قراءة في خطاب الرئيس التونسي أو "الحكواتي الأخير" (2)

عادل بن عبد الله يكتب لـ عربي21: قراءة في خطاب الرئيس التونسي أو “الحكواتي الأخير” (2)

في الجزء الأول من هذا المقال حاولنا أن نشتغل على العناصر السياقية وغير اللغوية في خطاب الرئيس التونسي بقاعة المؤتمرات بالعاصمة يوم 10 ماي 2017. وقد بينا ارتفاع سقف الانتظارات/ التوقعات بحكم التحشيد الإعلامي الذي ضخّم الحدث محاولا رفعه إلي مرتبة “الخطاب التاريخي”. كما بيّنا أنّ الغالب على أفق الانتظار الجماعي كان مرتبطا بالتوجهات الانقلابية للسلطة الندائية، تلك السلطة المنبثقة عن انتخابات 2014 والتي تحاول من ألف وجه الانقلاب على ما تبقى من منجزات الثورة (تعطيل أغلب الهىئات الدستورية والرقابية من مثل المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية العليا، عدم خلاص رواتب موظفي الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد واضطرار رئيسها إلي تسريح عشرة موظفين، الهجوم الممنهج على هيئة الحقيقة والكرامة والتحريض الدائم على رئيستها المناضلة سهام بن سدرين، التضييق على الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب وعدم توفير أبسط ظروف النشاط الطبيعي لأعضائها، عدم احترام حرية الصحافة وتراجع تونس في ترتيب الشفافية المالية نتيجة غياب أية سياسات حقيقية لمقاومة منظومة الفساد، الانقلاب على أحكام الدستور والقوانين المنظمة للسلطات بممارسة نظام رئاسي حوّل مركز السلطة من القصبة إلى قرطاج، …الخ). 
 
 بصرف النظر عما تمارسه السلطة من تعطيل متعمد للعديد من الهيئات العليا والمؤسسات الدستورية، يعلم كل التونسيين طبيعة المبادرات التشريعية (مشاريع القوانين) التي تقدمت بها رئاستي الجمهورية والحكومة بعد وصول الباجي قائد السبسي إلى قصر قرطاج. كما يعلم التونسيون عدد “المشاريع” التي اضطُرّت المعارضة إلى الطعن في عدم دستوريتها أمام “الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين”. ولكنّ “تضامنات” السلطة ومصالحها الحيوية المرتبطةببعض الجهات النافذة في الدولة العميقة تجعلها سلطة بلا ذاكرة، أو سلطة مقاومة للذاكرة عندما يتعلق الأمر بتمرير مشاريع قوانين أو سياسات عامة أثبت الواقع لا شعبيتها وأثبت الخبراء لا دستوريتها. ولعل أفضل مثال لهذا التوجه الارتكاسي اللاوظيفي للسلطة هو المشروع سيء الذكر الخاص بما سُمّي ب”قانون المصالحة الاقتصادية والمالية “ والذي يشمل العديد من أركان النظام السابق في عالمي الإدارة والمال. 
 
 رغم فشل المبادرة التشريعية الخاصة بمشروع “المصالحة” (أو ربما بسبب فشل الباجي وفريقه في تمريره وجعله مشروعا نافذا منذ شهرجويلية 2015) ارتبطت انتظارات التونسيين من رئيسهم بهذا المشروع المثير للجدل. وقد تزايدت مشروعية هذه الانتظارات بعد أن صرّح نبيل بوفون عضو الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بجهوزية هيئته لإجراء استفتاء حول مشروع المصالحة لو طلبت الرئاسة منها ذلك. بعد هذا التصريح “المسيّس” وغير المسؤول (بحكم انحيازه الظاهر للرئاسة وتحدثه باسم الهيئة دون تكليف قانوني) انتظر التونسيون من الباجي أمران أساسيان قد ينسفان المسار الديمقراطي كله من أجل عيون الأزلام: تنقيح الدستور صوب نظام رئاسي يمكّن الباجي من تمرير قانونه بعيدا عن المجلس النيابي، أو الدعوة إلى استفتاء عام في شأن مشروع المصالحة. فماذا قال “الحكواتي الأخير” في خطابه وإلى أي حد نجح في كسر أفق الانتظار هذا وبأي معنى؟
 
