حديث المصالح

عبد الرحمن يوسف يكتب لـ عربي21: حديث المصالح

نخوض حوارات سياسية كثيرة في مواضيع متنوعة، ومن ضمن الجمل المتكررة التي لا يكاد يخلو منها حوار سياسي (وأخص أوطاننا العربية المنكوبة) جملة (السياسة مصالح)، أو (الدولة الفلانية لا تحركها إلا مصالحها)، وغير ذلك من التعبيرات المنحوتة المكررة التي يرددها الجميع دون وعي بفروق هامة.
 
 حين يقول من أتحدث معه (الدول تحركها المصالح) أراه يهدف في كثير من الأحيان إلى المساواة بين جميع الدول، وإلغاء كافة الفروق بين سياسات الشرق والغرب، فتصبح السياسة جريمة (مصالح)، وتصبح العلاقات الخارجية التي تربط الدول رجسا من عمل شيطان (المصالح)، وبالتالي يختفي الميزان الذي نستطيع منه معرفة الحق من الباطل، ومعرفة ثوابت الأمن القومي من التكتيكات العارضة، ومعرفة المتطرف من المعتدل، ومعرفة الشريف من الخسيس … لأن كل هاتيكم الأشياء والأشخاص تبني تصرفاتها على غريزة المصالح.
 
 بهذه الطريقة الساذجة، لا فرق بين تركيا وإيران، ولا فرق بين حماس وإسرائيل، ولا فرق بين أمريكا وروسيا.
 
 ولا فرق كذلك بين الإخوان المسلمين وداعش، ولا بين الحكم العسكري (وأي حكم آخر لا يعجب أفكارك أيا كان اتجاهك)!
 
 خلال الأزمة القطرية الأخيرة — على سبيل المثال — كان من المدهش أن هناك من يرى أن لا علاقة لما يحدث لقطر اليوم بدعمها للربيع العربي، هؤلاء لا يرون أي فرق بين قطر وبين دولة المؤامرات العربية المتحدة. وحين أسأل المتحدث عن ذلك الأمر كان يجيب بثقة أحسده عليها بأن قطر لم تدعم الربيع العربي أصلا … (قطر دعمت مصالحها)!!!
 
 في البداية، لا بد أن نلاحظ أن هناك نوعين من الناس، نوع يسير خلف مبادئه بغض النظر عن المصلحة، وهؤلاء ربما يناضلون عمرا كاملا دون أن يحققوا أي مصلحة دنيوية تذكر!
 
 وهناك نوع ثان يسير خلف مصالحه، ولكنه يختار نوع المصلحة التي يتفق مع مبادئه وقيمه.
 
 فلان قوّاد، وبالتالي اختار هذا الشخص نوعا معينا من المصالح، وذلك وفقا لقيمه في الحياة.
 
 وفلان مقاول بناء، هذا أيضا اختار نوعا من المصالح ورتّب حياته على أساسه، وكان بإمكانه أن يختار العمل قوادا، ولكنه اختار أن يكون مقاولا لأن قيمه لا تسمح له أن يكون قوادا.
 
 كل ذلك يتم باختيار الإنسان وإرادته، وعلى ذلك يبني تصرفاته في الحياة.
 
 على سبيل المثال، ستجد شخصا مثل “نيلسون مانديلا” بنى حياته على أساس أن يتحرر شعب جنوب إفريقيا، وحين حدث ذلك أصبح رئيسا للجمهورية. هل معنى ذلك أنه (مصلحجي) لا هم له إلا مكاسبه الشخصية؟
 
 بالطبع لا، لقد اختار هذا الرجل العظيم أن تكون حياته من أجل مبدأ تحرر جنوب إفريقيا، ومصالحه كانت مع مبادئه، وحين تحققت مبادئه، تحققت مصالحه أيضا.
 
 كثير من المناضلين في شتى بقاع الأرض ساروا خلف مبادئهم، وحين انتصروا تحققت لهم مصالح دنيوية، فأصبحوا مسؤولين، ووزراء، ورؤساء.
 
 الرئيس البرازيلي “لولا دا سيلفا”، عاش مناضلا عماليا من أجل تحرير البرازيل من الانقلابات العسكرية وسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية، وحين انتصرت مبادئه وتحررت البرازيل أصبح رئيسا للجمهورية، هل كان يفعل ذلك من أجل مصالحه الشخصية؟!
 
 غالبية أصحاب المبادئ مصالحهم مبنية على أساس انتصار قضاياهم الكبرى، وهذا لا يشكك في وطنيتهم أو إخلاصهم، وإلا سنعتبر جميع الأنبياء والقادة العظام والثوار والمعارضين مجرد مرتزقة سعوا إلى مصالحهم الخاصة.
 
