
عمرو عادل يكتب لـ عربي21: عمر دمير — عمران داقنيش — أحمد عاصم
تتعرض كل المنطقة لسباق محموم من أطراف إقليمية ودولية عدة كي يعاد تشكيلها، من الطبيعي أن تتحرك القوي الدولية الاستعمارية والتي لا يمكنها البقاء ولا الحفاظ علي مستوي الرفاهة التي تتمتع بها القوي العاملة عندهم دون السيطرة علي مصادر الثروة بالعالم، ولا داعي للتعجب من وجود قوي إقليمية تسعي في هذا الاتجاه أيضا فالخطأ من البداية في تعريفها المراوغ؛ فهي ليست قوي إقليمية ولكنها أذرع قوي الاحتلال.
ولا ينبغي أن نستمر في إطلاق التوصيفات المخادعة التي تصنع صورا ذهنية بعيدة عن الحقيقة ؛ فلا توجد قوي إقليمية الأن إلا من يقاوم الاستعمار وذيوله مهما تجملت القوي التي تدعي انها إقليمية؛ فهي قوي معادية بلا شك.
هناك عمليات كبري حدثت لتدمير العقلية العربية و إعادة تصوير وتنظيم العالم داخل أذهاننا بشكل مختلف، وبالتالي يحمل العقل العربي كما كبيرا من المتناقضات تحتاج لعمليات جراحة مؤلمة ؛ هذه العمليات الكبري جعلتنا نتعايش بل ونستطيع صناعة المنطق الذي يجمع المتناقضات في نسق فكري “منطقي”. وهناك طريقتان للخروج وطريقة للبقاء علمتنا إياها الثلاثة مشاهد.
مشهدان خلال شهر واحد ومشهد آخر قديم نحتاج إلي التوقف أمامهم كي نحاول الخروج من العالم الموازي الذي صُنع لنا خصيصا، المشهد الأول للجندي عمر دمير بالقوات الخاصة بالأمن التركي وقد أصبح رمزا كبيرا للشعب التركي، عمر دمير قام بإطلاق الرصاص مباشرة علي أحد القادة الانقلابيين عند محاولته السيطرة علي مركز قيادة العمليات الخاصة؛ أحاول أن أرصد ما كان يدورعقل الشهيد عمر قبل إطلاقه الرصاص علي الخائن؛ فيم كان يفكر؟ بالتأكيد هناك مقدمات كثيرة جعلته دون تردد يطلق الرصاص علي الجنرال الخائن؛ في تلك اللحظة لم تستطع تلك المقدمات أن تجعله يتردد لحظة واحدة بل علي العكس كانت حافزا له علي أن يطلق الرصاص علي الخائن.
هذه المقدمات هي من جعلت النساء في شوارع تركيا يحملن العصي في إشارة أنهم سيقاومون بما يمتلكون حتي لو كانت عصاة خشبية أمام الدبابة؛ هي التي جعلت الرجال والشباب يواجهون الآليات بكل ما يمتلكون من أدوات للمقاومة؛ وهي التي جعلت قوات الشرطة تستطيع بأسلحتها الخفيفة نسبة إلي أسلحة الجيش أن تقاوم الانقلاب العسكري وتهزمه، وهي التي جعلت الشعب التركي يرفض دفن الخونة في مقابره ودفنوهم في مقابر خاصة أطلق عليها مقابر الخونة.
إن هذه المقدمات كانت صناعة وعي مقاوم وبالتالي شعب مقاتل؛ وبالتأكيد لن تكون هذه مهمة الحكومات العميلة ولا مهمة من يدير تلك الدمي الموجودة علي رأس السلطة في بلادنا؛ بل هي مهمة كل القوي الحقيقية التي تؤمن بضرورة التحرر من عقود من التدمير الممنهج والاحتلال بالوكالة.
