ويل للمهللين!

طارق أوشن يكتب لـ عربي21: ويل للمهللين!

في ذكرى الغزو الأمريكي للعراق الذي كان يشكل، وقتها، رمزا للقوة العسكرية والاستثمار في العنصر البشري، أبى دونالد ترامب ، دون سابق إنذار أو انتظار لموافقة منظمة الأمم المتحدة، أن يفعل على الأرض باكورة وعوده الانتخابية في جعل أمريكا قائدة للعالم رغم أنف الجميع. وقع اختيار دونالد على مطار عسكري سوري بحجة كونه نقطة الانطلاق لطائرات قيل أنها قصفت المدنيين بخان شيخون بالسلاح الكيماوي. لم ينتظر الرجل تأكيدا لما يفيد شكوك “المجتمع الدولي” فسوريا اليوم أضعف الأهداف التي يمكن ضربها دون انتظار رد فعل خصوصا من “الحليف” الروسي. ولأن العرب عاشوا خيبة انتظار تدخل أمريكي في الحرب السورية طوال ولايتي باراك أوباما، فقد وجدوا في صواريخ توماهوك التي استخدمها خليفته مناسبة للتهليل والرقص على إيقاعات الدبكة وغيرها من الأهازيج دون أدنى اعتبار لجلال الموقف ورمزيته التي لا تخفى إلا على المهللين.
 
 قبل أكثر من عقد من الزمن، كان أي صاروخ يضرب العراق مناسبة للخروج إلى الشوارع لإعلان رفض العدوان على دولة عربية لم يكن نظامها أفضل من جاره البعثي السوري. وحده النظام الرسمي العربي بقي وفيا لخضوعه بعد أن ظنوا لوهلة أن أمريكا هي المخلص من “الأطماع التوسعية” لصدام. بعثيو سوريا كانوا أسعد الناس وقتها وهم يرون في تصفية العراق انتقاما من الخصم البعثي العراقي. دارت الدوائر وتحولت سوريا لمطمع لكل القوى الاقليمية والدولية وساحة لحرب لن تضع أوزارها حتى يتساوى البعثيون في الإذلال ومقاصد الاقتلاع والاجتثات.
 
 للتذكير فقط، فقد أقر مجلس النواب الاميركي (الكونغرس) الذي كان الجمهوريون مهيمنين عليه مشروع (قانون محاسبة سوريا) مباشرة بعد الانتهاء من عملية (تحرير العراق). كان القانون ينص على فرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على سوريا المتهمة بدعم الارهاب وحظي بمصادقة الرئيس الأمريكي جورج بوش. مناسبة التذكير بالموضوع، إقرار نفس المؤسسة قبل سنة تقريبا لقانون جاستا (العدالة في مواجهة رعاة الإرهاب) الموجه ضد المملكة العربية السعودية ولو لم يقم الرئيس الإمريكي السابق بالمصادقة عليه. والنتيجة أن الحروب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط تبدأ بقوانين تلصق تهمة الإرهاب بالدول المستهدفة في موازاة آلة إعلامية أساسها إنتاجات هوليودية تكرس المفهوم ذاته في عقلية المواطن الأمريكي والعالمي قبل المرور لمرحلة العدوان العسكري، فالتحالفات تتغير ولا صداقة في العلاقات الدولية المبنية على المصالح الآني منها والاستراتيجي.
 
 فيلم (سيريانا — 2005) للمخرج ستيفان غاغان.
 في اجتماع أمني عال، يقدم عميل المخابرات المركزية الأمريكية روبرت بارنس رؤيته لكيفية التعامل مع النظام الإيراني. تقاطعه رئيسة الاجتماع:
 الرئيسة: الهند صارت حليفا، روسيا أيضا والصين في الطريق. ما يمثل خطرا بالنسبة لنا هم كل هؤلاء المتواجدين في المساحة الممتدة من المغرب حتى باكستان. كلها دول تعيش أزمات اقتصادية مقلقة. أما إيران فهي على المستوى الثقافي حليف لأمريكا. إنها من الأهمية بمكان بالنسبة للأمن الطاقي الأمريكي.
 وفي اجتماع آخر لأجهزة أمريكية مختلفة، يبحث في أمر خلافة الأمير الأب المريض بدولة آل السبيعي، يدور حوار جانبي بين روبرت بارنس واثنين من الحاضرين.
 الشخص الأول: (وهو يشير لصورة تظهر على الشاشة) هل تعرفه؟
 روبرت: إنه الأمير ناصر السبيعي.
 الشخص الثاني : لقد استثمر أموالا طائلة في اقتناء أسلحة يمكن أن توجه ضد الولايات المتحدة الأمريكية. هذه بيانات بالتحويلات المالية المشبوهة ورسائل لتوظيف محمد الشيخ الذي نشك في حيازته للصاروخ موضع بحثنا.
 الشخص الأول: هذا الرجل خطير (تعني الأمير) وهذه أولوية رئيسنا.
 
