عرب ترامب.. عرب بوتين والموجة الخامسة

عبد الله عبد الكريم يكتب لـ عربي21: عرب ترامب.. عرب بوتين والموجة الخامسة

عندما انشطرت الكنائس الخلقيدونية الغربية عن نظيرتها الشرقية، في ما يعرف بالانشقاق العظيم في عام 1054، كانت قشرة الموز المستخدمة كغطاء هي وجود اختلافات فلسفية وتفسيرية لبعض المفاهيم المسيحية بين اللاتينيين واليونانيين، قادة الطرفين في ذلك الزمان. لكن الأمر في حقيقته كان صراعا على النفوذ ومناطق السيطرة.
 
 استلهم كل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الخلفيات الثيوقراطية لهذا الانشطار للدخول في موجات من النزاع البارد؛ استمرت من بعد الحرب العالمية الثانية حتى انهيار الاتحاد السوفييتي.
 
 وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة وطموحاته في إعادة الأمجاد الروسية باستغلال وتحديث التركة العسكرية السوفييتية؛ قاد إلى بروز موجة جديدة من الصراع المبني على خلفيات أرثوذكسية بروتستانتية.
 
 تمظهرات هذا الصراع بلغت أوجها في العقد الأخير مؤسسة لنهج جديد في التعاطي السياسي الأمريكي مع ديناميات السياسة الدولية، والقائم بصورة جوهرية على استغلال الألق العسكري الواهن والمتمدد للإمبراطورية الأمريكية في حصد نقاط ومكاسب اقتصادية من المستعمرات وشبه المستعمرات الأمريكية بين دفتي الأطلنطي، في الشرق الأوسط والأدنى وفي أقصى الشرق الآسيوي، وكذلك دعم تمدد حلف الناتو إلى محاذاة الحدود الروسية بابتلاع المزيد من دول أوروبا الشرقية، ومضايقتها باستمرار في البحر الأسود والمياه الدولية وتحجيم قدراتها ما أمكن بتعطيل المؤسسات الحيوية في اقتصادها وصناعاتها الحربية بفرض عقوبات قاسية وملجمة.
 
 لكن مع بروز الصين كقوة اقتصادية كبرى وقوة عسكرية صاعدة؛ لم نعد فعليا نعيش في عالم أحادي القطبية كما كان الحال في عهد كلينتون أو ثنائي القطبية كما يشتهي بوتين على الأقل.. بروز الصين جعل من تعدد الأقطاب السمة الأبرز التي ستشكل العقود القادمة.
 
 من هذه الزاوية لا يجب النظر للاستفزازات المتكررة والخطيرة من قبل الآلة الحربية الأمريكية للسيادة الصينية المفروضة على الاسبراتليز وما حولها من جزر؛ على أنها محاولة لجر الصين إلى حرب، بقدر ما هي محاولة مستمتيتة لبث صورة مغايرة ومهابة عن الإمبراطورية الأمريكية الآخذة في التلاشي في ظل تنامي رهيب لقوة التنين على المستويات الاقتصادية والعسكرية، وفي ذات الوقت إجبار الصين على تقديم تنازلات اقتصادية من شأنها إطالة أمد أحادية القطبية.
 
 إذا فقدوم ترامب في هذه المرحلة من عمر صراع النفوز على سيادة العالم لم يكن محض صدفة أو نتيجة تذمر الفئات البيضاء الوسيطة في المجتمعات الأمريكية أو لتدخل سافر لقراصنة سيبرانيين روس، كما تتداول ذلك وسائط الإعلام التي تحركها أجهزة الاستخبارات الأمريكية، إنما وصول ترامب إلى البيت الأبيض كان نتيجة مدروسة لأهمية المدرسة الترامبية المتقرصنة في هذه المرحة الدقيقة من عمر الإمبراطورية الأمريكية.. فعمر مدرسة المبادئ انتهى مرحليا وأصبح غير ذي جدوى وانكشف عنه القناع في أفغانستان وسوريا والعراق وليبيا… ومناطق أخرى كثيرة.
 
 إن أكثر ما يقلق منظري السياسة الأمريكية الحاليين هو الحفاظ على مكاسب اتفاقية بريتون وودز؛ لأن لها تأثيرا مباشرا على القطبية الأمريكية ولأنها تمثل آليات السيطرة المطلقة على الاقتصاد العالمي، فبدونها بإمكاننا أن نرى اليوان الصيني العملة الأكثر قوة ورواجا على المسرح الاقتصادي العالمي في غمضة عين، وبالتالي تحلق الصين كقوة عظمى وحيدة.
 
 سطوة الدولار تنبع بصورة أساسية من هذه الاتفاقية التي توفر له الغطاء الأمثل للتمدد والبقاء وتربط معظم المعاملات الدولية به، وبصورة خاصة عمليات توزيع المنتجات البترولية من الدو ل العربية. وأغلب هذه الدول لديها اتفاقيات علنية وسرية لاعتماد الدولار وسيطا وحيدا للمبادلات الدولية.
 
 إذن، ما هو موقع الدول الإسلامية والعربية ومواقفها وخططها لمواجهة هذه التغييرات المتسارعة… وصراعات السيادة التي تدور من حولنا وعبرنا؟!
 
 مثل القبالة اليهودية، تظل طريقة اتخاذ القرار وصياغة المتجهات السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية القديمة طلسما بالغ التعقيد، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الناظمة لخيوط الجذب مع الدول الإسلامية والعربية.
 
