ترامب في عاصفة "الاف بي آي" وتحت ظلال كيسنجر

طارق الكحلاوي يكتب لـ عربي21: ترامب في عاصفة “الاف بي آي” وتحت ظلال كيسنجر

بشكل مفاجئ وبدون مقدمات “طرد” الرئيس الامريكي دونالد ترامب مدير الشرطة الفيدرالية الامريكية “الاف بي اي” جيمس كومي يوم الثلاثاء الماضي. وبعد ذلك بيوم استقبل ترامب بشكل شبه سري (حيث لم يتم استدعاء المصورين الرسميين للتوثيق) وزير الخارجية الروسي لافروف وممثل روسيا في الامم المتحدة الذي تحوم حوله شبهات التعاون مع قادة حملة ترامب وهو احد المعنيين بتحقيق الشرطة الفيدرالية. عوضا عن ذلك تم استدعاء الصحفيين لتوثيق لقاء ترامب مع ضيف من نوع خاص هنري كيسنجر.
 
 الملخص هو الاتي: كومي تم طرده في علاقة بالتحقيق في علاقة ترامب بالروس، وكيسنجر هو راعي التقارب بين ترامب وبوتين. بمعنى اخر اصبح الصراع في قلب المؤسسات الامريكية واكثرها قداسة مرتبطة بشبهات علاقة تقرب للعمالة مع دولة لازالت تعتبر خصما من وجهة نظر الامن القومي الامريكي. ماهي دلالات كل ذلك في الملفات الداخلية الخارجية على السواء.
 
 بدأت المؤشرات التي احاطت باقالة جيمس كومي تتوضح. وبالتأكيد لا يتعلق الامر بسبب واحد بل بتراكم من الاسباب على رأسها اصرار كومي على مواصلة التحقيق في علاقة قيادات حملة ترامب الانتخابية بالسلطة في روسيا. كشفت النيويورك تايمز يوم الخميس انه في لقاء عشاء في البيت الابيض في شهر جانفي واثر اسبوع من الاعتلاء الرسمي لترامب لسدة الرئاسة جمع الاخير مع كومي رأسا لرأس اقترح الرئيس على مدير الاف بي اي “الولاء” فأجاب الثاني انه لا يستطيع ان يعد الا بـ”الصراحة”. كان ذلك التأسيس الاول للشرخ بين الاثنين. 
 
 القطرة التي أفاضت الكأس يبدو انها كانت يوم الثلاثاء عندما رفض كومي ان يعلم بشكل مسبق مساعدي ترامب خاصة وزير العدل جيف سيشينس عن مضمون شهادته امام مجلس النواب يوم 3 ماي في خصوص تقدم البحث الذي يقوده الاف بي اي فيما يخص قضية شبهة التأثير الروسية في حملة ترامب. 
 
 وقد نقلت وكالات أنباء ان مصدرا بالكونغرس اوضح أن كومي أبلغ مشرعين في الأيام القليلة الماضية بأنه طلب من وزارة العدل إتاحة موارد إضافية وبالأخص المزيد من الموظفين من أجل تحقيق روسيا. وأضاف المصدر أن كومي أبلغ المشرعين بهذا الطلب بعد أن طلبت لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ، التي تجري تحقيقاً منفصلاً في الأمر، من مكتب التحقيقات الاتحادي الإسراع بإتمام تحقيقه بشأن روسيا.
 
 في كل الحالات لم يكن في مصلحة ادارة ترامب ان طرد كومي اتت مباشرة اثر قرار المحققين الفيدراليين قرار اتهام رسمي يوم الثلاثاء لاهم مساعدي ترامب المتهمين بشبهة العلاقة مع الروس اي الجنرال مايكل فلين والذي عينه ترامب مستشاره للامن القومي قبل ان يعزله من منصبه اثر افتضاح اتصاله بممثل روسيا في الامم المتحدة سيرغي كيسلاك ووعده اياه برفع العقوبات الامريكية على روسيا التي اعلنها الكونغرس بمجرد انتخاب ترامب. 
 
 للمفارقة ايضا سيرغي كيسلاك كان حاضرا في البيت الابيض هذا الاسبوع خلال زيارة اداها وزير الخارجية الروسي لافروف الى البيت الابيض وهي الزيارة التي حرص مسؤولو الاعلام في ادارة ترامب بالتقليص من مجال تغطيتها الاعلام اذ تجنبوا اخذ صور للحاضرين. ولولا المصورين الروس لم يكن من الممكن التقاط صورة لترامب يصافح كيسلاك وهو الشخص الاساسي المشتبه به من الجانب الروسي في قضية علاقة السلطات الروسية بحملة ترامب وتحديدا الجنرال فلين. 
 
 اللقاء في الذي جمع وزير الخارجية الروسي مع ترامب “تصادف” انه كان قبل لقاء حاول اعلام البيت الابيض التركيز عليه وهو الخاص بوزير خارجية ادارة نيكسون ذائع الصيت هنري كيسنجر. هنا توجد طبعا الخلفية التاريخية غير المريحة والخاصة بالصيت السيء لادارة نيكسون ومحاولة تدخلها في الاجهزة الامنية لتوظيفها من اجل التنصت على الخصوم، نفس التدخل الحالي ولو في سياقات اخرى. 
 
 وتم اعلان مضمون اللقاء بين ترامب وكيسنجر بوضوح بانه “يتعلق بمناقشة العلاقة مع روسيا وامور اخرى”. من المعروف ان كيسنجر يدافع منذ سنوات على “اعادة ترتيب” علاقات واشنطن بروسيا في اتجاه موازين قوى جديدة تعترف باستعادة روسيا لبعض قوتها. ودافع كيسنجر ايضا بتفويض روسيا بعد النفوذ في بعض المناطق ومنها الشرق الاوسط، وعلى هذا الاساس دافع على حلف روسي امريكي لمقاربة المشكل السوري. 
 
 لكن الاستفادة من كيسنجر تكمن ربما في ملف اخر وهو الاستلهام من تجربته في تاجيج صراع بين العملاقين الروسي والصيني من اجل تعزيز المصالح الامريكية. ومن المعروف ان كيسنجر قاد في بداية السبعينات سياسة تقارب مع بيكين في مواجهة السوفيات واستغل بذلك الصراع الايديلوجي بين قطبي الرحى الشيوعي الذي انطلق مع خروتشيف والان ماو تسي تونغ ان الاتحاد السوفياتي لم يعد منذ اواخر الخمسينات على الخط الشيوعي الحقيقي وان خروتشيف “تحريفي”. ورغم غياب علاقات رسمية مع الصين وتوتر العلاقات معها على خلفية الصراع في الفيتنام اختارت واشنطن حينها الانفتاح عليها بهدف الاستفادة من الصراع الصيني السوفياتي. وقد اشار مساعد وزير الخارجية الامريكي السابق نيكولاس بورنز منذ حوالي الشهر الى احتمال اتباع هذه السياسة من قبل ادارة ترامب. 
 
 في كل الحالات يبدو ترامب بشكل متزايد غارقا في مستنقع روسي من كل الجهات، الداخلية كانت او الخارجية. ولا يبدو ان ذلك بصدد المساعدة على تحسين وضعه. اذ لا يزال الروس يحافظون في المخيال الامريكي على صورة سلبية. ويتناقض هذا المشهد مع جوهر صورته السياسية القائمة على اعلاء الذات الامريكية. واقحامه احد اكثر المؤسسات الامريكية تعبيرا على السيادية وعلى الامن القومي الداخلي اي الشرطة الفيدرالية في هكذا صراع لن يحسن من فرصه لتجاوز هذا الجرح.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.