فورين أفيرز: ما هو سر التقارب الياباني الإسرائيلي؟
فورين أفيرز: العلاقة بين اليابان وإسرائيل في ازدهار مستمر- أ ف ب

فورين أفيرز: ما هو سر التقارب الياباني الإسرائيلي؟

نشرت مجلة “فورين أفيرز” مقالا للكاتبين ماثيو برامر وإيتان أورين، يتحدثان فيه عن سر العلاقات الدافئة بين اليابان وإسرائيل. 
 
 ويقول الكاتبان: “بعد 70 عاما من العلاقة الحذرة بين اليابان وإسرائيل، فإنهما تحركتا لترفيع العلاقة الدبلوماسية والتجارية بينهما، ففي خلال العامين الماضيين وقع البلدان سلسلة من الاتفاقيات السياسية والاقتصادية المهمة، بشكل أحدث نقلة في علاقاتهما الثنائية المحدودة إلى علاقة تحالف بين شريكين، فمن الحوارات حول الأمن القومي والأمن الإلكتروني إلى أول استثمار تجاري بينهما، فالعلاقة بين البلدين في ازدهار مستمر”.
 
 ويشير الكاتبان في مقالهما، الذي ترجمته “عربي21”، إلى أن العلاقات بين البلدين ظلت غير متطورة، رغم ما يشتركان فيه من القيم الديمقراطية، وسياسات التجارة المفتوحة، والمناخ التجاري والصناعي الداعم، والتحالف القريب مع الولايات المتحدة. 
 
 ويرى الكاتبان أن هناك ثلاثة عوامل تقف وراء تطور العلاقات بين البلدين، وهي التغيرات الأساسية التي حدثت في مجال الطاقة الدولية، والتطورات التي حصلت على المشهد السياسي والاقتصادي المحلي، والتحولات في مجال القوة الجيوسياسية، وهو ما دفع صناع السياسة في البلدين للبحث عن علاقات أفضل، مستدركين بأنه رغم استمرار تأثير مظاهر القلق التاريخية في مسار السياسة الخارجية، إلا أن العلاقة بين طوكيو وتل أبيب تعد نقطة تحول من الانعزالية التي ميزت العلاقات بين البلدين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
 
 وتلفت المجلة إلى أن “جذور العلاقة الصعبة بين إسرائيل واليابان تعود إلى فترة 1973- 1974، أي حرب أكتوبر، عندما فرضت الدول العربية المنتجة والمصدرة للبترول مقاطعة على تصدير النفط للولايات المتحدة والغرب؛ بسبب دعمهما إسرائيل في حرب (يوم كيبور)، (كما تسميها إسرائيل)، واختارت اليابان البلد الفقير في مصادر الطاقة إبعاد نفسها عن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وشجبت دور إسرائيل في الحرب، بل إنها دعت المنظمة الاقتصادية اليابانية (كيدارنين) إلى مقاطعة إسرائيل اقتصاديا، ورغم عدم تبني الحكومة مقاطعة، إلا أن الكثير من الشركات اليابانية تجنبت عقد صفقات تجارية مع الشركات الإسرائيلية، وأثر ميراث المقاطعة الفعلي في العلاقات الدبلوماسية والتجارية منذ ذلك الوقت”.
 
 ويستدرك الكاتبان بأن “حسابات السياسة اليابانية الخارجية قد تغيرت في الفترة الماضية، وكان أول محرك في هذا التغير هو التحول في سوق الطاقة العالمية، حيث تراجع تأثير منظمة أوبك مع نمو الطاقة البديلة والنفط المستخرج من الصخر الزيتي، بشكل فرض ضغطا على أسعار النفط، وأدى إلى ظهور شبكة لامركزية لإنتاج الطاقة، ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدا منذ الهزة الأرضية عام 2011، كانت اليابان تقوم بتنويع مجالات الطاقة، من خلال جهود حثيثة، وذلك لتحرر نفسها من الاعتماد على النفط المستورد، وفي عام 2015 مثلا أعلنت عن خطة طويلة الأمد لتنتقل من الطاقة الوطنية المزيجة من 1.7% من الطاقة النووية و14.9% من النفط في عام 2013 إلى 20% من الطاقة النووية و3% من النفط في عام 2030، ومع تراجع عدد السكان والناتج الصناعي تشهد اليابان تراجعا في الطلب على الطاقة”.
 
