فورين بوليسي: هل أراد بوتين فوز ترامب أم هو خائف أيضا؟
فورين بوليسي: مخاوف حقيقية في موسكو من انتخاب ترامب رئيسا لأمريكا- أرشيفية

فورين بوليسي: هل أراد بوتين فوز ترامب أم هو خائف أيضا؟

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للكاتب مارك غيليوتي، يتحدث فيه عن العلاقات الروسية الأمريكية في ضوء نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية، التي أسفرت عن فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب.
 
 ويقول الكاتب إنه “من المغري عندما نتعامل مع روسيا أن نفترض أنهم أكثر ذكاء منا، فمن أزمة اللاجئين في أوروبا إلى بريكسيت إلى فوز دونالد ترامب المفاجئ هذا الأسبوع نرى يد فلاديمير بوتين تعمل، ولذلك نعده دائما سابقا لنا، لكن الحقيقة هي أنه قد يكون مندهشا من نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية يوم الأربعاء، كأي شخص آخر، وليس بالضرورة بشكل جيد تماما”.
 
 ويضيف غيليوتي أنه “بالرغم من التصيد الذي قامت به روسيا للنظام السياسي الأمريكي كله، بما في ذلك قرصنة البريد الإلكتروني، الأمر الذي تنكره روسيا رسميا، إلا أن بوتين، كما كتب سابقا، لم يكن يحاول أن يجعل الأمريكيين ينتخبون ترامب، لكن لأن مراقبي أمريكا في روسيا كانوا يخشون من أن هيلاري كلينتون قد تكون أكثر شراسة وتحديا من سابقها، فكانوا يريدون إضعافها وتشتيتها قبل أن تصل إلى البيت الأبيض”.
 
 ويتابع الكاتب قائلا: “لم يكن الأمر أنهم كانوا يعتقدون أن ترامب لن يفوز، لكن لم يكونوا متأكدين من أنهم يريدونه أن يفوز فعلا”.
 
 ويستدرك غيليوتي في مقاله، الذي ترجمته “عربي21”، بأنه “مع أن البرلمان الروسي صفق لدى سماع الأخبار، وقام السياسي القومي فلاديمير شيوينورفسكي واحتفل بالشمبانيا، إلا أن بوتين كان أكثر حرصا، وقال ببساطة إنه يامل (العمل معا) مع الرئيس الأمريكي الجديد لعلاج الأزمة في العلاقات، أما نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف فقال إن الروس (لا يشعرون بفرحة عارمة)، بالإضافة إلى أن محللا للسياسة الروسية الخارجية كان حذرا عندما كلمته، وقال: (ماذا نعرف حقا عن معنى رئاسة ترامب؟ وللصدق أقول أنا لست مرتاحا(“.
 
 ويشير المقال إلى أن “ترامب كان يقول خلال حملته أشياء تحبها روسيا، ومن خلال مدحه المتكرر لبوتين، مثل قوله إنه قائد حقيقي، وإنه يمارس سيطرة قوية على بلده، إلى تلميحاته بأنه سيعترف بضم موسكو للقرم في أوكرانيا، إلى وعده بأنه سيقول للناتو (تهانينا، ستقومون بالدفاع عن أنفسكم بأنفسكم)، وهذه أشياء تسعد الروس فعلا، وليس ذلك فحسب، فإن الروس بالتأكيد يستمتعون بأثر انتخاب ترامب على حلفاء أمريكا، ومن ينظرون إلى أمريكا لأجل الدعم، ومثالا على ذلك، فإن احتمالات تجديد العقوبات الأوروبية على روسيا بسبب تدخلها في أوكرانيا ستكون بالتأكيد أقل بكثير إن بدت واشنطن مترددة بهذا الخصوص.”
 
 وتجد المجلة أنه “مع ذلك، فإن هناك مخاوف حقيقية في موسكو، أولا مثل البقية منا التي تعلم أن الروس لا يصدقوا خطب الحملات الانتخابية، وقال وزير الخارجية المخضرم سيرغي لافروف يوم الأربعاء: (هذه هي الحياة، وهذه هي السياسة، سمعت كلاما كثيرا، لكن سنحكم على الأفعال)، كما أن هناك إدراكا واضحا بأنه لا يستطيع أي رئيس أن يقوم بما يريد تماما، وأن الكونغرس ووزارة الدفاع والخارجية والعناصر الأخرى، التي تكون المؤسسة السياسية الأمريكية، تقيده إلى حد ما”.
 