 يحتل الحكواتي (أو “الفداوي” باللهجة التونسية) في المجتمعات التقليدية وظيفة أساسية باعتباره مأتمنا على نقل التراث”الشفوي” أو “المحكي” إلى المتلقين ضمن فضاءات خاصة وعامة. في المنازل والمقاهي والشوارع، كان الحكواتي يعمل على تمرير جملة من القيم والأفكار والعقائد التي اتفقت الجماعة على تثمينها وعلى جعلها أساس إعادة الإنتاج الثقافي لذاتها، ولذلك يمكننا أن نقول إنّ الحكواتي كان الناطق باسم الجماعة كلها من جهة مثلها العليا ومنظوماتها القيمية ونماذجها السلوكية. فهل يمكننا أن نصف الباجي بعد خطابه “التاريخي” بالحكواتي “الجيد” على الأقل من جهة التزام بدوره الدستوري في تمثيل مصالح المجموعة الوطنية ( التي ترادف الجماعة الثقافية في الانتظام السياسي ما قبل الحديث) وابتعاده عن تمثيل “جماعة مخصوصة” أو لوبيات معينة دون غيرها؟
 
 لمّا أطلقنا على الباجي قائد السبسي صفة “الحكواتي الأخير” كنّا نشير إلى أنّ الرئيس التونسي قد دفع بشخصية الحكواتي إلى سبت تاريخها أو إلى نهايتها المنطقية وأزمتها القصوى. فالباجي قائد السبسي الذي اكتسب شرعيته من انتمائه “الممسرح” والبراغماتي للبورقيبية لم ينجح إلاّ في إحياء أسوأ ما فيها. فبحكم سنّه وبحكم عقله السياسي الزعاماتي لا يستطيع الباجي أن يحيل إلا إلي البورقيبية المريضة (بالمعنيين الصحي والسياسي). ولم يكن اعتماده على “الشفوية” وتجنب المكتوب إلاّ مظهرا من مظاهر هذا العرض المرضي الغالب على الأداء السياسي للرئيس التونسي منذ أن بعثته الدولة العميقة من مرقده ليكون قاطرتها الرئيسة في استراتيجياتها الهادفة إلى الانقلاب على منجز ثورة 17 ديسمبر المجيدة.
 
 في الخطاب “التاريخي”، كان الانتماء الى العقل السياسي الشفوي( حيث تغيب المفهمة والكتابية وتعدد الأصوات والحوارية والنسق الحجاجي العقلاني وتحضر الصورة والمجاز والخطابة وأحادية الصوت ومركزية) يحكم الرئيس التونسي كالعادة. فالباجي لم يستوعب بعد الحدث الثوري (وكيف له أن يستوعب أو أن يثمّنه والحال أنّ وجوده في قرطاج يُمثّل النقيض المفهومي والموضوعي لكل ما هو ثوري؟) ولذلك لم يكن قادرا على “احترام” الدستور والمنطق الجديد الذي انبنت عليه السلطة التنفيذية. كان الحدث كله يشير إلى “خلل عميق” في النظام السياسي التونسي، وكان من يؤثث هذا الحدث/المسرحية (بالحضور أو بالغياب) جزءا من “الأزمة” أو مظهرا من مظاهرها وذلك بصرف النظر عن الادعاءات الذاتية للفاعلين الأساسيين في المشهد السياسي التونسي. 
 
 جسّد الباجي في هذا الخطاب دور “الحكواتي الأخير” الذي أفسد “الصناعة” شكلا ومضمونا. فالحكواتي هو صوت “الجماعة” كلها بينما كان الباجي صوت جزء صغير من اللوبيات الإدارية والمالية التي يصرّ رئيس الدولة على معاملتها بمنطق “التمييز الإيجابي” بصورة مخالفة للدستور ولكل المواثيق الدولية، بل مخالفة حتى لشروط الجهات المانحة التي صارت أحرص من الحكّام على تفكيك شبكات الفساد حتى تضمن قدرة تونس على سداد ديونها وعدم احتياجها لقروض جديدة “مشبوهة”. كان من وظائف الحكواتي في المجتمعات التقليدية تثمين “المعايير الأخلاقية” والمثل العليا للجماعة الثقافية التي ينتمي إليها بصرف النظر عمّا يحكم الواقع، بينما رأينا الباجي يصرّ على جعل الواقع (بما يحكمه من موازين قوى وقيم انتهازية منحدرة من نظام المخلوع) حجةً لتمرير مبادرته التشريعية بصرف النظر عن أحكام الدستور واستحقاقات الثورة. 
 