 وتذكر المجلة أن “اليابان لم تعد تعتمد على النفط المستورد كما كانت منذ نصف قرن، ففي عام 2000 كان حجم الاستهلاك من النفط هو ستة آلاف برميل في اليوم، لكنه وصل في العام الماضي إلى أقل من أربعة آلاف برميل نفط في اليوم”.
 
 ويقول الكاتبان: “اليوم بدأت طوكيو بمتابعة سياسة خارجية لا تعتمد على أهواء أوبك، خاصة مع إسرائيل، التي لم تكن العلاقة معها متاحة، ومع حدوث نقلة في مصادر الطاقة اليابانية، فإنها حدثت أيضا نقلة في سياساتها الخارجية، فبحلول عام 2019 سيصبح رئيس الوزراء شينزو آبي أطول رئيس وزراء يبقى في الحكم منذ الحرب العالمية الثانية، وتقوم سياسته على السلام النشط للتعامل مع شؤون العالم.،ولم تعد اليابان مستعدة للتضحية بموقعها الدولي مقابل تأمين حصولها على النفط، حيث شكل آبي، الذي انتخب بغالبية كبيرة في عامي 2012 و2014، ائتلافا قويا يتمتع بغالبية متفوقة في مجلسي (ديت)، وهو أمر نادر الحدوث في السياسة اليابانية، وسهل من تطبيق أجندة رئيس الوزراء”.
 
 وتبين المجلة أن “المشهد السياسي الحالي، القائم على قيادة قوية وتحالف قوي، ساعد على ظهور نقاش كان ممنوعا حول دور اليابان في العالم، وهو ما ساعد على مناقشة البند 9 من الدستور الياباني، الذي يشجب الحرب بصفتها وسيلة لحل النزاعات الدولية، والسماح لليابان بالدفاع عن نفسها، والقتال دفاعا عن حلفائها، وأدت النقاشات إلى أن تقوم اليابان بشكل نشط في بناء جسور مع الدول التي تجنبت العلاقة معها بسبب انشغالها بتأمين المصادر النفطية”.
 
 ويقول الكاتبان: “بالمختصر يقوم آبي بتبني (واقعية جديدة) في السياسة الخارجية، والابتعاد عن هوية البلد المسالمة في مرحلة ما بعد الحرب، وتقوم اليابان بإعادة خلق نفسها باعتبارها قوة وسط (طبيعية) مستعدة لاستخدام كل ما يتوفر لديها من أدوات دبلوماسية لتأمين مصالحها القومية”.
 
 ويضيف الكاتبان أن “توسيع العلاقة مع إسرائيل، البلد الذي يقف في مقدمة الأمن والتكنولوجيا، هو النتيجة الطبيعية لهذه الدفعة من أجل تحقيق حضور مستقل ومؤثر في المسرح الدولي، بالإضافة إلى أن هناك انسجاما بين موقع إسرائيل بصفتها دولة تنشئ التكنولوجيا وغنية بالمعرفة والخبرات العلمية بأجندة آبي الاقتصادية (أبينوميكس)، التي تتعامل مع الاختراع مفتاحا لتوليد النمو”.
 
