السيسي والتدمير الممنهج للدولة المصرية

علي حسين باكير يكتب لـ عربي21: السيسي والتدمير الممنهج للدولة المصرية

كما دمّر الأسد سوريا دولةً ومجتمعاً، يقوم السيسي منذ سنوات بفعل نفسي الشيء في مصر لكن دون صخب كبير. ربما لا نرى مدافع أو صواريخ أو براميل متفجرة أو أسلحة كيميائيّة، لكن من قال أنّ غياب هذه المظاهر من المفترض له أن يطمئننا الى أنّ الأمور تسير على ما يرام؟ 
 
 على العكس، يرى البعض أنّ غياب هذه المظاهر ليس بالضرورة مؤشراً إيجابياً، فكل مافي الأمر أنّ السيسي يقوم بتدمير ممنهج للدولة والمجتمع دون أن يكون مضطراً الى إستخدام الأسلحة حتى الأن. ومكمن الخطر في هذه الحقيقة هو أنّ الوضع أسوء مما يبدو عليه، وأنّ عنصر المباغتة هو الذي قد يطغى في النهاية على العاصفة. 
 
 الدولة المصرية تحتل الأن وفق مؤشر الدول الهشّة لعام 2015 المرتبة 38 عالمياً متقدّمة بثلاث مراتب فقط على الدولة اللبنانية الفاشلة. الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الأمني في تراجع رغم كل الدعم السياسي والاقتصادي الضخم الذي تلقّاه نظام السيسي منذ إستيلائه على الحكم.
 
 وخلال الفترة القصيرة التي حكم فيها بتسلّط وقهر وقمع غير مسبوق حتى مقارنة بأيام حسني مبارك الذي ثار المصريون ضدّه، تفاقمت التحدّيات الداخلية بشكل سريع لدرجة بات من الممكن فيها القول أنّها أضخم من أن يستطيع أي نظام مصري تحمّلها، هذا إذا وُجدت النيّة لديه لفعل ذلك.
 
 ولأنّ العقبة الأكبر امام نظام السيسي كانت ولا زالت تتمثّل بفقدان الشرعيّة السياسيّة المطلوبة، فقد استخدم الأموال التي تدفّقت لدعمه خلال السنوات الماضية كمسكّنات ريثما يعمل على فكّ عزلته السياسية على الصعيد الاقليمي والدولي، وما أن نجح في ذلك بموازاة تدهور الوضع الداخلي سياسيا وامنيا واقتصاديا، حتى بات يستخدم “الخوف من إنهيار مصر” لإبتزاز داعميه .
 
 فالى جانب الوضع الداخلي المأزوم،، ليس لمصر أي دور مهم على الإطلاق في الإقليم، لا أحد يعيرها إهتماما، لكن ما يبقي الجميع قريبا منها هو خوفهم من أن تنهار في أي لحظة. هذا الخوف يعمل السيسي على استغلاله بما يخدمه وحاشيته، لكنّه غير قادر على عكس وتيرة المسار أو حتى إيقافه بسبب عدم كفاءته وفساده وغبائه أيضاً. 
 
 يتحمّل المواطن المصري اليوم العبء الأكبر لهشاشة وتردّي الوضع المصري. إقتصاد البلاد يكاد يكون غير موجوداً، وهو منذ مرحلة الإنقلاب يعيش حالة تشبه الى حد كبير ما يعرف باسم “الثقب الأسود”، إبتلع عشرات المليارات من الدولارات التي جاءت على شكل قروض ومساعدات وهبات دون أن تترك أدنى تأثير يذكر . 
 
 وكالعادة، فانّ ما يعتبره السيسي وأمثاله من الديكتاتوريين “الحل” الأسهل، غالباً ما يكون في حقيقة الأمر المدخل الى حلقة مفرغة من إستنزاف الذات. زيادة القمع الداخلي والإعلان عن أنّ محاربة الإرهاب هي أولويّة الدولة المقدسة أو الوحيدة هو “الحل” الذي عادةً ما يلجأ إليه هؤلاء.
 
 تصنيع الارهاب واعلان محاربته وصفة ممتازة للديكتاتوريين العرب للتهرّب من المشكال الحقيقية التي خلقوها ولتثبيت أنفسهم في السلطة. لكن وكما يحصل في كل مرّة، يرفض هؤلاء الإستفادة من الدروس التي تقول أنّ صناعة الارهاب وإدّعاء مكافحته لا يؤدي في نهاية المطاف الاّ الى تدمير الدولة والمجتمع معاً. الجيش المصري لن يقدر على الخروج من هذا المستنقع، هذا على فرض أنّه مؤهّل أصلا للقيام بمثل هذه المهمّة.
 
 الجيش في مصر تحوّل الى شركة مقاولات خلقت إقتصادا موازياً لإقتصاد الدولة المصرية. أصبح لدى هذا الجيش امبراطوريته الخاصة القائمة على خدمة أعضاء النادي الكبار ، وهم مجموعة من الجهلة ممتلئي الجيوب والبطون، وفارغي العقول، لم يترك الجيش شيئا متعلقا بقطاع الخدمات والإنتاج والا ودخّل فيه لدرجة أنّ البعض أصبح يقول بتهكّم شديد أنّ من مهام الجيش المصري الاشراف على خطوط الصرف الصحي في البلاد، ناهيك عن “أصابع الكفتة”!
 
 من المعلوم انّه عندما يتخلى أي جيش في العالم عن مهامه الحقيقيّة وينخرط في قمع الشعب او في أعمال كتلك التي يقوم بها الجيش المصري فانه يقضي على نفسه بنفسه. الجيش المصري من دون إقتصاد للدولة لا معنى له، فهذه المعطيات تجعل من الجيش مجرّد أرقام فقط، لا قيمة حقيقيّة له.
 
 الوضع في مصر غير قابل للإستدامة بذاته وسنظل نكرر هذا الكلام. السيسي كان يقول بأنّ مصر لن تركع الا لله، لكن من قال بانّ مصر واقفة على رجليها أصلا؟! أمّا العكّاز الذي يستند إليه نظامه، فسيقوم الشعب المصري الجائع بالتهامه عندما لا يجد شيئاً ليأكله، ولنا أن نتساءل هنا كيف سيكون وضع الدولة المصرية حينها؟
 
 حذّرت الإيكونوميست في شهر أغسطس الماضي من أنّ ما يقوم به نظام السيسي الذي يعيش حالة من الإنكار لن يؤدي إلاّ الى التمهيد لإندلاع الثورة القادمة، لكن في حقيقة الأمر، على الأرجح لن يكون هناك ثورة قادمة وإنما إنهيار قادم.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.