حتى لا تُغرقنا التقارير

عمرو عادل يكتب لـ عربي21: حتى لا تُغرقنا التقارير

مرت أربعة سنوات على أكثر الأيام إظلاما في تاريخ مصر، ولسنا الآن بصدد اكترار مشاهد اليوم التي غيرت الكثير من أفكار كل من عاشها وستبقي معه حتى آخر لحظات عمره؛ ولكن الهدف هو تثبيت بعض الحقائق ومناقشة الوسائل المتعددة التي يلجأ إليها الخونة لينجوا من العقاب.
 
 ويساعد في ذلك بعض حاملي الوهم يحاولون الذين يحاولون سد أعيننا وعقولنا بأدوات عدة، إلا أن الوضوح الشديد والمبهر لما حدث في 14 أغسطس 2013 يجعل من تلك المحاولات مستحيلة؛ على الأقل لكل من حضر المذبحة، ويبقي أمل حاملي الوهم في الاعتماد على مهارة التحرك البطيء بالكثير من الكلام والكثير من التقارير التي تسحبنا رويدا رويدا إلى مساحة أخرى قد تكون بعيدة تماما عن الحقيقة.
 
 والحقيقة أن هذه مهارة تتميز بها معظم الأنظمة “الحديثة”، فعندما يكتب التاريخ المنتصر فهو يخلط الحقائق والوقائع بما يريد من أكاذيب، وبعد زمن أعتقد أنه سيكون قليل في وقتنا الحالي؛ ربما يمكنه صناعة حقيقة أخرى تحمل قدرا من الوقائع الصحيحة والآلاف من الأكاذيب.
 
 وما حدث في مجزرة رابعة العدوية يتعرض الأن لهذه المحاولات، وهي في الحقيقة محاولة سريعة تفتقد إلى مهارة الصبر والدقة التي تتميز بها الأنظمة الحديثة، إلا أن الواضح أن هناك مشكلة كبرى ولم يستطع الجميع تجاوز ما حدث في رابعة العدوية ولا تجاوز أولئك الذين عايشوا لحظات المذبحة ولا زالوا يملؤون مصر ولا زالوا لا يستطيعون نسيان تلك اللحظات الكارثية.
 
 المحاولات المتتالية والمتعاقبة منذ شهور تتركز حول الرغبة في تقليل حجم المسؤولة عما حدث في رابعة العدوية إلى الحد الأدني الممكن، وبالتالي تبرئة أو على الأقل تقليل مسئولية كل مؤسسات الدولة التي شاركت في هذه الكارثة وأيضا تبرئة الكثير من القيادات السياسية التي شاركت في الجريمة، وبالتأكيد هذا لا يحدث بشكل مباشر بل بشكل بسيط وهادئ ومراوغ حتى تصل للحظة ما يمكنك إعلان “الحقيقة” من وراء كل المقدمات.
 
 حسنا… كفانا حديثا يحاول الاقتراب، ولنبدأ في تتبع تلك المحاولات، ولكن قبل ذلك علينا تثبيت بعض النقاط والأمور المباشرة حتى لا يأتي اليوم الذي نقف في موقع المدافع.
 
 أولا: من قام بالجريمة هي قوات الشرطة والجيش في كل الجمهورية ورأينا ذلك بأم أعيننا.
 
 ثانيا: لم تكن هذه هي الجريمة الأولى فسبقها الحرس الجمهوري والإسكندرية والمنصة وبعدها وقبلها رمسيس وغيرها من المجازر، ورأينا ذلك بأم أعيننا.
 
 ثالثا: المجنزرات المدرعة التي كانت في الشوارع تنتمي لما تسمى القوات المسلحة وكان ذلك واضحا ولم تكن ترفع علم الصهاينة “المعروف”.
 
 رابعا: طوال تلك الفترة من قبل الانقلاب العسكري بأشهر إلى ما يقرب من عام مضي لم يكن أحد يتكلم عن الطرف الثالث بل كان طرفا معلنا وكان يعلن عن نفسه بكل فخر.
 
 خامسا: كل مؤسسات الدولة السلطوية شاركت في الجريمة، السلطة التنفيذية بكل أجنحتها والسلطة القضائية كاملها.
 
 سادسا: لم يعترض أحد على ما حدث من كوارث في هذه الأيام من داخل النظام بل استمرت الأمور تسير بشكل طبيعي باستثناء انسحاب قائد الانقلاب السياسي من المشهد بعد المجزرة بيوم.
 
