هل هي نهاية المشرق؟

غازي دحمان يكتب لـ عربي21: هل هي نهاية المشرق؟

تميّز المشرق العربي، بكونه المكان الأكثر إضطراباً في العالم، بعد الحرب الثانية، فهو الجغرافية التي لم تشهد توقفاً للحرب منذ 1948، فكانت المعارك تهدأ على جبهة لتشتعل في جبهة اخرى، لكن التوتر لم ينقطع أبداً داخل مجتمعاته التي ظلت تعيش على وقع الحروب المتنقلة.
 
 من حروب العرب والإسرائليين، إلى حروب العرب الداخلية “ حروب مصر في اليمن وليبيا”، إلى الحرب الإيرانية- العراقية، والحرب الأهلية اللبنانية، ومذابح النظام السوري في ثمانينيات القرن الماضي في حماة وإدلب وحلب، وحروب أميركا في الخليج، إلى حروب الاكراد وتركيا وحروبهم مع بعضهم، لم يغب صوت البارود ولا رائحته عن سماء المنطقة التي ما انفكت تنزف من دماء أبناءها دون جدوى ولا أفق للخلاص.
 
 وفي كل المراحل، كانت الحروب الداخلية، أشد وطأة وفداحة، حيث شنت الانظمة الحاكمة حروباً ممنهجة ومستمرة لإخضاع الشعوب وقتل كل ما تتصوره خطراً ممكناً ومحتملاً، ولإنجاز هذه المهمة زرعت الرعب في القلوب والنفوس، وصنعت أجهزة جبارة مهمتها مراقبة الشعب فرداً فرداً ويوما بيوم.
 ولم تكن الطبيعة أرحم، فقد ضرب الجفاف أنهار سورية والعراق وفلسطين، وذبل الزرع والضرع في منطقة إشتهرت بتراثها الزراعي وإعتماد شعوبها على الزراعة كمصدر رزق وقوت في ظل عدم إهتمام “ الدولة” بإيجاد بدائل، او المحافظة قدر الإمكان على هذا القطاع.
 
 بيد انه يحسب للمشرق العربي، أنه عاند كل تلك الظروف والمصاعب والكوارث، وكان سرعان ما يداوي جراحه ويعود للحياة مرّة أخرى معتمداً على إحترافية شعوبه في التكّيف مع التغييرات ومحاولتها خلق فرص من تلك التحديات، فرغم قساوة الإحتلال الإسرائيلي إستطاع المجتمع الفلسطيني التشبث ما استطاع بأرضه وإنتاج ثورات قي وجه إحتلال إسرائيل أدهشت العالم كله، كما حافظ اللاجئون على هويتهم رغم كل التحديات التي واجهتهم، وصنع الأردنيون دولة على الرمال كانت الأمم المتحدة قدّرت في أحد تقاريرها عام 1960 بأنها دولة محكومة بالزوال” إلى جانب ليبيا قبل إكتشاف النفط” لقلة الموارد بما فيها الماء، كما تجاوز اللبنانيون حربهم وأعادوا بناء ما دمرته، وعبر السوريون سلسلة مجازر حافظ الأسد ليشعلوا ثورة على وريثه زعزعت حكمه إلى الأبد.
 
 اليوم، يبدو المشرق عاجزا على إجتراح صيغة للخروج من المأزق الراهن، فلا ملامح ثورة في فلسطين رغم إشتداد الخطر ووصوله أبواب بيوت الضفة الغربية، ويتعثر السوريين في تجاوز العتبة الأخيرة للحرية بل ويتصارع من بفترض أنهم أمل الخلاص رغم أن شبح الفناء يلوح فوق روؤسهم، كما أن جرح العراق ينزّ دماً لا ينقطع، فيما العراقيون يرقصون في حفلة الموت الرهيبة، ويقيم اللبنانيون على حافة الخطر الذي ينمو ويتطور كل يوم، فهل هي تراكمات تعب السنين الخالية وضعها العقل الباطن في مواجهة الجسد وأقعده عن المقاومة، أم أن الهجمة الحالية تفوق حدود المقدرة على المجابهة والصمود؟.
 
 بإستثناء فلسطين، إنحصرت الحروب السابقة في نطاق جبهات محدّدة” الحروب العربية- الإسرائيلية”، أو تم توجيهها ضد قطاعات معينة” حروب الأنظمة على أحزاب وجماعات إسلامية ويسارية”، وبذلك ظلّ ممكناً إحتواء الخسائر والتعايش قدر الإمكان مع أثارها وتداعياتها، وفي فلسطين تم إنتاج صيغة المقاومة في الداخل والخارج لمواجهة زخم الهجوم الإسرايلي وكسر إندفاعاته، في ظل ظروف عربية ودولية مساعدة، إلى حد ما، وجميع هذه المعطيات تراجعت اليوم بالتزامن مع تصدع الجوار العربي وحالة الإنقسام السياسي الذي تضرب الوضع الفلسطيني منذ سنوات.
 
 وفي سورية تتفق الحرب على كل الجبهات، وتندمج حروب الخارج مع حرب نظام الحكم مع فوضى المقاومة، ما يصعّب من المواجهة، ويجعل السلام مستحيلاً في حرب لا تبحث عن الحلول بقدر ما تنشّغل طاقاتها من أجل هدف إبادة الخصم، وهذا نمط من المواجهات ولكونه يتجاوز خبرات شعوب المشرق على التكيف ويتخطى حدود مقدرتها على التحمل فإنه يضع مستقبلاتها أمام خيارات محدودة وصعبة بنفس الأن.
 
 هل يخرج المشرق الذي تجاوز يوماً كوارث الإستعمار والحروب والمجاعات، كل التقديرات تشير إلى أن هذه الواقعة مختلفة ولا بد أنها ستنتج متغيرات ووقائع على شاكلتها، رغم ان الذاكرة التاريخية ما انفكت تخبرنا ان هذا المشرق نفسه سبق ان تم إعلان وفاته على يد هولاكو لكنه عاند وواصل صيرورة التحدي والحياة، والأمل انه قد يفعلها هذه المرّة.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.