الشهيد سيد قطب وسهام العدو

عمرو عادل يكتب لـ عربي21: الشهيد سيد قطب وسهام العدو

لا أعتقد أن هناك شخصية نالت حجم الهجوم الشرس من تيارات متعددة كما نال الشهيد سيد قطب، ولا أجد تفسيرا لذلك مثل قول الإمام الشافعي “تتبع سهام العدو تعرف أهل الحق”، فقد ناله من السهام ما فاق الوصف بل ودفع حياته ثمنا لأفكاره ونضاله . ربما تكون هذه الجملة خاطئة فهو حي بيننا؛ بينما قاتله تصاحبه اللعنات؛ فلا زال الشهيد سيد قطب وأفكاره الثورية المعارضة للظلم والاستبداد علي رأس الحركة الإسلامية المقاومة.
 
 كانت البداية بالنسبة لي مع كتاب الشهيد “التصوير الفني في القرآن الكريم” ؛ فلم تكن الظلال هي البداية ؛ حيث كنت ما زلت أرى أن الإسلام حلا ولكن “الإسلام السياسي” ليس هو الحل مع حق المؤمنين به في العمل بما يرونه مناسبا وأن الأفكار والأيديولوجيات الأخري أيا كانت ربما تكون الأفضل؛ كان هذا بسبب مقدمات طويلة ليس هذا مجالها؛ وكنت أري أن ما حدث في الخمسينيات والستينيات كان اجتهادا للوصول للصواب، فعبد الناصر أراد الصواب فأخطأ في تعامله مع التيارات الإسلامية والإسلاميون لم يطوروا من آلياتهم وأفكارهم بعد، وهم أيضا أرادوا الصواب فأخطأوا، إلي أن أدركت لاحقا أن عبد الناصر أراد الباطل فأصابه؛ وأن التيارات الإسلامية أرادت الحق فأخطأته والفارق بينهما هائل. 
 كان التصوير الفني في القرآن بداية التعارف الصاخب مع الشهيد؛ لا أعتقد أنني استمتعت بقراءة مثله؛ فهو يجمع بين عمق الرؤية وجمال التصوير وأدب الحديث عن كلام الله. وبدأت عبار ة الإمام الشافعي عن سهام العدو تشغل حيزا من تفكيري إلي أن قرأت الكتاب الفذ الإسلام بين الشرق والغرب للدكتور علي عزت بيجوفتش؛ فعرفت قدر الإمام الشهيد سيد قطب.
 
 قد يري البعض أن هناك تناقضا فعلي عزت بيجوفيتش يبدو أنه يحمل من الأفكار ما يتعارض مع الشهيد سيد قطب؛ ربما ؛ ولكن كما أرى أن علي عزت بيجوفتش حسم الفكرة الكلية — بالنسبة لي علي الأقل — بأن النظام والنموذج الإسلامي والرؤية الإسلامية للكون وللإنسان ولله هي الصالحة لإنقاذ العالم؛ لا شك أن الكثيرين أسهبوا في ذلك قبل بيجوفيتش ولكن أعتقد أن تناول المفكر بيجوفيتش كان الأقرب لعقلي، فمن أقوال بيجوفيتش “الإسلام طريقة حياة أكثر منه طريقة تفكير”؛ “الإنسان لا يستطيع أن يكون مسلما ويبقى متخلفا” ؛ “المسلم بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن يُغيّر العالم وإما أن يستسلم للتغيير.” هذا التوجه فتح أمامي الطريق الصحيح.
 
 أعادت هذه الأفكار سهام العدو من جديد وبدأ اليقين أن الشهيد سيد قطب هو من أعلام رؤوس الحق ؛ فالقذف الشديد بالرجل لن يكون إلا إذا كان يمتلك من الحق الكثير.
 
 ليست هذه الكلمات سردا لوقائع قديمة قد لا تهم أحدا، ولكنها محاولة لإثبات أهمية الرموز الفكرية والحركية لأي ثقافة أو حضارة وأن تأثير الأفراد وطريقة حياتهم يفوق تأثيرها قراءة آلاف الكتب ؛ فالأفكار كلها موجودة حبيسة الكتب أو غيرها من وسائل المعرفة ولكن لا يمكنها أن تتفاعل مع المجتمع والجماهير والأفراد بغير قيادات مؤمنة بما تقول فهم النموذج العملي لكل الأفكار ؛ فالشهيد سيد قطب لا زال حيا بأفكاره وكذلك المفكر بيجوفيتش وغيرهم المئات من القيادات الفكرية والحركية علي مدي تاريخ الأمة. كما ينبغي التأكيد أن قيادات العمل الجماهيري تتحمل عبئا كبيرا و هي من تصنع التاريخ؛ فلا ينبغي عليها أبدا التخلي عن الجماهير فلنا أن نتخيل نتيجة تراجع الشهيد سيد قطب أو المجاهد عمر المختار حفاظا علي “ضع ما تشاء فلن يصعب علي أحد إيجاد سبب ما”.
 
 عاش سيد قطب ومات قاتله؛ كما عاش عمر المختار ومات قاتله وكما هو الحال طول التاريخ أن يعيش الأبطال حاملي لواء الحق حتي ولو أعدمهم الخونة، سيبقي هؤلاء الأبطال حجر عثرة أمام اجتماعات “كنسنة” الإسلام وأمام مجمع جروزني الذي يرتدي عباءة السنة كما وصفها أحد الأصدقاء.
 
 هؤلاء الرجال هم الرموز التي يجب أن نعلم أولادنا كيف كانوا؛ وعلينا الانتباه أنه كلما زادت معدلات التشوية من “الأعداء” لهم كلما كان علينا الشك أكثر فيما يدعي أعداؤنا؛ فهم بلا شك لا يريدون لنا خيرا ولا عزة ، و الأعداء ليسوا فقط بالخارج بل ربما يكون أعداء الداخل أكثر شراسة ودناءة من أعداء الخارج ولنا في الشهيد سيد قطب عبرة.