 في خطابه “التاريخي”، حافظ “الحكواتي الأخير” على جملة من الثوابت التي لازمت كل خطبه وتدخلاته الإعلامية بعد الثورة. فقد غلب على هذا الخطاب -الذي هو أقرب للخطبة بالمعنى الديني- الاستشهادُ بالآيات القرآنية ( وهو استشهاد كثر فيه اللّحن كالعادة حتى تندّر التونسيون بأنهم انتظروا تنقيح الدستور فإذا برئيسهم يُنقّح القرآن الكريم)، كما غلبت”الإنية المركزية” L’Egocentrisme على الخطاب ولكن بصورة اعتباطية وغير مراقبة. فجاء الكلام على عواهنه يدكّ آخرُه أوّله وينقض الخبرُ فيه المبتدأ ولا يكاد يبين فيه إلا أنا المتكلم الذي كان يقول الشيء وضده، بل كان لا يبالي أحيانا حتى بتوفر شرط الإفهام لكثرة الجمل غير التامة في كلامه. 
 
 مع الباجي قائد السبسي –أو الحكواتي الأخير- أصبحت البورقيبية سرديةً مقاومةً للثورة، بل أصبحت سردية ثورية مضادة بامتياز. إذ يؤتى بها وبأساطيرها التأسيسية لضرب مسار الانتقال الديمقراطي ولعرقلة الانتقال المفهومي والمؤسسي من فضاء الجمهورية الأولى الضيق إلي فضاء الجمهورية الثانية وما يحكمه من قيم ومفاهيم.ولا يخفى على أي عاقل أنّ من العبثية أن ننتظر من الباجي شيئا غير ما أظهره منذ أن أعادته “الماكينة” إلى واجهة الحقل السياسي. فالباجي قائد السبسي هو كائن لاوظيفي منظورا إليه من جهة الانتقال الديمقراطي والاستحقاقات الثورية، ولكنه كائن فائق الوظيفية حين ننظر إليه بمنطق الدولة العميقة وبمنطق اللوبيات المالية-الجهوية-الأمنية التي كانت ومازالت متنفذة منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا. 
 
 من أجل ذلك كله، كان على الباجي في خطابه أن يحافظ على النبرة العدائية ذاتها تجاه المرزوقي (الذى ذكره مرتين في مواضع “سلبية” مكتفيا بصفته دون إسمه ،ومسويّا بينه وبين “المخلوع” باعتبار أنهما رئيسان سابقان لتونس)، كما كان عليه أن يستمرّ في شيطنة التحركات الاحتجاجية والغمز ب “عبثيتها” و”لا مسؤوليتها” في هذا السياق المأزوم والهش من التاريخ التونسي. لقد أراد الباجي في خطابه “التاريخي” أن يبعث برسالتين أساسيتين للداخل والخارج: أول رسالة هي أنه لا مهرب من تمرير مشروع المصالحة الاقتصادية والمالية باعتباره أولوية استراتيجية تضمن للباجي وابنه –بعيدا عن تبريراته المتهافتة- دعم جزء هام من “المنظومة” خلال الاستحقاقات الانتخابية القادمة بدءا باستحقاق الانتخابات البلدية، أما ثاني رسالة فهي استعداد النظام الحاكم لعسكرة الجنوب( ولِمَ لا الدولة كلها؟) لو اضطرت لذلك قصد حماية “المصلحة الوطنية العليا”( مع فهم أنّ المقصود ب”المصلحة الوطنية العليا” هو امتيازات الدول الكبرى ووكلائها المحليين). 
 
 ختاما، قد يكون من الضروري التذكير مرة أخرى بأنّ إعادة الصراع إلي مداراته الحقيقية (وهي مدارات اقتصادية اجتماعية تهدف إلى إعادة توزيع الثروة وتقاسم السلطة على أساس اكثر عدلا) لا يمكن أن تتم إلا عندما تنجح النخب العلمانية والإسلامية في التفكير بمنطق “ما بعد البورقيبية” باعتبارها لحظة تجاوز جدلي للجمهورية الأولبوليس باعتبارها بالضرورة نفيا مطلقا لما تحمله البورقيبية من ممكنات تحديث وعقلنة. فالتأسيس للجمهورية الثانية لن يتجاوز مستوى الشعارات والمزايدات الإيديولوجية ما دامت البورقيبية هي “الخطاب الكبير” المتحكم في الحقل السياسي، وما دامت الأساطير الثقافوية المؤسسة “للنمط المجتمعي التونسي” تمنع الفرقاء من إدارة الصراع السياسي بعيدا عن المسائل الثقافوية-الهووية التي لا يستفيد منها –في نهاية التحليل- إلا حراس النمط وخرافاته التي أصبحت مجرد أيديولوجيا محافظة بل رجعية لا هدف لها إلا تثبيت الوضع القائم ومنع أي تعديل قد يمسّ منطق/علاقات السلطة والثروة في تونس.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.