المشهد الثاني للطفل عمران الذي أثارت صورته تعاطفا واسعا مع أزمة الشعب السوري ؛ تماما كما فعلت صورة الطفل الغارق علي السواحل التركية منذ أشهر، ولا أظن أنها ستفعل أكثر من ذلك، وما يهمنا في هذا السياق هو الحالة الغريبة بالنسبة لطفل في هذا العمر؛ فقط يجلس لينظر بعين مرت بتجارب كثيرة وبصمت كامل ويمسح بالدماء من وجهه وينظف يده في كرسيه، هذا المشهد العجيب يشير إلي لا مبالاة الطفل عمران بأي شيء مما يحدث ؛هذا إما اليأس الكامل أو البأس المتنامي في أطفال الشام؛ وأراه الثاني.
لقد عانى الشعب السوري على مدي خمسة أعوام من دموية و محاولات تدمير شاملة لكل حالة المقاومة داخل سوريا؛ لم تنجح المنظومة الدولية في كسر إرادة الثورة ولم تنجح المقاومة أيضا حتي الآن في تدمير الوحش الهائل الذي تحاربه؛ ولكن مشهد عمران داقنيش يدل علي أن المقاومة تستطيع أن تبني الأفكار في عقولنا التي أفسدتها نظمنا العميلة؛ لم تستطع سوريا أن تفعل مثل تركيا؛ ففي تركيا قيادة تنتمي للمجتمع وهي جزء منه؛ فأنتجت شعبا مقاوما، أما سوريا فيحكمها عملاء لا ينتمون لمجتمعهم؛ فدفع الشعب السوري مئات الآلاف من الشهداء وملايين المشردين كي نشهد لا مبالاة عمران التي تدل علي انهيار ما بنته السلطة الفاشلة وأننا علي مشارف شعب مقاوم آخر علي الطريقة التركية ولكن بثمن غال وغال جدا.
المشهد الثالث القديم وهو مشهد المصور أحمد عاصم الذي استطاع تصوير أحد الخونة وهو يقتل المعتصمين عند دار الحرس الجمهوري فقام الخائن بقنصه وهو يصوره. الآن وبعد ثلاث سنوات يبدو أن الأمور لم تتغير فأحمد عاصم لقي ربه شهيدا ومن قتله يمارس هوايته في القتل أحيانا بكل تأكيد وربما حصل علي ترقية أو بعثة تشجيعية علي بطولته النادرة.
إن النجاح والفشل ليس وجه المقارنة؛ فلم نستقر بعد علي معيار واضح للحكم؛ فستجد من يدعي بنجاح التجربة التونسية وهو من يؤمن بجدوي الاستقرار؛ وهناك من هو مؤمن بأنها أسوأ نتيجة في الربيع العربي وأن وضعها أسوأ من الجميع وهذا عندما يكون الوزن النسبي للثورة بمفهومها الشامل مرتفع؛ لذا فمجال المقارنة هنا هو تقييم رد فعل الشعوب الثلاث.
الشعب المقاتل والذي يحكمه قيادة تنتمي إليه استطاع أن يكسر أحد أشرس الانقلابات العسكرية، والشعب الذي يقاوم بشراسة صنعت المقاومة أجيالا دمرت سنوات من تغييب العقل وتدميره، لا يظن أحدا أن المصريين لا يمتلكون جسارة الأتراك ولا شجاعة أهل الشام — أقصد المصريون الأحرار بالتأكيد — علي العكس؛ فما رأيناه في شوارع مصر يدل علي عكس ذلك.
إذا السؤال؛ لماذا تراجعت المقاومة وتراجعت روح المقاومة في الشارع المصري؟ علينا البحث عن إجابة صحيحة، فهي ليست قلة في الرجال ولا ضعفا في العزيمة، وحتي نجد الإجابة؛ يحاول البعض الإبقاء علي روح المقاومة وإعادة إشعالها في الشارع المصري وسط حرب هستيرية من أطراف عدة لذبح الثورة من الوريد إلي الوريد ، هي محاولة حقيقية حتي نلحق بمن سبقونا علي خط المقاومة ؛ الأتراك وأهل الشام ولكن بطريقتنا الخاصة.