 وتنوه المجلة إلى أن “في الوقت الذي حررت فيه السياسة اليابانية الداخلية سياستها الخارجية فإن تحولا حدث في توزيع القوة العالمية، بشكل قاد اليابان إلى إعادة النظر في تحالفاتها، ففي الوقت الذي تشهد فيه اقتصاديات الغرب حالة من الجمود والاقتصاديات الصناعية نموا، فإن مركز القوة ينحرف عن الولايات المتحدة، خاصة أن الصين أصبحت قوة دولية عظمى، وحاولت الصين مثلا تأكيد قوتها في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، في محاولة للحصول على مركز لها في الفراغ الذي حدث أولا مع نهاية الحرب الباردة، وثانيا أثناء فترة حكم باراك أوباما، وقامت الصين بتوثيق صلاتها الاقتصادية مع دول المنطقة، بمن فيها إسرائيل”. 
 
 ويبين الكاتبان أنه “كجزء من الدفع باتجاه التأثير الإقليمي، فإن الصين قامت أولا باستثمارات كبيرة في البنية التحتية الإسرائيلية، مثل الميناء الجديد في أشدود والخط الحديد السريع في تل أبيب، بالإضافة إلى قطاع التكنولوجيا العالية الذي استثمرت فيه خلال السنوات الثلاث الماضية 10 مليارات دولار، حيث فتح التعاون الباب أمام عملية اصطفاف سياسي جديد بين بكين وتل أبيب، ففي آذار/ مارس وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي العلاقة بين بلاده والصين بأنها (زواج ممكن تم بمباركة العناية السماوية)، وقد تجد الولايات المتحدة واليابان أرضية مشتركة من القلق، وفي الوقت الذي واجهت فيه اليابان تاريخيا الخيار الثنائي بين مطالب أوبك وتلك التي من الولايات المتحدة، فإنها اليوم مستعدة لمتابعة مسار مستقل، ومع استمرار مظاهر القلق حول الشرق الأوسط وآسيا- المحيط الهادئ، بما في ذلك التقارير التي تحدثت عن تعاون بين إيران وكوريا الشمالية في المجال النووي، فربما وجدت اليابان أرضية مشتركة للتعاون مع إسرائيل”.
 
 وتشير المجلة إلى الطريقة التي تطورت فيها العلاقات بين البلدين، فـ”رغم وصول العلاقات بينهما بعد حرب عام 1973 إلى نقطة متدنية، إلا أنها شهدت منذ التسعينيات من القرن الماضي ذوبانا في الجليد؛ لأن اليابان حاولت أداء دور وسيط السلام بين العرب والإسرائيليين، في وقت هددت فيه حرب الخليج استقرار المنطقة، ففي منتصف التسعينيات كان رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين ورئيس الوزراء الياباني موراياما توموتشي أول زعيمين يقومان بزيارة بلد الآخر، وفي عام 1996 قامت اليابان بإرسال قوات حفظ سلام لمراقبة الوضع على الحدود السورية مع إسرائيل، وحصل تطور في العلاقات الاقتصادية بين البلدين خلال هذه الفترة، ففي نيسان/ أبريل قام وفد من المنظمة الاقتصادية اليابانية (كيدانرين) إسرائيل، وقرر فتح مكتب لمنظمة التجارة اليابانية الخارجية في إسرائيل عام 1995".
 
 ويستدرك الكاتبان بأنه “رغم محاولات التقارب هذه، إلا أن العلاقة بين البلدين ظلت محدودة حتى وقت قريب، وحصلت النقلة من خلال القمة التي عقدت في طوكيو في أيار/ مايو 2014 بين آبي وبنيامين نتنياهو، وأدت العلاقة القريبة بينهما إلى بيان مشترك حول الرغبة ببناء (شراكة جديدة وشاملة)، وقادت القمة إلى سلسلة من الاتفاقيات والحوارات على مستويات عالية في الدفاع والأمن الإلكتروني والتجارة والقضايا الاقتصادية الأخرى”.
 
