ما الذي يطيل أمد الأزمة الخليجية وهل يمكن ان تبقى مفتوحة؟

علي حسين باكير يكتب لـ عربي21: ما الذي يطيل أمد الأزمة الخليجية وهل يمكن ان تبقى مفتوحة؟

على الرغم من مرور أكثر من شهرين على إندلاع الأزمة الخليجية التي بدأت مع إختراق الموقع الإلكتروني لوكالة الأنباء القطرية في 24 مايو الماضي، الا انّ بعض المسؤولين الخليجين من دول محور الحصار يتوقّع ان يطول أمدها وأن تمتد الى فترة غير محدودة من الزمن. وفي هذاالسياق، تجهد الكتائب الصحفية والاعلامية المحسوبة على دول هذا المحور في تبسيط انعكاسات إطالة أمد الأزمة عندما تؤكّد أنّ الدول الأربع المعادية لقطر ستكون في وضع مرتاح وأنّ لديها نفساً طويلاً يخوّلها إطالة امد الأزمة دون أي عواقب تذكر.
 
 قد يجادل البعض بأنّ التكاليف المترتبة على استمرار هذه الازمة حتى الأن ليست كبيرة بالنسبة الى دول محور الحصار، هذا أمر قابل للنقاش بطبيعة الحال. لكن لا يمكن القول في المقابل بأنّ خيارات دول محور الحصار في التصعيد مفتوحة، او أنّه بامكانها الاستمرار فيها الى زمن طويل فضلا عن القول الى ما لا نهاية. 
 
 باعتقادي، فان مثل هذه النظريات لا تستند الى أي معطيات واقعية ويتم طرحها كما جرت العادة بغرض سياسي دون حسابات دقيقة، وهي بهذا المعنى فرضيات غير صحيحة. لكن قبل انّ نفنّد هذه المزاعم، من المهم بمكان الإشارة الى الأسباب الحقيقية التي أدّت حتى هذه اللحظة الى استمرار الازمة حتى هذه اللحظة.
 
 العلاقة الشخصية بين ترامب وكل من الامارات والسعودية تلعب من دون شك دوراً في إطالة امد الازمة بالإضافة الى المشاكل الداخلية التي تعاني منها الادارة الامريكية والعمل البيروقراطي البطيء لأجهزتها. كل هذه العناصر أعطت الوقت اللازم لدول محور الحصار لإبقاء الازمة مفتوحة وان كانت إمكانية التصعيد الحقيقي لاسيما من الناحية العسكرية أصبحت شبع معدومة. 
 
 بعض المؤسسات الأمريكية التي تنظر الى الازمة من منظور نفعي بحت، وكذلك الامر بالنسبة الى بعض المسؤولين الامريكيين يرون انّ إستمرار ها من شأنه ان يدفع طرفيها الى ضخ مليارات الدولارات داخل الولايات المتّحدة في محاولة لإستمالتها، وهو في نهاية المطاف امر جيّد ومفيد لواشنطن -وفق نظرة هؤلاء-. 
 
 علينا ان لا ننسى كذلك ونحن نقرأ هذه الأسطر أنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد قال صراحة وبشكل علني مرات عديدة بأنّه سيجعل دول الخليج تدفع المال وأنّه لولا الولايات المتّحدة لما كانت هذه الدول لتوجد أصلا (على حد قوله). الفارق هو أنّ ترامب لم يجعل هذه الدول تدفع وانما قامت المملكة العربية السعودية والامارات بالمبادرة تطوّعاً بالدفع المسبق وإفتعال الازمة مع قطر، الأمر الذي إضطر الأخيرة لان تدفع أيضاً لتدافع عن نفسها.
 
 حتى الأن رفضت معظم دول العالم وكل القوى الكبرى في المجتمع الدولي الإجراءات غير القانونية التي إتّخذتها دول محور الحصار ضد قطر، لكنّها لم تقم في المقابل بالضغط عليها لإجبارها على إنهاء الأزمة،وبالتالي فقد شعرت الدول الأربع أنّها قادرة على الاستمرار في الازمة.
 
