عن "الجزيرة" التي غيرت التاريخ

عارف أبو حاتم يكتب لـ عربي21: عن “الجزيرة” التي غيرت التاريخ

رافقني حُسن الطالع في زيارتي للدوحة الأسبوع الماضي، كانت مناسبتان في آن، أن أشارك في أشهر برنامج سياسي عربي “الاتجاه المعاكس” وأن أزور مقر قناة الجزيرة الجديد الذي أُفتِتحَ بمناسبة مرور عشرين عاماً على انطلاق القناة.
 
 بدأت الجزيرة في الأول من نوفمبر 1996 طموحة إلى تغير مفهوم الإعلام في المنطقة العربية فعمدت إلى شيء واحد فقط، “رفع سقف الحرية” وكسر “مقص الرقيب” وترك الرأي الآخر يفصح عن حريته ووجوده، وساعدها في النهوض القوي والانتشار الواسع أنها افتتحت في العام الذي توقفت فيه قناة “BBC عربية” فاحتضنت معظم المغادرين لوظائفهم هناك، مثل فيصل القاسم وسامي حداد وجميل عازر، بل وأخذت أسماء برامج لبي بي سي مثل “أكثر من رأي” و”ما وراء الخبر”.. ولم يكن الكادر المحترف كل شيء، إذا لابد من إمكانيات مهولة، وصنبور أموال يتدفق بغزارة.
 
 عقب انتهاء برنامج “الاتجاه المعاكس” ذهبت أنا ونظيري زيد الذاري برفقة الزميل أحمد الشلفي نتعرف على المكان الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، زرنا المقر القديم للقناة، ومقرها التوسعي، ثم مقرها الذي أُفتِتحَ قبل أيام في ذكرى انطلاقتها العشرين.. كان خلية نحل لا تهدأ ولا تتوقف عن متابعة كل حركة في السياسة والاقتصاد والثقافة والرياضة في أرجاء الأرض.. كان الزميلين جمال ريان وغادة عويس قد بدا بتقديم نشرة الأخبار الرئيسية “حصاد اليوم” من أكبر “Video wall” في العالم، عبارة غرفة أخبار عملاقة تحيطها الشاشات الرقمية من كل الجوانب، ووسطها وأمامها “ديسكات الأخبار” التي تغذي المقدمين بكل جديد.
 
 في زمن قياسي صغير وصل صوت الجزيرة إلى كل بيت عربي، وسريعاً ما غادر جغرافيته ووصل إلى المشاهدين في كل العالم، تخطى عوائق التاريخ وأرث الماضي المثقل بتعقيداته وتناقضاته وتجاوز الجغرافيا واللغة وذهب يتحدث بأفق إنساني كبير.
 
 وجاءت الأحداث الجسيمة تباعا من مغرب الأرض إلى مشرقها، وبدلاً من أن تجرف الإعلام العربي إلى الهاوية، نصبت الجزيرة أشرعتها وأبحرت مواكبة للأحداث تبحث في تفاصيلها وتسبر أغوارها، فمهنة المتاعب في نصفها مخاطرة وجنون.. جاءت أحداث سبتمبر الأمريكية فذهبت الجزيرة إلى تغطية الحدث والبحث في أدق تفاصيله، ثم غادرت بالتزامن مع السلاح الأمريكي الغاضب إلى أفغانستان، وهناك اطلقت صيحتها المتفردة “أنا لا سواي”.. كانت الصوت الإعلامي الوحيد الذي يغذي كل الأرض بما يدور في أفغانستان، وكان الزميل المحترف تيسير علوني هو الصوت الإعلامي الأوحد الذي يتنقل بين جبال أفغانستان وكهوفها وسهولها بميك الجزيرة ولحيته البيضاء وصوته المميز، ثم جاءت حرب العراق ودفعت الجزيرة خيرة أبناءها الزميل “طارق أيوب”شهيداً في طريق البحث عن الحقيقة، وتوالى الشهداء والجرحى في طاقم الجزيرة إلى المصور علي حسن الجابر في ليبيا 2011 ليُخَلّدَ في قاعة الأخبار التي تحمل أسمه.
 
