هل من سياسة سعودية جديدة تجاه العراق؟

علي حسين باكير يكتب لـ عربي21: هل من سياسة سعودية جديدة تجاه العراق؟

في 19 يونيو الماضي، زار رئيس وزراء العراق حيدر العبادي المملكة العربية السعودية وذلك بناءً على دعوة كانت قد وجّهت أليه سابقا بهذا الخصوص. وبعد أقل من شهر على هذه الزيارة، التقى وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي في جدّة كل من الأمير محمد بن سلمان ووزير الداخلية الجديد الأمير عبد العزيز بن سعود، تبعه الزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي زار المملكة كذلك قبل نهاية شهر يوليو بناءً على دعوة من المسؤولين السعوديين.
 
 وقد حظيت هذه الزيارات المتتابعة وغير المألوفة لمسؤولين عراقيين شيعة إلى السعودية خلال فترة وجيزة بالكثير من التعليق والجدل في أوساط المتابعين والمحللين. مكمن الجدل أن السعودية كانت حتى الأمس القريب تهاجم هذه الشخصيات بشكل عنيف معتبرة إياها مجرّد أذرع إيرانية، وبالتالي لم يكن مفهوماً عند كثيرين سبب هذه الانعطافة السريعة في الموقف السعودي.
 
 قبل حوالي خمسة أشهر فقط، شنّت الصحافة السعودية هجوما عنيفا على وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي معتبرة إياه مجرّد مخبر عن الحرس الثوري الإيراني. أمّا رئيس الوزراء حيدر العبادي، فقد أتُّهِمَ بشكل غير مباشر قبل شهرين فقط بأنّه صلة الوصل بين قطر والميليشيات الشيعية المحسوبة على إيران في القصّة المزعومة التي تقول إنّ الدوحة دفعت مليار دولار. وبخصوص الصدر، فقد سبق له أنّ وقف إلى جانب الحوثيين في اليمن والمعارضين المحسوبين على إيران في البحرين وأدان بشكل صريح سياسات السعودية تجاه شيعة القطيف متهما إياها بتغذية الإرهاب، وبالرغم من ذلك فقد وجّهت الدعوات السعودية إلى جميع هذه الشخصيات.
 
 طُرِحَت العديد من الفرضيات في تفسير هذه المبادرات، وقد بالغ البعض في الاستنتاج بانّ هذه الزيارات هي دليل على عدم وجود صراع شيعي- سني في المنطقة، فيما ذهب البعض الآخر إلى القول بأنّها دليل على حنكة سعودية تهدف إلى الفصل بين الشيعة العرب والشيعة المحسوبين على إيران ضمن سياسة جديدة تجاه العراق يجري التمهيد لها من خلال التواصل مع المسؤولين الأساسيين. وقد جرى ربط هذا التفسير بالتغييرات التي حصلت في تركيبة الحكم في المملكة مع محاولة نسبها إلى حكمة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
 
 في حقيقة الأمر، لا يوجد شيء من هذا على الإطلاق. فهذه الزيارات ليست دليلا بالتأكيد على عدم وجود صراع شيعي- سني في المنطقة، ومحاولة القفز على هذا الصراع الذي تشعله إيران من خلال شكليات زائفة يزيد من تداعياته ولا يخفف منها، فإنكار المشكلة لا يحلّها وإنما يفاقمها.
 
 أمّا الاجتهاد القائل بأنّ هناك سياسة سعودية جديدة تجاه العراق مرتبطة بأفكار ولي العهد السعودي وانّ هدفها عزل شيعة إيران عن الشيعة العرب، فهو قول غير دقيق في أحسن الأحوال لسببين. السبب الأول هو أن هذا التحوّل في الموقف السعودي ليس نابعا من إرادة ذاتية، فهو لم يأت نتيجة لمراجعات قامت بها القيادات السعودية أو نتيجة لنظرة ثاقبة رسى عليها صانع القرار السعودي بعد أخذه بالاعتبار التطورات الجارية في المنطقة.
 
