جزيرة البشر المزعجين

عمرو عادل يكتب لـ عربي21: جزيرة البشر المزعجين

ارتبطت الجزر في العصور القديمة بالنسيان في العقل الجمعي، أو على الأقل الخروج من نمط المجتمع الطبيعي، فهي مكان النفي الدائم لرموز السلطة والمعارضة الخارجين عن “النظام”، ولذلك لم تكن مناطق مميزة للحياة بل كانت أشبه بالسجون المفتوحة، وانتقلت إليها كتل بشرية اختارت النفي الذاتي أو بحثا عن مكان لا يريده أحد يعيشوا فيه.
 
 ومع تطور المجتمعات وطغيان رأس المال أصبحت الجزر مركزا مختلفا لحياة الرفاهية، وخاصة مع التطور الكبير في وسائل الانتقال، فلم تصبح الجزر منفى أو مكان صعب الوصول إليه؛ بل أصبحت مركزا للتميز، ونجد الآن من يصنع جزرا صناعية في البحر أو يسعى لامتلاك جزر يبني فيها رموزا مجيدة للحضارة بأبرج عالية وأضواء مبهرة، وبعد أن كانت كما مهملا أصبحت واحدة من مظاهر طغيان الثروة والانفصال الطبقي عن المجتمع البائس، فهو انعزال أيضا ولكن اختياري ومعكوس تماما عن الانعزال القديم، إنعزال عن البشر المزعجين الذين أصبحوا كثيري العدد عديمي النفع.
 
 ربما نحتاج لتحليل أعمق لذلك التحول في مفهوم الجزيرة القديم والحديث، إلا أن ما يهمنا الآن هو مناقشة الأزمة التى تعاني منها جزيرة الوراق المصرية وغيرها من عشرات وربما مئات الجزر في مصر التي أصبحت في مرمى نيران النظام المصري.
 
 والحقيقة يصعب تحديد سبب كل هذا الحقد والكره على شعب مصر من هؤلاء، ولماذا يستمتع هؤلاء بإذلال شعب مصر هكذا؟ فمع الإيمان بأن السلطة تعتبر المصريين أدوات لإنتاج الثروة وأدوات أيضا لممارسة السلطة وليسوا شركاء في كليهما؛ إلا أن هذا غير كاف لفهم ما يحدث في الوراق، لأن هناك من البدائل ما يمكنهم الاستعاضة به عن هذه الجزيرة وعن هذا الكم من التحدي والتهور في مواجهة مئة وثمانين ألف مصري، إلا لو أنهم يعتبرونهم — فوق كونهم مجرد أدوات- عبئا مزعجا وأنهم عقبة في طريق “التطور”.
 
 مئة وثمانين ألف يعيشون في جزيرة صغيرة لم يكن أحد يهتم بها، فهي بلا خدمات وبقايا من جزر النسيان في الماضي التي كان لا يراها أحد، تركت عقود طويلة منسية خارج التاريخ وعلى يمينها ويسارها العاصمة القاهرة ورفيقتها الجيزة، يعانوا أيضا نعم ولكنهم ليسوا كالجزيرة الباقية من زمن المنفى.
 
 فجأة بعد ظهور رجال “الاستثمار” أصبحت الجزيرة محط الأنظار ولكن ظهرت المشكلة في هؤلاء البشر المزعجين الذين يعطلون التنمية والذين لم يدركوا بعد أن الجزر لم تعد تلك المناطق الآمنة البعيدة التي لا يعيرها أحد اهتماما؛ بل تغيرت وأصبحت قبلة الرأسمالية التي تريد الانعزال عن “المزعجين” الذين يحاصرونهم.
 
 إن قصة جزيرة الوراق تعتبر نموذجا حيا مصغرا لتدمير شعب مصر عبر مئتي عاما من التهجير من أجل بناء الدولة الحديثة، بدأت عمليات إعادة البناء سواء بالحصار داخل القرى أو إعادة توزيع البشر القسرية من أجل بناء المجتمع الجديد أو لحماية “مصر”؛ كما حدث في تهجير أهل النوبة وتهجير مدن القناة؛ وأيضا تهجير مئات الآلاف للعمل في قناة السويس؛ تلك الجريمة الشاهدة على إجرام السلطة في حق مصر، أو تهجير أهل سيناء الآن، وانتهت القصة مرحليا بتفريغ الجزر البقية ستأتي تباعا.
 
 كل تلك المحاولات توضع في سياق واحد وتؤكد على أن السلطة بأشكالها في مصر منذ ذلك التاريخ لا ترى حقا لأحد إلا لنفسها وربما لا ترى بشرا في مصر، كل ما تراه هو كتل بشرية مزعجة تعيش دائما في المكان الخطأ وتعطل دائما عجلة التطور، وبالتالي فعلى تلك السلطة أن تحركهم وتعبث بتاريخهم ووجودهم من أجل “مصر” التي لا نعرف ماذا تعني عندهم.
 
 إن معركة جزيرة الوراق وغيرها من الجزر في قائمة التهجير الرأسمالي الجديدة قبل أن تكون معركة من أجل الأرض؛ هى معركة من أجل أن يعلن أهل الجزيرة وربما أهل مصر كلهم أنهم موجودون على ظهرها، وأنهم ليسوا مجرد أدوات للإنتاج أو وسائل لممارسة السلطة، ولكنهم بشر موجودون حقيقيون، وأنهم ليسوا مزعجين؛ فصوتهم لم يعبر حدود جزيرتهم المنعزلة، وأن أكبر إزعاج لوجود مصروبقائها؛ هم هؤلاء الذين لا يرونهم. وأن جزيرتهم ليست أرضا بلا شعب وأن هؤلاء الذين يستمتعون بإذلاله ليسوا آلهة السماء المُنٌزَلين.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.