 كل هذه العناصر ساهمت بالضرورة في إستمرار الازمة حتى هذه اللحظة، لكنّها لن تكون قادرة على إسعاف الدول الأربع في إطالة أمدها الى ما لانهاية. نفس العناصر المذكورة أعلاه تحمل معها ما يشير الى انّه من غير الممكن عملياً إطالة الازمة بشكل مفتوح لعدّة أسباب، لعل أهمّها: 
 
 الجانب الأمريكي سيكون المتضرر الأكبر من إطالة امد الازمة اذا ما استثنينا أطراف الأزمة انفسهم. واشنطن تمر الآن في مرحلة حرجة جدا على الصعيد الداخلي والخارجي، وهناك تحديات إقليمية ودولية متراكمة ومتسارعة في نفس الوقت تتطلب منها تركيزا كبيراً وحلفاء مستعدون للمشاركة معها في محاربة داعش والارهاب وصد الخطر الايراني. ومن هذا المنطلق، لا يوجد أدنى شك لدى أي أحد بانّ الازمة تشتت تركيز الولايات المتّحدة وتبدد جهود شركائها وحلفائها في المنطقة ولا تفيد في نهاية المطاف الا ايران، ولذلك فان للعبة الاستفادة المالية من الطرفين حدود.
 
 بهذا المعنى، كلما طال امد الازمة كلما زاد الضغط على الوضع الأمريكي. وحتى لو إفترضنا انّ المؤسسات الأمريكية لن يكون بامكانها إقناع الرئيس الأمريكي بالتوقف عن استخدام علاقاته الشخصية مع السعودية والامارات، الا انّه بامكانها استخدام وسائل أخرى للضغط عليه ومنها التسريبات، تماماً كتلك التي تشير الى مسؤولية أبو ظبي عن قرصنة موقع وكالة “قنا” القطرية.
 
 أضف الى ذلك أنّ إطالة أمد الازمة مترافقاً مع صمود قطر هو بمثابة خسارة محتّمة لدول محور الحصار. تمرير الوقت من شأنه ان يوقع المحور الذي تقوده السعودية والذي تقول انه يتزعّم العالم العربي –أو ما بقي من العالم العربي- في حالة احراج شديدة بشأن صورته وقدراته. اذ كيف بامكان هذا المحور ان يقوم بمواجهة تحديات ضخمة من قبيل الارهاب أو صد ايران في الوقت الذي هو غير قادر فيه على ان يجبر دولة صغيرة من الناحية الجغرافية على تنفيذ مطالبه؟! هناك تناقض شديد بين الطرحين.
 
 يجب أن لا ننسى ايضا انّ الحصار المفروض على قطر يرتّب تكاليف سياسية واقتصادية وحتى اجتماعية على الدول الأربع، وهو امر لم يتم التطرق له بشكل كافي حتى هذه اللحظة بسبب التركيز على الجانب القطري. لكن ما أن تطول الازمة فعلاً حتى يكون هناك متّسع من الوقت لتسليط الضوء على هذه التكاليف، ففي نهاية المطاف عدد سكان قطر محدود قياسا بالثروات التي تتمتع بها، وكذلك الامر بالنسبة الى توافر العديد من البدائل في مقابل إجراءات الحصار، لكن الامر مختلف تماماً بالنسبة الى دول الحصار التي تعاني أصلا من أزمة مالية في الوقت الذي تهدر فيه عشرات المليارات من الدولارات في مغامرات فاشلة خارج حدودها في مصر واليمن وليبيا وسوريا والعراق. 
 
 التركيز على قطر لن يمسح الخسائر والتكاليف الباهظة التي تدفعها هذه الدول في هذه الساحات ولن يحوّل فشلها فيها الى نصر بالتأكيد.