 على خلفية الحديث نسمع شرحا مفاده: أنتم أمام نموذج أصيل لمملكة عربية يشكل النفط ثروتها الوحيدة. بعد انتصارها في الصراعات القبلية لعشرينيات القرن الماضي، تمكنت عائلة آل السبيعي من قيادة المملكة بشكل فعال دونما حاجة لاستخدام القوة في مواجهة الخصوم. لكن المستقبل سيكون مليئا بالمفاجآت والتحديات الكبرى. نعلم جيدا أن معدلات إنتاج النفط تتهاوى وأسعار الخام وصلت لمستوياتها الأدنى منذ 14 سنة… ولم يعين الأمير بعد خليفة له..
 
 الأمير ناصر في الفيلم شاب متفتح يسعى لتطبيق ما درسه بالجامعات الغربية ببلاده ضدا على تيار من العائلة يروم استمرار الوضع على حاله ضمانا لمواصلة وضع اليد على ثروات البلاد. يهدف ناصر لتحقيق استقلال بلاده عن التبعية لأمريكا ولأسعار البترول فاتجه نحو الصين بحثا عن علاقات أفضل مردودا، وهو ما حوله في نظر الغرب إلى مجرد داعم للإرهاب.
 
 في السنتين الأخيرتين رأينا كيف تحولت العربية السعودية ودولة قطر في نظر كثير من النخب الغربية، وفي ذيلها أبواق عربية، إلى دولتين داعمتين للإرهاب. يأتي هذا في وقت استلمت فيه قيادتان شابتان زمام الأمر في البلدين برؤيتين مستقبليتين أساسهما تنويع مصادر الدخل وتطوير الاقتصاد غير النفطي.
 هذا ما كان يسعى إليه الأمير ناصر السبيعي.
 عودة إلى سيريانا..
 الأمير ناصر رفقة مستشاره الإقتصادي الجديد برايان وودمان. يمنع الحرس الأمير الشاب من الدخول إلى غرفة والده بسويسرا حيث العائلة في رحلة استجمام.
 الأمير ناصر: هل تعلم لماذا يحضر أخي محامين من أمريكا؟ ما الذي يحضر له؟ أخبرني عما تعرف؟
 برايان: ماذا يحضر؟ ماذا يحضر؟ هم يعرفون أن النفط ينفذ عندهم وأن ثمانين بالمائة من الاحتياطي العالمي بالشرق الأوسط. تأمل في التطور الكرونولوجي: فرساي، السويس، 1973، حربا الخليج الأولى والثانية. لن يتراجعوا أبدا. إنهم سعداء بالنظر إليكم وأنتم تصرفون الأموال الطائلة في اقتناء الكماليات واكتراء غرف بخمسين ألف دولار في اليوم بدل الاستثمار في البنية التحتية وبناء اقتصاد حقيقي. سيأتي يوم تستيقظون فيه على وقع الإفلاس بعد أن تكونوا قد استنفذتم أعظم ثروة طبيعية في التاريخ.
 يدعوه الأمير إلى الدخول لغرفة جانبية.
 الأمير ناصر: لقد درست في أوكسفورد وناقشت الدكتوراه في جروج تاون. أرغب في إنشاء برلمان، في أن تحصل النساء على حق التصويت، في بناء أسس قضاء مستقل. أرغب في أن يباع النفط في بورصة الشرق الأوسط بعيدا عن المضاربين. لماذا يباع النفط العربي في بورصتي لندن ونيويورك؟ أرغب في نظام تنافسي في مجال الطاقة حيث نمر عبر إيران في اتجاه أوربا كما اقترحت علي. نريد تزويد السوق الصينية أيضا. هذا ما نحتاجه للرفع من مردودية اقتصادنا. وقتها سأستثمر العائدات في مشاريع كبرى ترفع كفاءة مملكتي.
 برايان: هذا ممتاز. هذا ما يجب فعله.
 الأمير ناصر: نعم. لكن رئيسكم لا يتوانى كل مرة عن الاتصال بوالدي ليخبره أن البطالة مرتفعة بولاية تكساس أو واشنطن. النتيجة أننا نقلص من مخصصات المشاريع الاجتماعية ببلادنا لشراء طائرات بمبالغ مرتفعة. صحيح أننا مدينون للولايات المتحدة الأمريكية لكننا دفعنا الفاتورة كاملة. لقد وافقت على العرض الصيني لأنه كان الأفضل فتحولت إلى إرهابي وشيوعي شرير.
 دونالد ترمب لا ينظر للموضوع كما يراه الأمير الشاب، فالعرب بالخليج يملكون من الأموال الكثير ويجب عليهم أن يدفعوا مقابل الحماية الأمريكية لعروشهم. حرب الخليج الأولى المعروفة أيضا بحرب تحرير الكويت كانت صفقة خاسرة حيث أن سابقيه لم يحسنوا التفاوض مع أمراء المنطقة بالشكل الذي يسمح لدولته بالسيطرة المباشرة على النفط وضمان الحصة الكبرى منه لعقود.
 ورغم ذلك، كان الاستقبال الرسمي لانتخاب الرجل احتفاء غير مبرر في كل بقاع الجغرافيا العربية رغم اختلاف توجهات الأنظمة بل دخولها في حروب كسر عظم بالمواجهة المباشرة أو الوكالة. النظام الأسدي أبدى سعادته لأولوية محاربة الإرهاب لدى الإدارة الأمريكية الجديدة قبل أن يستيقظ على ستين صاروخا تدك إحدى مطاراته العسكرية بدعوى استخدام السلاح الكيماوي. كانت التهمة نفسها ما عرض كولن باول فصولها في اجتماع لمجلس الأمن قبل أن يتبين كذب ادعاءاته سنوات بعد تدمير العراق.
 