 ملحوظة سريعة: هناك نوع ثالث هو من يبني حياته على أساس مبادئه برغم تناقض مبادئه مع مصالحه الشخصية، مثل من يكون من أصحاب الثروات الطائلة، ولكنه يناضل من أجل المساواة وتفتيت الثروات، فهذا يعني أنه سيخسر ثروته إذا انتصرت قضيته، ولعل أبرز مثال على ذلك في حياتنا السياسية هو المناضل اليساري العظيم أحمد نبيل الهلالي رحمه الله.
 
 أعود لموضوعي، الدول تختار أيضا مثل هذه الاختيارات، فدولة إسرائيل — على سبيل المثال — بنت مصالحها على أساس مبدأ معين، فأرض فلسطين ملك لليهود بنصوص مزعومة في التوراة، وهي حق بأدلة تاريخية ملفقة للشعب اليهودي الذي هو شعب الله المختار، وبالتالي يحق لهذا الشعب أن يطرد أهل هذه الأرض من (الأغيار) من بيوتهم، وأن يقتلهم، وأن يدكهم بأحدث المقاتلات، وأن يقتل أطفالهم، ويرمل نساءهم، وأن يرتكب فيهم كل ما يمكن لكي يتركوا أرضهم للشعب اليهودي الذي اصطفاه الله دون شعوب الأرض.
 
 إذا كان مبدأ إسرائيل في الحياة أن شعبها أعلى من بقية الشعوب، وأن هذه الأرض لابد أن يطرد سكانها، ستجد مصالحها دائما مع الحروب، والمجازر، وإضعاف الشعوب العربية، وتقوية الأنظمة العربية العميلة التي تبيع قرارها لإسرائيل … الخ.
 
 بينما هناك دول أخرى اختارت أن يكون لها دورها في إطار محيطها التاريخي والجغرافي، وأن تتعايش معه، وأن تتفاعل مع شعوب المنطقة، دون أن يمس ذلك سيادتها وقرارها المستقل.
 
 وهناك عشرات الأمثلة على ذلك، البرازيل، ألمانيا، تركيا، جنوب إفريقيا، تشيلي، كندا، الدول الإسكندنافية … الخ.
 
 إذن، الدول تختار نوع المصالح الذي تنحاز إليه، وتختار نوع المصالح الذي تريد أن تدافع عنه وأن تتحيز له، وتختار معسكر المصالح الذي تنحاز إليه.
 
 ومصالح الدول لا بد أن يكون خلفها مبادئ (ولو بنسبة بسيطة).
 
 وإذا طبقت ذلك على الأزمة القطرية، ستجد أن دولة مثل قطر قد اختارت أن تنحاز لمصالح الشعوب، وبالتالي كانت مشاريعها الكبرى قناة الجزيرة، ومؤسسة كتارا، وعشرات المواقع ومراكز الأبحاث الجادة التي يعمل فيها أناس على مستوى عال من الكفاءة، ويقدمون خدمة عظيمة للقارئ العربي، وللباحث المتخصص في شؤون متعددة.
 
 حاول أن تنظر للجهة الأخرى، ستجد دولة المؤامرات تنفق المليارات على مشاريع ترفيهية لا هدف لها سوى نشر الانحلال والرذيلة، وإسقاط الأنظمة المنتخبة، وتمويل الانقلابات العسكرية، وعمل لوبيهات بالتعاون مع إسرائيل في العالم كله … الخ.
 
 لقد اختارت قطر أن تستقطب شخصا مثل الدكتور عزمي بشارة (وهو مفكر كبير من أهم مفكري عصرنا الحالي، أيا كان رأينا السياسي في توجهاته)، بينما اختارت الدولة الأخرى أن تستقطب محمد دحلان (وهو بندقية للإيجار كما يعلم الجميع)!
 
 لقد اختار فلان أن يكون قوادا، وأصبحت مصلحته مع انتشار الدعارة!
 
 واختار علان أن يكون مقاول بناء، وأصبحت مصلحته مع انتشار العمران!
 
 واختارت الدولة الفلانية أن تكون مصالحها مع الدعارة، واختارت الدولة العلانية أن تكون مشاريعها مع العمران والتعليم!
 
 لكل ما سبق، لا يمكن أن نساوي بين الجميع بحجة أن الجميع يبحث عن مصالحه، لأننا بهذه الطريقة لن نتمكن من إقامة التحالفات السياسية السليمة، فقد نتحالف مع “قوّاد” بداعي المصلحة.
 
 هل هناك مجال لمزيد من حديث المصالح؟
 
 نعم، إنه موضوع كبير، والدول (كالأشخاص) قد تخون مبادئها، وقد تخون مصالحها، وقد تبتعد قليلا أو كثيرا عما ينبغي أن يكون في صالح شعوبها، ولهذا حديث يطول، سأستكمل بعضه في الأسبوع القادم إن شاء الله.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.