 لكن الثابت في وتيرة هذه التجازبات والتأثيرات هو الولاء الكبير من جانب الأنظمة التقليدية العربية والوفاء اللامتناهي لالتزاماتها الواضحة والمخفية باتجاه الغرب.
 
 وبينما لم تكن أي دولة عربية طرفا في اتفاقية بريتون وودز التي أبرمت في 1944 وقادت إلى ظهور الولايات المتحدة كقوة كبرى ومسيطرة، حافظت معظم الدول العربية منذ استقلالها على وتيرة ثابتة من الولاء للنظام الاقتصادي الأمريكي الغربي المفروض على العالم بأجمعه بسلطة البترودولار.
 
 ورغم تقلبات السياسة الأمريكية ونزوعها في معظم الأحيان إلى الانحياز الفاضح والواضح لعدو الأمة العربية الأول، دولة الكيان الصهيوني. لم تبد الأنظمة العربية الخاضعة بادرة تمرد أو فلنقل تبرم إلا نادرا على بعض المواقف السياسية التي تناقض مصالح الكتلة العربية.
 
 وبتسلق الكتل المعادية للمسلمين والعرب دواليب القرار الأمريكي وتوجيه مجساته ورإداراته، أصبحت الكتلة العربية المؤتلفة مع الغرب في حالة من النشاز الفكري ونكران الواقع باستمرارية تموقعها داخل مربع التأثير الأمريكي الغربي، في حين أن ذات المربع يروج لدولة صهيونية مكتملة الأركان ويشدد على دعم غير مشروط للدولة اليهودية، ويتخذ من مجلس الأمن متحفا لنحت تمثال إسرائيل باستمرارية مزعجة ونزوع صبياني لاستخدام حق الفيتو لإسقاط قرارات الشرعية الدولية لصالح الفلسطينين ودعما للدولة الاسرائيلية، ويعتمد سياسات تمس باستقرار الدول العربية في اليمن وليبيا والعراق وسوريا.
 
 أسباب الحرص العربي الغريب على التقوقع داخل مربع التأثير الغربي رغم استهجانه بالكتلة العربية والحقوق العربية في فلسطين وغيرها؛ ينبع أساسا من ثلاثة عوامل مهمة للغاية:
 
 — نجاح البروباغندا الأمريكية في التغلغل داخل الذات العربية الحاكمة وخلقها واقعا افتراضيا؛ مفاده أنه لا حل إلا أمريكا ولا حل بدون أمريكا ولا حل إلا في طاعة أمريكا.
 
 — الارتجالية السياسية العربية، وغياب أو استبعاد المواهب السياسية التي توفر البدائل السياسية الاستراتيجية.
 
 — وجود اتفاقيات (قبالات) سياسية سرية بين بعض الانظمة العربية والولايات المتحدة لاستدامة التحالف لأسباب غير مرئية.
 
 ففي السابق كانت الولاءات العربية بمقابل واضح، هو حفظ الكراسي والحفاظ على الأمم نائمة بقدر الإمكان، ولكن مع تغير الأوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة والأزمة المالية الخانقة التي تواجهها في ظل تصاعد الدين الخارجي، واقتصاد عاجز عن الحفاظ على مستويات أداء اقتصادية مطمئنة. أضف إلى ذلك زيادة احتكاكات الشعوب ببعضها بفعل التقدم التكنولوجي ووسائط التفاعل والتلاقح الاجتماعي والثورات العربية، ما جعل من شروط هذه الولاءات تذوب شيئا فشيئا إلى التلاشي، فكان لا بد من خلق مجموعة شروط جديدة، وتغيير قواعد التفاعل والإملاءات.
 
 وصل الغرب إلى قناعات تامة بأن الديمقراطيات العربية لا يمكن أن تفرز أنظمة لها القدرة على الاستمرار في مربع التأثير الغربي دون مقابل واضح لصالح الشعوب. فالأنظمة التي تأتي عبر صناديق الاقتراع هي أنظمة طامحة تسعى لحصد الولاء المحلي من الشعوب التي جاءت بها وتهتم قليلا بالرضا الغربي.. وهذه صيغة جديدة وغير مقبولة لدى الغرب الذي يفضل أنظمة مطيعة ولو كانت طاغوتية، ويكره الأنظمة الشرقية ذاتية الدفع التي تعتمد على شعبيات متنامية داخليا.
 
 كان ذلك المفتاح إلى الصيغة الجديدة من التحالفات مع الأنظمة التقليلدية في المنطقة العربية؛ يقضي بتحويل المجتمعات العربية إلى مجتمعات ليبرالية متحرر وبعيدة عن الدين، ولكن تحت مظلة أنظمة تقليدية مسيطرة تحافظ على الولاءات التاريخية للغرب. هذا هو فحوى تصريح يوسف العتيبة الأخير بخصوص التمهيد لأنظمة علمانية في الخليج، وهو ما يعني أن الغرب قام بالاستغناء عن المظلة المفاهيمية التي كان يتغنى بها على شاكلة الانتقال السلمي للسلطة، والديمقراطيات التعددية واحترام حقوق الإنسان، ليذهب في موجة خامسة مباشرة إلى زواج متعة مع الأنظمة التقليدية والترويج للأسباوسية واللواط، وبالتالي مسح هوياتي لذاكرة المنطقة وتحويلها من مجرد شعوب وأنظمة خانعة إلى بابا وقرود في الغابة.
 
 “ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا أنهم لا يعجزون” (59) — الأنفال

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.