 وتلفت المجلة إلى أن “التعاون في المجال الأمني كان الأكثر تطورا، حيث عقد الدبلوماسيون الإسرائيليون واليابانيون اجتماعات روتينية وحوارات حول الأمن القومي في طوكيو والقدس لمنافشة استراتيجية مكافحة الإرهاب والتكنولوجيا العسكرية، والتبادل الثنائي بين المؤسسات العسكرية التي تركز على نقل المهارة والمعرفة، التي تم تبنيها في كانون الأول/ ديسمبر 2014، التي أدت إلى بناء شبكة علاقات شخصية، وتقوية العلاقات بين الأجهزة الأمنية، وعقد البلدان منذ عام 2014 سلسلة من الحوارات الوزارية حول الأمن الإلكتروني، وأعلنا في أيار/ مايو عن بيان مشترك حول (شراكة الإبداع الياباني الإسرائيلي)، التي ستوسع التعاون إلى برامج تدريبية مشتركة وورش عمل للمسؤولين، وتعميق الصلات بين القطاعين العام والخاص في كلا البلدين، بالإضافة إلى بناء شبكة ثنائية لتبادل الإبداع”.
 
 ويفيد الكاتبان بأن “العلاقات الاقتصادية توسعت بشكل سريع، وتمت زيارات على مستوى عال من وزراء الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية، التي أدت إلى توقيع معاهدة استثمار ثنائية، وقعت في أيار/ مايو 2015، وترك توقيع المعاهدة أثره المباشر، فمنذ العمل بها تضاعف الاستثمار الأجنبي من اليابان إلى إسرائيل بنسبة 20 ضعفا، وفتحت الشركات الريادية اليابانية في مجال التكنولوجيا، مثل (دينستو) و(ميتسوي) و(راكوتي) و(سفت بانك) و(سوني)، مراكز أبحاث لها في إسرائيل”.
 
 وتنوه المجلة إلى أن “نسبة التعاون الثنائي بين البلدين زادت في الفترة ما بين 2010 إلى 2015، حيث تضاعف التصدير الإسرائيلي لليابان إلى 1.2 مليار دولار، وفي عام 2016 بلغت الصادرات اليابانية لإسرائيل ملياري دولار، وهو ضعف الصادرات في عام 2000، وهناك تطورات متوقعة في المستقبل، ففي أيار/ مايو، قاد اجتماع الوفد الوزاري الثالث للحوار الاقتصادي الياباني الإسرائيلي إلى مذكرة تعاون مشترك من أجل العمل المشترك بين منظمة الطاقة الجديدة وصناعة التكنولوجيا والتطوير وسلطة الإبداع الإسرائيلية معا في مجال الأمن الإلكتروني، والاستثمار المشترك، والبحث في الذكاء الصناعي والروبوت”.
 
 ويعلق الكاتبان قائلين إن “العلاقات التي تطورت خلال السنوات الماضية تواجه سلسلة من العقبات، منها عدم الارتياح لدى مجالس الشركات اليابانية للاستثمار في إسرائيل، وتردد اليابان في التدخل في النزاع الطائفي في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى أن هناك خلافا دبلوماسيا مستمرا حول سياسات إسرائيل في الضفة الغربية، التي انتقدتها اليابان دائما، وهو مصدر قلق للنخبة الإسرائيلية، ولو استمرت طوكيو في نقدها فإن جهودها لبناء علاقات مع صناع السياسة الإسرائيلية قد تواجه دفعة للوراء”.
 
 ويخلص الكاتبان إلى القول إن “هناك مخاطر أخرى يجب على اليابان أخذها بعين الاعتبار، فمن خلال تطوير علاقات مع إسرائيل فإنها تعرض نفسها لمخاطر تقليدية وغير تقليدية، التي تجنبتها بشكل كبير، ففي عام 2015 قام تنظيم الدولة باختطاف وإعدام مواطنين يابانيين؛ بسبب تعهد طوكيو تقديم 200 مليون دولار للدول التي تقاتل التنظيم، وكانت هذه أول مواجهة لليابان مع التطرف (الإسلامي)، وكلما تتورط أكثر في الشرق الأوسط فإنها تعاني من مواجهة مع التطرف”.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.