 كنت اتجول في أروقة “علبة الكبريت” بحسب وصف الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، وأحدث أحد الزملاء عن حسرتي على خروج صحفي بحجم يسري فودة من طاقم هذه المدرسة العظيمة، فقد كان أحد أهم الوجوه الذين قدموا الجزيرة للمشاهد العربي، وكان هو أحد أهم الصحفيين الذين أخرجتهم الجزيرة إلى عالم الشهرة، وكان هو والجزيرة معا يؤسسان لمدرسة جديدة في الصحافة الاستقصائية العربية.
 
 طموحات الجزيرة كما حيزها الجغرافي وعالمها الافتراضي، لا يقفان عند حد، فقد تحولت إلى شبكة تضم أكثر من 30 قناة، إخبارية ووثائقية ومباشر وانجليزية وأطفالوحضور على شبكة الانترنت بلغات عديدة متميزة ومتفردة، وشبكة عملاقة من القنوات الرياضية التي احتكرت الحدث الرياضي في كل العالم، فاليوم المواطن الأوروبي واللاتيني لا يستطيع مشاهدة دوري بلاده الكروي إلا عبر شاشة الجزيرة الرياضية بعد أن اشترت حقوق البث الحصري ومليكة القنوات الرياضية في كل العالم.. وقبل الرياضة كانت الجزيرة قد وصلت بمهنيتها إلى كل بيت، فهي لم تكن باحثة عن الشهرة وأحداث السياسية والاقتصاد بل حملت على عاتقها جوانب إنسانية أكبر قدر من السياسة ودهاليزها، ففي أحداث تسونامي، وجفاف النيجر وفقر مالي وجوع الصومال كانت الجزيرة صوت الناس، وأنينهم..
 
 أتذكر الزميل الصحفي اللامع في قناة اليمن خليل القاهري وهو يحدثني عن تجربته في تصوير لقطات من شوارع روما لقناته، أن المواطنين الطليان كانوا يلتفتون إليه ويعرفون من سحنته أنه عربي فيهتفون بلكنة أجنبية “جزيرا”.. قبل أن يلتفتون إلى “لوجو” قناة اليمن..
 
 وأبعد من ذلك ذهبت الجزيرة بأسمها المكتوب بالخط العربي الديواني والذي اختاره أمير قطر السابق حمد آل ثاني ليكون شعاراً للجزيرة، وأصبح فيما بعد عنواناً لمقاهي وكافتيرياتوصوالين حلاقة ومحلات خياطة ومعارض عطور واسماً لأقمشة وعبايات ومولات.. حتى وصل قبل سنوات إلى المرتبة الرابعة عالمياً منافساً شهرة “كوكاكولا، وماكدونالد.
 
 وفي التاريخ تحفر الجزيرة ولا تزال اسمها وشعارها في أمهات الكتب والدراسات الأكاديمية وأصبحت مادة لعدد من الباحثين والدارسين، وما من مكتبة جامعية أو علمية إلا وتحتوي عشرات الدراسات العلمية عن الجزيرة ودورها في تغيير اسم وقيمة ومفهوم الإعلام العربي.
 
 وحين هبة عواصف التغيير في ثورات الربيع العربي كانت الجزيرة منحازة لصوت الأرض.. صوت الشعوب الباحثة عن خلاصها… وفي حرب اليمن الدائرة لا تزال الجزيرة تغطي بمهنية كبيرة في ظروف بالغة التعقيد والخطورة، فمن الداخل اليمني يعمل سمير النمري بحرفية عالية، وهديل اليماني الشابة التي كسرت قيود القبيلة ومخاوف الأنثى وتحدت المخاطر من أجل ايصال صوت الحقيقة إلى كل الناس..
 
 وتحتضن الجزيرة في مكتبها بالدوحة أربعة من ألمع الصحفيين اليمنيين وأكثرهم حرفية والتزام مهني (سعيد ثابت، أحمد الشلفي، حمدي البكاري، نجيب اليافعي) فضلاً عن الشاب النبيه الصاعد بقوة في عالم الأفلام الوثائقية “جمال حميد المليكي”.
 
 يجب لهذا الصوت العربي أن يستمر في تدفقه وعطاءه وان يكسر قيود الاحتكار للمعلومة،فالإعلام العربي بعد انطلاق الجزيرة ليس كما بعده، فقد كانت صاحبة السبق والريادة وبصحوتها أحيت معها عدداً غير قليل من قضايا “المسكوت عنه” وصنعت رأيا عاما قادرا على التغيير.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.