 هذه أمور مثبتة لا أعتقد أن هناك أحد يشكك بها، إلا أن محاولات تفتيت تلك الثوابت التي عايشناها بأعيننا بدأت منذ عام تقريبا، فبدأ على استحياء كلام حول عدم مسؤولية الجيش عن المجزرة، وبدأنا نسمع عن الطرف الثالث يظهر من جديد وأن الجيش لم يشترك في الجريمة، وهذه محاولة لتمهيد الأرض لحل يمكن أن يكون الجيش طرف فيه، حيث وجد الجميع أنه من المستحيل القبول بشيء هكذا في وجود هذه الجريمة التي قام بها؛ فيكون الحل بإعادة إحياء الطرف الثالث ليحمل إثم الجريمة.
 
 إلا أن اقتراب الحدث وأن الحاضرين له ما زالوا أحياء فإن هذا الطرح لم يجد صدى تقريبا، وكادت الأمور تمر، إلا أنه منذ أيام صدر تقرير يشير إلى وجود خطة كانت مقررة للفض على مدى يومين باستخدام قنابل غاز لتجعل من الحياة في الميدان ومحيطه مستحيلة، مما يجبر المعتصمين على الرحيل بأقل الخسائر الممكنة، وأن عدد قليل فقط هو المسؤول عن قرار التصعيد المسلح الذي حدث في فض الميدان.
 
 هذا الطرح في هذا التوقيت متوافق مع رغبة البعض في تنظيف يد مؤسسات الدولة من الجريمة التي تحول دون أي تعامل معها وتصنيفها في مصاف العدو للشعب، والحقيقة أن المشكلة ربما ليست في مُصدِر التقرير، لأن خبراتنا القديمة تنبئنا أن مؤسسات الدولة ومعها بعض المؤسسات العالمية لها القدرة دفن الحقائق في أعماق بعيدة ، ولها القدرة على صناعة حقيقة من وهم كامل باستخدام أدواتها، حيث تعمل على تسريب أكاذيب من أطراف بداخل السلطة تبدو حقيقية ومترابطة لتكوين صور خاطئة وكاذبة ولكنها تبدو حقيقية، فالدفع ببعض ذوي النفوذ أو “علماء” بعدة مستندات قد تستطيع صناعة بها “حقائق “ مزورة تماما.
 
 إن هذا الطرح يحمل عدة تناقضات كبرى والانسياق وراءه هو بداية الطريق لهدف غسل يد المؤسسات من المذبحة، وسأحاول طرح بعض هذه التناقضات.
 
 أولا: المسؤولين عن قرار الفض الذين أقروا خطة الفض اللطيف التي عرضت طبقا للتقرير، لماذا لم يعترض أحد أو حتى يذكر هذه المعلومة بعد المذبحة؟، بل حتى قائد الانقلاب السياسي عندما انسحب؛ لماذا لم يذكر أي شيء عن هذه الخطة، وأيضا العشرات ممن ألقاهم العسكر في سلة المهملات؛ لماذا لم يشر أي منهم لهذه الخطة عبر السنوات الأربع الماضية؟.
 
 ثانيا: إذا كانت تلك الخطة حقيقية فكيف حدث العكس في خلال ساعة على الأكثر بخطة مختلفة تحتاج لحجم هائل من الاستعدادات اللوجستية من عتاد وقوات وإعداد نفسي لمرتكبي الجريمة؟. إن مثل هذه الاستعدادات لا يمكن أن تتم في هذا الوقت القصير.
 
 ثالثا: إذا كانت تلك الخطة صحيحة فلماذا كل هذا الشحن الإعلامي القذر ضد المعتصمين في رابعة ووصفهم بأبشع الألفاظ والصفات وكأنه تمهيد لذبحهم دون رحمة؟.
 
 رابعا: إذا كانت خطة فض الاعتصام صحيحة وإذا كان كارثة ميدان رابعة حدثت دون تخطيط مسبق فكيف نفسر ما حدث في الميادين الأخرى؟ ألف مسكن ومصطفي محمود وغيرها في نفس اليوم ونفس التوقيت.
 
 خامسا: كيف يمكن تصديق ذلك ولم يكن ما حدث في رابعة بداية المذابح بل سبقتها عدة مذابح في محافظات عدة؟.
 
 هناك الكثير من التناقضات بين ما رأيناه بأعيننا وما يطرحه هذا الكلام لا يتسع المجال لها، إن هذا الطرح طرحا غير مقبول بل كما ذكرت محاولة لغسل يد الكثير وحصر المأساة في عدد صغير، وهذه جريمة أكبر من المجزرة ذاتها.
 
 قد تجاوز الزمن محاولات طمس الجريمة وبدأت المرحلة الثانية في محاولة طمس المجرمين، ولكن مئات الآلاف وربما الملايين الذين شهدوا تلك الكارثة لن يسمحوا بذلك، وسيبقي كل المجرمين في أذهاننا وأمام أعيننا حتى القصاص لكل شهيد مهما طال الزمن، فقد تعلقت في رقابنا قطرات دمائهم المتطايرة وعلقت في آذاننا كلماتهم الأخيرة، ولن تزول إلا بالقصاص وتحرير مصر من كل الخونة.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.