كيف سيؤثّر  ترامب على الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقبلة؟

علي حسين باكير يكتب لـ عربي21: كيف سيؤثّر ترامب على الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقبلة؟

من المقرر أن تجري الإنتخابات الرئاسية الإيرانية المقبلة في أيار من العام 2017، ولذلك ستسمعون خلال وقت قريب جداً من الآن المعزوفة التي ستقول بأنّ صعود ترامب في الولايات المتّحدة الأمريكية سينعكس بشكل سلبي على هذه الإنتخابات، وسيقدّم خدمة للمتطرفين والراديكاليين داخل النظام الإيراني، وأنّه اذا ما إلتزم فعلاً بالسياسات التي أعلن عنها خلال الإنتخابات تجاه إيران، فان ذلك سيكون بمثابة ضربة قوية لمعسكر الإصلاحيين.
 
 هذا الكلام سيقال بكل تأكيد، وسنرى سيلاً من المقالات والتقارير التي ستتحدث عن هذا الموضوع بالتفصيل الممل. وكما في كل مرّة يقترب فيها موعد أي إستحقاق إنتخابي في إيران، سيعود الحديث عن ثنائية الإعتدال والتطرف، الإصلاحيين والمحافظين، وسيتم ربط هذه التصورات، والنتائج المحتملة للإنتخابات بعوامل خارجية ولاسيما بوصول ترامب الى البيت الأبيض.
 
 غالباً ما يتم التخطيط لمثل هذه الحملات للتأثير على سياسات الدول وتصوّراتها، وفي بعض الاحيان للتلاعب بها. الموالون لأوباما والحريصون على تحصين تنازلاته المذلّة أمام النظام الإيراني والذي يعرفون حجم فشل سياساته سيبررون بشكل متواصل إنهيار هذه السياسة بالحديث عن مسؤولية ترامب في هزيمة محتملة لمعسكر روحاني أو تقوية معسكر المتطرفين داخل النظام الايراني. كذلك الأمر بالنسبة ال لنقاشات التي ستظهر داخل إيران، هناك من هو مستعد لتبرير حصول تحول في المشهد باتجاه اكثر تشدداً بذريعة وصول ترامب.
 
 لكن بغض النظر عن هذه المناورات النفسية، فإنّ الخوض في هذه الثنائية لا يخدم الا الجانب الايراني الذي يقوم هو بنفسه بالتسويق لها والاستفادة منها. وحتى لو سلّمنا جدلا بأنّ النظرية السابقة صحيحة، فمن الذي باستطاعته ان يدّعي انّ المحافظين أو المتطرفين في الرئاسة أسوء من الاصلاحيين أو المعتدلين؟ هل تعتقدون أنّ احمدي نجاد مثلاً أخطر من حسن روحاني؟ فكّروا مرّتين قبل الإجابة، وانظروا الى حدود إيران ونفوذها الإقليمي ونشاط حرسها الثوري في عهد نجاد و في عهد روحاني.
 
 لقد حان الوقت للإبتعاد تماماً عن مثل هذه الهرطقات التبريرية للنظام الايراني، فالنظام سيختار ممثليه بمعزل عما سيفعله الاخر ، ووفق اجندته هو، وليس وفق الاجندة الخارجية. الاهم من هذا الامر كلّه، أنّ هذه المواقع سواء في الرئاسة أو البرلمان لا تصنع سياسات إيران فيما يعنيناً خارجياً، وليست مسؤولة عن صياغة التوجهات في الملفات الإستراتيجية أيضاً، فهي مجرّد أدوات لسياسات يضعها ويشرف عليها المرشد الأعلى والحرس الثوري، ولذلك فان هذه الادوات لا تغيّر المشهد، وإنما تعمل على إيجاد طرق لشرعنته أو تنفيذه، وهي كلها تعمل تحت مظلة النظام وضمن قواعده. وفي حلبته 
 
 دليلنا على ما نقوله هو روحاني نفسه. في عهد روحاني الذي يعتبر في الغرب -ولدى كثيرين خارجه أيضاً- إصلاحياً معتدلاً ، أصبح نظام الملالي أكثر عدائية وأكثر تأثيراً على الصعيد الإقليمي، كما توسع نفوذه وتوسعت مساحة سيطرته الاقليمية بشكل غير مسبوق منذ قرون. من يريد أن يجادل بانّ ترامب هو الذي سيكون مسؤولاً عن صعود المتطرفين في إيران يجب أن يعي انّهم لم يغيبوا يوماً حتى نتحدث عن صعودهم غداً. أضف الى ذلك حقيقة انّ الذي قوّى معسكر المتطرفين داخل النظام هو أباما، والسبب في ذلك يعود الى التنازلات شبه المجانية والعبثية التي قدمها للنظام الايراني على مدى 8 سنوات من حكمه.
 
 هناك من يقول بانّ شريحة واسعة من الشعب الإيراني غير راضية لانها لم تحصل في نهاية المطاف على ما توقعته من الاتفاق مع إدارة أوباما، على الاقل من الناحية الاقتصادية. لكن دعونا لا نخدع انفسنا، اذا كان ذلك صحيحاً بالرغم من كل ما قدمته ادارة أوباما من تنازلات ورفع للعقوبات وغض نظر عن التجاوزات ورشاوي، فمن المسؤول عن مثل هذه النتيجة؟
 
 المسؤول بطبيعة الحال هو الحرس الثوري الذي قام بابتلاع الاموال كما كان متوقعاً، والذي يعتبر المستفيد الاول من التسهيلات التي قدمها أوباما للنظام الإيراني، وذلك لكونه يسيطر على أغلب القطاعات الاستراتيجية والحيوية في الاقتصاد الايراني، فضلاً عن أنّه ضاعف من موازنته العسكرية، وتم استخدام الاموال في مواصلة البرنامج الصاروخي وفي دعم نظام الاسد والميليشيات الشيعية الارهابية في المنطقة.
 
 بمعنى آخر، لا يهم من هو موجودٌ في سدة الحكم في إيران فيما يتعلق بهذه القضايا الحساسة التي نتحدث عنها لانّها تخضع لجهات ومؤسسات اخرى، وهذه لا كلمة للناس عليها، ولا تأثير للخارج على حسابات صعودها او هبوطها. أمّا فيما يتعلق بثنائية التصنيفات داخل إيران، فهي لا توجد بالأساس الا بالقدر الذي تخدم به النظام الايراني وولاية الفقيه، وهي بهذا المعنى لعبة النظام المفضلّة في وجه ضغوطات الخارج، وتبدّل الواقع بين اللاعبين إصلاحيين ومحافظين، معتدلين ومتطرفين، يتم استخدامه فقط لحماية لعبة النظام ولحماية سياساته الداخلية والخارجية. 
 
 نعم لصوت الايرانيين تأثير، لكنّ صوت النظام أكثر قدرة على صياغة وتشكيل قرار الناخبين حتى قبل أن يذهبوا الى صناديق الإقتراع، وذلك من خلال “المصافي” المتعددة التي يضعها ليوصل عبرها عدداً محدوداً من المرشحين المختارين بعناية فائقة، وهو بهذا الأسلوب يدفع الناخب باتجاه اختيار ما يريده النظام ليس أكثر.