اعتصام "الكامور": السلطة المحلية كشرط ضروري للديمقراطية والتنمية

طارق الكحلاوي يكتب لـ عربي21: اعتصام “الكامور”: السلطة المحلية كشرط ضروري للديمقراطية والتنمية

مثلما يحدث بشكل متواتر خاصة منذ سنوات الثورة تنتفض الجهات الداخلية في تونس على الدولة المركزية وتطرح مطلب التشغيل ليس من زاوية مطلبية تقليدية لكن من باب مساءلة المنظومة الهيكلية للبلاد والدولة. انتقل رئيس الحكومة في الايام الاخيرة مع نصف حكومته لولاية تطاوين، وهي اقصى ولايات البلاد والتي تعرف اعلى نسب البطالة فيها، للتفاوض بشكل مباشر مع الشباب المعتصمين وسط الصحراء والذين اغلقوا محور طرقات اساسي يعرف بـ”الكامور” لشبكة النقل المرتبطة بما يفوق مئة شركة بترول. 
 
 فالولاية هي اهم المناطق النفطية في تونس، والمسالة هنا كما هي في ولايات اخرى: الولايات الاكثر تفقيرا وتهميشا منذ دولة الاستقلال هي الحاضنة للثروات الطبيعية للبلاد. المواجهة بين اهالي الولاية والدولة، وهي سلمية نموذجية، تتركز حول الكليات: كيف يحق للتونسيين التصرف في ثرواتهم الطبيعية. المسالة هي جرح عميق نتج عن اهمال الدولة المركزية التي سلمها المواطنون في اقاصي البلاد مهمة تسيير وتصريف الثروات الطبيعية. 
 
 ما يحدث في تطاوين يطرح بشكل جذري موضوع طريقة الحكم وليس فقط مسالة التنمية. اذ ان المسالة الاقتصادية، بما في ذلك التشغيل، من هذه الزاوية هي مسألة مدى عمق ثقة المواطن في دولته المركزية، وهي ايضا مسالة الي اي حد في عصرنا الراهن يمكن بناء ديمقراطية بدون سلطة محلية. 
 
 مرت الهيكلة الديمقراطية للحكم عبر التاريخ بمراحل معقدة وطويلة. اذ كانت في مراحلها التاسيسي الاولى في العصر العبودي في البحر المتوسط متكيفة مع وضع اللامساواة بين مجتمعين، الحر والعبودي. الديمقراطية في نشأتها كانت صيغة لتنظيم الحكم بين الاحرار لضمان استمرار العبودية. عندما تفجرت الثورات الكبرى الاوروربية والشمال امريكية في الفترة الحديثة تم استعادة الصيغة الديمقراطية للحكم لاعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية بما يسمح للفئات الاجتماعية الجديدة الصاعدة تحديدا طبقة التجار-البنكيين الحضرية لخرق احتكار الحكم من قبل ملاكي الاراضي، ومن ثمة نشأ مفهوم المواطنة بما هو صفة اي شخص تجاه الدولة المركزية تحذف خصوصيات فئة اجتماعية على حساب البقية. هذه الثورات لم تفعل بشكل فوري مبدأ المساواة بين المواطنين وكان علينا ان ننتظر للقرن العشرين حتى يصبح فعلا لجميع المواطنين مهما كانت اختلافاتهم الجندرية او العرقية-الثقافية حق التصويت والترشح. 
 
 غير ان ذلك كان عموما باستثناء بعض النماذج الفيدرالية او اللامركزية نموذج الدولة المركزية الديمقراطية. في عصر تهاوي احتكار الدولة للمعلومة والفضاء التواصلي وتصاعد تأثير كل فرد او مجموعة في المسار العام اصبح من المستحيل الحفاظ على نموذج الدولة المركزية الديمقراطية. وربما من اسهامات ثورات الربيع العربي هو تحديدا هذا المستوى من تهرئة اسس الدولة المركزية في شكلها الاستبدادي المتعفن والخاضع للوبيات داخلية وخارجية، وطرح البديل الجذري اي المرور بشكل حثيث الى دولة ديمقراطية لامركزية. فالانتقال الديمقراطي يصبح في سياق التوتر الاجتماعي الحالي الذي يخلق هويات مركزة في سياقها المحلي يصبح بلا معنى اذ تم التمسك بهيكل الدولة المركزية الذي استعملته منظومة الاستبداد والفساد لعقود طويلة. 
 
 نتفق هنا مع البعض الذي يقول ان المشكل سياسي وليس فقط اقتصاديا في تطاوين. لكن فمة فرق في تشخيص السبب السياسي. هذا البعض يقول ان المشكل في النظام السياسي المشتت.. ويقترحون في المقابل اصلاحه من خلال الغاء النظام البرلماني الحالي وتعويضه بنظام مفرط في المركزية بيد شخص واحد اي الرئيس الحالي على اساس ان يوسف الشاهد رئيس حكومة فعلا وعلى اساس ان السبسي لا يحكم فعلا. لمشكل ليس في مركزة النظام السياسي بل على العكس في المضي باسرع ما يمكن نحو السلطة المحلية. المشكل هو عدم الثقة في النظام القديم الذي حكم وهمش هذه الجهات لعشرات السنين، والسلطة المحلية هي القادرة على اعادة الثقة للناس.
 
 هناك خلل هيكلي في العلاقة بين الدولة المركزية وهذه الولايات القصية والمهمشة. وهو ار واضح ليس فقط بنسبة بطالة مرتفعة لكن ايضا بغياب الدولة، غياب فروع مؤسسات عمومية اساسية، فولاية طاقية بامتياز لا يوجد فيها تمثيلية للمؤسسات العمومية المعنية للطاقة. تغيير صبغة ارض من فلاحية الى عقارية تجارية يستوجب التنقل لمئات الكيلومترات نحو العاصمة اكثر من مرة. لا يوجد اي تمثيلية لؤسسات الدولة المركزية في موضوع اساسي بالنسبة لولاية نفطية اي موضوع البيئة. 
 
 في المقابل طرح الشباب المعتصم مطالب هيكلية مثل مكتب في الجهة بمثابة حكومة مصغرة يمثل اهم الوزارات بالنسبة للمنطقة لمتابعة القرارات التي تم التوصل اليهاـ، وموقع الكتورني يتابع بشكل شفاف كل مطالب العروض بالنسبة لشركات البترول ويعطي اولوية للشركات المحلية. وهذا يطرح بشكل اساسي المسؤولية الاجتماعية المحلية للشركات البترولية الاجنبية المستثمر في المنطقة، ويعيد طرح الحاجة لضريبة محلية تخصص نسبة من الارباح لتنمية المنطقة. 
 
 المشكل في الثقة في منظومة الحكم وليس في الحكومة الحالية فحسب. لكن الاخيرة تقوم بصب الزيت على النار عندما لا تفهم هذه اللغة المختلفة وتقابلها باجراءات روتينية، مما تسبب في طرد رئيس الحكومة. وتعمق طبقة الحكم الحالية الشرخ بالاصرار على محاولة تمرير قانون التطبيع مع الفساد الذي طرحه الرئيس السبسي. هناك رؤيتين الان للديمقراطية والتنمية، واحد متخلفة متقوقعة في الماضي اتية من نخبة الحكم التقليدية، والاخرى بصدد التشبيك بين الفئات الشبابية وتتطلع الى صيغة متجددة للحكم والتنظم ومن ثمة منهجية مختلفة في التنمية.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.