 ويلفت غيليوتي إلى أن “هناك قلقا أيضا من خطابات ترامب، بشأن (أمريكا أولا)، وطريقته المتهورة، واستمتاعه الواضح بتشجيع الجمهور، الذي يمكن أن يجعله قابلا لتبني توجهات لا تناسب موسكو بشكل جيد، بالتأكيد هو معجب ببوتين الآن، لكن أحد السيناريوهات التي تقلق البعض هو أن تجد أوكرانيا طريقة للوصول بشكل شخصي للرئيس، (حيث أشار المحلل الروسي بشيء من السخرية إلى أن السفير القادم لأمريكا يجب أن تكون ملكة جمال)، ويمكن لسياساته الشرق أوروبية أن تنقلب بين ليلة وضحاها”. 
 
 ويبين المقال أن “هذه النقطة الأخيرة هي ما يقلق الكرملين بالنسبة لرئاسة ترامب: إنه شخص لا يمكن التنبؤ بما سيفعل، فليست لدونالد ترامب قصة قديمة مع السياسة الخارجية يمكن دراستها لمعرفة توجهاته واهتماماته، بالإضافة إلى أنه ليس له التزام برأي ثابت أو بمبدأ ما، بل ما يحركه الغرور المجرد والمصالح الوطنية المجردة”. 
 
 وتفيد المجلة بأن “هناك طبائع لترامب تشبه طبائع بوتين، زعيم الكرملين المتشدد، الذي يذكر أنه كان جادا حتى عندما كان طفلا، والذي يركز على تدريب الـ(كي جي بي) واهتمامه بفنون القتال لأنها تعلم الانضباط والتحكم، فتعلم أن يتقمص شخصية القوي غير القابل للتوقع والمغامر، وأصبح يعتمد على الغرب ليقوم بدور البالغ المسؤول، والطرف الذي يتجنب المواجهة ويتفادى الحريق، لكن ترامب يبدو أنه بوتين أكثر من بوتين نفسه”.
 
 ويقول الكاتب: “لذلك، فإن الكرملين سيخسر ابتداء أحد أفضل تكتيكاته، وهو وكز الغرب بعصاه بين الفينة والأخرى، فبناء على أوامر من بوتين نفسه قام الروس بعملية تمثيل هجوم نووي على السويد، وطاروا على مستوى منخفض فوق السفن الحربية الأمريكية، وقاموا بغارة اختطاف عبر الحدود الإستونية، وبشكل عام لم يضيعوا فرصة لتقزيم الغرب، ليرى كيف يكون رد الفعل، فبإثبات أنهم قادرون على كسر القواعد دون أي عواقب من واشنطن يأملون بأن يقلق الأوروبيون وينقسمون”.
 
 ويستدرك غيليوتي بأنه “الآن لا يمكن لروسيا أن تعتمد على أن أمريكا ستلتزم بضبط النفس والالتزام بإتيكيت التصرفات الدبلوماسية الملائمة، لكن قد تجد روسيا أن محاولاتها ستلقى ردا، فيجب ألا ننسى أن الرئيس المنتخب قال إنه عندما تقترب الطائرات الروسية من السفن أو الطائرات الأمريكية فيجب إسقاطها إن كان ذلك ضروريا، حيث قال: (عندما يقترب ذاك الأبله منك فعليك أن تطلق النار)”.
 
 ويتساءل الكاتب قائلا: “هل تستطيع روسيا أن تعتمد على ضبط الرئيس الجديد لاندفاعاته؟ فلا يمكن أن يكون مطمئنا لبوتين، فإن كثيرا من الاستراتيجيات المتعلقة بسياسته الخارجية يجب أن تعتمد على إمكانية حفاظه على الرومانسية عن بعد مع ترامب بعد أن يقابله شخصيا، فإن لم يستطيعا التوافق فإن سياسة التقزيم الجيوسياسي التي طورها قد تستخدم ضده، فإن قررت السفن البحرية الأمريكية الوقوف قبالة سواحل القرم، وإن بدأت الطائرات المقاتلة الأمريكية تصوب صواريخها تجاه قاذفات القنابل السورية فوق حلب، فهل بإمكان روسيا اعتبار ذلك مجرد خداع يمكن تحديه؟”.
 
