاد على حفلات المجون التي ينظمها باستمرار.
 
 عزيز: ايه الخنقة ايلي احنا فيها ده يا حنفي؟ أنا حاسس أن احنا في مجلس الشعب البامبوزي. مين دول يا حنفي؟
 
 حنفي: ده رسميات معاليك، ومتنساش أن حضرتك هنا بتمثل دولة بامبوزيا.
 
 عزيز: قلت لي الجدع ايلي هناك ده بيشتغل ايه؟
 
 حنفي: ده سفيرنا في مصر.
 
 عزيز: طب روح انده له يا حنفي..
 
 يصل السفير إلى حيث يجلس عزيز.
 
 عزيز: انت سفيرنا انت؟
 
 السفير: أؤمر جنابك..
 
 عزيز: اقعد
 
 يطلب زوجا من الطقطقات التي تستعملها الراقصات.
 
 عزيز: امسك.. تعرف تشغل دول؟ (يتمنع السفير للحظة) حنفي، هو سن التقاعد عندنا كام يا حنفي؟
 
 حنفي: ستين سنة يا افندم. لكن لو جنابك تأمر يمكن يبقوا أقل بكثير..
 
 عزيز: تك.. تك.. تك. (يبدأ السفير في استخدام الطقطقات على إيقاع لحن عزيز).. كل دقة من دول ح تمد بيك سنة.
 
 كانت تلك الكلمة المفتاح فتحول سعادة السفير إلى مجرد طقطاقة تحزمت لتبدأ وصلة رقص بمشاركة الحاضرين إرضاء لنزوات ابن شنن الجيوش.
 
 هوهو ثاني يا جلال.. سمعني صوت وفائك..
 
 هاو هاو هاو… هاو هاو هاو…

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.