"سيكا" عميل أمريكا

عمرو عادل يكتب لـ عربي21: “سيكا” عميل أمريكا

هذا العنوان له قصة طريفة لن استطيع أن أحكي تفاصيلها كاملة ولكنه ظهر في حوار ما بعد الانقلاب العسكري بشهور قليله، ودخل طرفين في صراع حوله حيث أنه كان موجها ضد قائد الجناح العسكري للانقلاب علي الشرعية الدستورية، إلا أن بعض من يعرف معنى كلمة “سيكا” تحفظ على العنوان حيث أنه مهين درجة قد تكون متهورة وتبعد قطاعات ما “شريفة” من الجيش عن الثوار.
 
 لم يمر أسابيع قليلة حتى اجتاح “الهاشتاج” الأشهر في مصر كل شيء أمامه وأصبح “الهاشتاج” رمزا حصريا لكل من ينتمي لزمرة الانقلاب المسلح.
 
 وحتى لا نفقد القاريء الذي لا يعلم معنى “سيكا” فسنبدأ بتعريفها؛ فهي حصرا تطلق علي ذلك العسكري الذي يقوم بخدمة أي ضابط في الوحدات، فهو العسكري الخاص به يرافقه في كل مكان وهو المسئول عن طعامه وملبسه ونظافة مكتبه أو مسكنه. وفي مقابل ذلك الوضع المهين؛ فالعسكري “سيكا” له بعض الحظوة؛ فهو لا يقوم بخدمات الحراسة أو أي عمل بالوحدة يمت للعسكرية بصلة، وهذا العسكري البائس يلاقي قدرا من الاحتقار من زملائه ولا مانع من قدر من الحسد ممن يطمعون في دور العسكري “سيكا”، كما أن “سيكا” قادر على التوسط لزملائه من الجنود عند ضابطه الأعلي، والعسكري “سيكا” الأكثر بؤسا هو الذي يتجسس على زملائه ويخبر ضابطه بما يجري في الوحدة وما يقال عنه وعن غيره؛ وهذا النموذج هو الأكثر احتقارا لدي زملائه بالوحدة.
 
 هذا النموذج هو أحد كوارث عسكر مصر الخونة الذين اعتبروا مصر أرضا مستباحة لهم واعتبروا شعب مصر وشبابها مستعبدين على أرض مصر، وهذا نموذج مستمر منذ أن قام المستبد الأكبر في مصر محمد علي بتجنيد المصريين في جيشه الذي حاول به بناء مجده الشخصي، على أية حال هذا موضوع آخر؛ إلا أن ما يهمنا في هذا السياق هي تلك العقيدة التي يؤمن بها كل من يحمل رتبة ضابط بما يسمي الجيش المصري منذ أن كان الضباط أجانب والعساكر مصريين؛ رحل الأجانب لكن بقيت تلك الروح الاستعبادية للمصريين واستطاعت المنظومة إبعاد أو تهميش كل من يرفض مفهوم “سيكا” بالمؤسسة.
 
 ليس العسكري البائس فقط هو “سيكا” ولكنه النموذج الذي نستطيع أن نتحدث حوله بلا قلق، فماذا سيفعل هذا الجندي البائس للاعنيه، ولكن هناك من أصحاب رابطات العنق والحقائب الوزارية ورئاسات الدول من هم أكثر قذارة من السيكا الجاسوس، فهو يحطم أمة من أجل رضا ضابطه الأعلي.
 
 فمع الوقت لم يقتصر هذا المفهوم علي الجنود فقط بل أصبح من المفاهيم المؤسسة لها، فكل ضابط أصبح” سيكا” بأشكال أكثر أناقة لضابط أعلي منه وهكذا حتي تصل إلي القمة والقمة كل منها يراها كيفما يشاء.
 
 حادثان مهمان وقعا الأسبوع الماضي أكدا هذا المفهوم المتأصل لدى ما يسمون ضباط الجيش المصري؛ الحادث الأول ما ذكره قائد الجناح المسلح للانقلاب حول عدم قبول أي منتمي للتيار الإسلامي بمؤسسته؛ فهو بهذا القول لا يؤكد فقط كرهه للدين الإسلامي وحقده الدفين غير المعلوم الدوافع حتى الآن؛ ولكنه يؤكد علي إيمانه بل واتباعه لمفهوم “سيكا”؛ فهذه الثقافة لا يمكن إيقافها وتمتد في كافة المستويات حتي يصبح كل فرد داخل المنظومة هو “سيكا” لشخص ما آخر؛ وهناك السيد الكبير القابع في مكان ما والذي يريد المؤسسة خالية ممن قد يرفض أن يكون سيكا أو يعترض علي هذا النموذج أو يأتي يوما ما يكون قادرا علي تغييره. فالمؤسسة لابد ان تكون “نظيفة” لهم.
 والحادثة الأخري الحوار المسرب بين ما يسمي وزير الخارجية وأحد الصهاينة، هذا الحديث الذي أظهر”سيكا” آخر بخلفية دبلوماسية ليحدثنا عن مدى خيانته المتكاملة؛ ويظهر مدى رقي العسكري الجاسوس في مقابل الجاسوس الحامل للحقيبة الوزارية الذي أصبح “سيكا” برابطة عنق.
 
 لقد حول عسكر مصر الخونة ما يفعلونه في وحداتهم من فساد واستعباد لكل من هو دونهم إلي كل المجتمع؛ وأصبحت حدود مصر هي أسوار عالية لوحداتهم وأصبح جنود الحراسة مهمومين بحصار أهل مصر وأصبح ما يسموا ضباط الجيش هي أدوات صناعة فلسفة “سيكا” التي تتحرك إلي أسفل وإلى أعلى لتصبح مصر التي يريدونها هي دولة “سيكا”.
 
 وما يؤكد انتشار هذه الفلسفة في كل مؤسسات مصر هو الانعدام الكامل لأي تعليق أو اعتراض أو حتي امتعاض من أي مؤسسة كانت أو أي فرد كان من داخل المؤسسات المصرية التي تشبعت بمفهوم “سيكا”؛ وكل ما خرج منها هو غضب من التسريب وليس من محتوي التسريب، وهذه المأساة ليست مفاجأة فروح “سيكا” المنتشرة في كل مكان في مؤسسات مصر تطغي علي أي قيمة أخري، كما أن تلك المؤسسات نجحت علي مدي عقود متراكمة من انتزاع كل من تسول له نفسه أن يرفض روح “سيكا”.
 
 كان يخشي ناجي العلي أن تصبح الخيانة وجهة نظر ولم يكن يتخيل أن يتطور الأمر وتصبح الخيانة العلنية لصالح أي كيان إجراء يجب فقط عدم نشره ولا يهتم أحد بالأساس بالدفاع عنها حتي “كوجهة نظر”.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.