 ويقول غيليوتي: “على أي حال، فإن خطاب ترامب وحده قد يكون له أثر إحداث تآكل في أطراف إمبراطورية موسكو المتزعزعة، وكلام ترامب الواضح لحلفاء أمريكا في الناتو بأنه لا يمكنهم الاعتماد على أمريكا للدفاع عنهم قد يجعل الأوروبيين يفكرون في رفع نفقاتهم العسكرية، وقد يجعل من الاتحاد الأوروبي جسما يركز على الأمن بشكل أكثر، وأقتراحه بأن تصبح كل من اليابان وكوريا دولتين تمتلكان الأسلحة النووية أمر مقلق لروسيا، (علما بأنه رجع عن ذلك فيما بعد)”.
 
 ويتساءل الكاتب: “بشكل عام، ماذا سيحصل إن اعتبر ترامب أن بوتين منافسا له؟ وأن روسيا تشكل خطرا؟ وكان ترامب قد انتقد باراك أوباما وهيلاري كلينتون؛ لدعمهما تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط، وهاجمهما لأنهما لم يدفعا لتقويض الحكومة الإيرانية تماما عندما كانت المقاطعة قد خنقتها، وكذلك كان رأيه بالنسبة لديكتاتور ليبيا المخلوع معمر القذافي، وأنه كان على أمريكا اغتياله في عملية دقيقة”.
 
 وتؤكد المجلة أن “ترامب ليس من الحمائم، وما يقلقه في حروب العراق وأفغانستان هو التكتيك الأمريكي المستخدم، الذي يعده رقيقا، حيث قال: (نحن نخوض حربا تتبع اللياقة السياسية بشكل كبير)، واشتكى من عدم الحصول على مكاسب، فقال: (في العراق وليبيا كنت سأنشر القوات الأمريكية لأخذ النفط)”.
 
 ويرى غيليوتي أن “الأمر ليس أن واشنطن لا تملك أي خيارات لو أرادت أن تتحرك ضد بوتين، فقد قال لي ضابط سابق في وكالة الاستخبارات المركزية: (نستطيع خلط الأوراق في روسيا، دون شك، لكن عدم معرفتنا ماذا سيحصل بعد ذلك يجعلنا نتوقف عن فعل ذلك)، وليس واضحا إن كان ترامب سيفكر إلى ذلك البعد، ويستطيع بصفته قائدا أعلى أن يأذن بأي شيء من عمليات تمويل سرية، إلى حركات معارضة، أو تجميد المزيد من أصول المسؤولين الروس، وحتى الهجمات الإلكترونية القابلة للإنكار، ودعم مؤامرات النخبة”.
 
 ويذهب الكاتب إلى أنه “إن كان هدف ترامب هو (أمريكا أولا) وعقيدته هي (فن الصفقات)، أفليس من المنطق أن تتعامل أمريكا مع الصين الغنية والصاعدة بدلا من روسيا الفقيرة والمعزولة؟ وتعلق بكين آمالا كبيرة على ترامب، حيث يميل للتجارة، كما أنهم يخشون من تهديداته بفرض تعرفة أعلى، ويعتقدون بأنه سيغض الطرف عن مغامراتهم في جنوب بحر الصين؛ بسبب تبادل تجاري سنوي قيمته 659 مليار دولار، وهذا قد يكون أكبر كوابيس الكرملين، الذي أدرك مؤخرا أن بيجنغ ليس صديقا ولا عميلا: ورئاسة ترامب ستترك روسيا خارج نادي الكبار”.
 
 ويخلص غيليوتي إلى أن “روسيا تجد نفسها في مواجهة رئيس لا يلتزم بالقواعد، ويستمتع بكونه غير قابل للتكهن بتصرفاته، وهو مستعد للمغامرة أكثر من توخي الحذر، وحريص على الحفاظ على صورته كونه رجل فعل ورجل سلطة، ويبدو أن بوتين على وشك قضاء أربع سنوات يتذوق فيها كيف شعر الغرب خلال التعامل معه”.