 التحول في الموقف السعودي هو نتيجة لإدارة أمريكية صرفة، حيث قامت إدارة ترامب قبل فترة وجيزة بإبلاغ المملكة العربية السعودية بشكل مباشر بضرورة تمتين العلاقة مع العبادي شخصيا ومع حكومته أيضاً لأنّ واشنطن ستكون بحاجة إليه في وجه النفوذ الإيراني المتزايد في العراق في المرحلة المقبلة — الانتخابات وما بعد الانتهاء من داعش كليا-. وقد تمّ إبلاغ نفس الرسالة أيضا إلى دول إقليمية أخرى، لكنّ هذه الدول لم يكن لديها ما يتعارض مع ما قالته واشنطن لأنّها كانت تحتفظ بعلاقات مع العبادي لتحقيق نفس الهدف وهو التخفيف من حدّة النفوذ الإيراني في العراق.
 
 أمّا السبب الآخر، فهو أنّ محاولة موازنة النفوذ الإيراني في العراق لا تعود إلى المملكة العربية السعودية، وهي وليست وليدة اللحظة، وإنما هي نتيجة جهد جماعي إقليمي كان لتركيا وقطر الدور الأكبر فيه، حيث سعت الدولتان إلى توحيد الجبهة السنيّة في العراق خلال أكثر من عام، والى فتح قنوات تواصل مع الشيعة غير المحسوبين على إيران. وشاركت في هذا الجهد أيضاً دول أخرى كان من بينها الأردن. ونتيجة لهذا الجهد الجماعي، حصلت في تركيا عدّة لقاءات بهذا الخصوص منها ما هو علني، ومنها ما هو سريّ.
 
 من هذا المنطلق، فان نسبة هذا الجهد إلى سياسة سعودية جديدة لا يصح بتاتا خاصّة أن السعودية دخلت متأخرة إلى اللعبة، ناهيك عن التساؤلات التي تثار دوماً حول مدى اتساق سياساتها وهي التي تتخبط يمنة ويسرة خلال فترات زمنية قصيرة، ويناقض بعض سياستها البعض الآخر في عدد من الملفات المشتعلة في المنطقة.
 
 أضف إلى ذلك أنّ هناك شكوك محقة حول مدى قدرة السعودية على النجاح في أي سياسات إقليمية في ظل فشلها الدائم والمتكرر في كل الساحات من لبنان مرورا بسوريا والعراق واليمن وليست انتهاء بقطر. هذه المعارك تتعلق بمدى كفاءة المملكة فضلا عن توازنها وقدرتها على إدارة سياسة عقلانية طويلة النفس، الأشياء التي بات الجميع يعلم تماماً أنّها لا تتوافر في ظل سياسات رعناء تؤدي إلى فتح المزيد من المعارك في الجبهة السنّية المفتّتة والضعيفة في وجه جبهة شيعية متماسكة ومدعومة روسيا.
 
 لن يطول الوقت قبل أن تسمعوا انطلاقا من السعودية نفسها كيف بادرت المملكة -تحت ذرائع مختلفة- إلى الضغط على ما تبقى من المعارضة السورية للقبول ببقاء الأسد -سبق وأشرت في مقال حصري في شهر يونيو إلى السياسة السعودية الجديدة في سوريا-، وربما لن نضطر حتى إلى الانتظار حتى نهاية العام لنسمع ذلك. 
 
 فكيف من الممكن أن نتصور أن يساعد هذا التضارب مثلا على احتواء إيران وموازنتها في العراق؟ المغامرات السعودية تحت شعار الاعتدال المزيّف ستفقد المملكة المزيد من السنّة ولن تكون قادرة على كسب الشيعة العرب، ناهيك عن حقيقة العمل الدؤوب للمالكي والميليشيات الشيعية التي تحاول ابتلاع العراق وزيادة الدور الإيراني والروسي في بغداد. خلاصة الكلام أنّ ليس لدى المملكة ما تقدّمه للأسف بهذه الطريقة التي تدير بها الأمور إلا الإضرار بالدول الإقليمية الأخرى التي تحاول الوقوف في وجه إيران، وما المعركة الأخيرة المفتعلة مع قطر إلا نموذج مصغّر عن هذه السياسات الكارثية.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.