 تتوالى في المرحلة الأخيرة اتهامات للمملكة العربية السعودية ولدولة قطر بالتحديد بانتهاك حقوق العمال الأجانب، وتتوالى بيانات وتقارير المنظمات الحقوقية بانتهاكات تصل حد الجرائم ضد الانسانية في مواجهة التحالف العربي في حربه باليمن والبقية في الطريق ما دامت التجاذبات الانتخابية قد جعلت من العلاقة الغربية بالبلدين موضوعا للمزايدة هناك في أمريكا وفي دول أخرى على رأسها فرنسا، التي يبدي المرشحون الخمسة الكبار وعدا لإعادة النظر فيها بما يعنيه ذلك من سعي لتضييق الخناق عليها. وهي محاولات تجد لها صدى لدى كثير من العرب وإن اختلفت لديهم الدواعي والأسباب. ضائع هو من يثق في تاجر يبحث لاستثماراته على الربح دون اعتبار للعهود أو الاتفاقات.
 
 في مواجهة السعي لاستقلال القرار الوطني والخروج عن السيطرة الأمريكية، كان نصيب الأمير ناصر صاروخا موجها حول موكبه إلى رماد بعد خيانة أحد المقربين، في الوقت ذاته كانت الشركات البترولية الكبرى تنصب شقيقه-الدمية أميرا جديدا يضمن استمرار مصالحها. وفي مواجهة قيم “الاعتدال” التي كان الأمير المغتال يمثلها، لم تجد أمريكا في مواجهتها غير “انتحاريين” يخرجون لمواجهتها في البر والبحر والجو.
 
 يقول برايان وودمان وهو يحدث الأمير ناصر بصراحة ووضوح:
 أتعرف ما يقال عنكم في أوساط المال والأعمال؟ يقال إنكم كنتم قبل قرن تعيشون في الخيام وتستمتعون بقطع رؤوس بعضكم البعض. وما عليكم غير انتظار مائة سنة أخرى لتعودوا إلى ما كنتم عليه.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.