مالك بن نبي وقابلية الاستعمار وعدم النضج العربي والاسلامي

قاسم قصير يكتب لـ عربي21: مالك بن نبي وقابلية الاستعمار وعدم النضج العربي والاسلامي

خلال اللقاءات التي جمعت وفدا سويسريا مع جمعيات وهيئات وشخصيات اسلامية سنية وشيعية في بيروت الاسبوع الماضي، لبحث اشكال التعاون فيما بينهم في بعض الملفات السياسية والانسانية والحقوقية، لوحظ ان عددا من المشاركين في هذه اللقاءات كانوا يطلبون من الوفد السويسري الاستمرار برعاية هذه الاجتماعات ومتابعة التنسيق والتعاون بين الهيئات الاسلامية، وقد اشاد المشاركون بالدور السويسري الحيادي واعتبروا ان وجود شخصيات او مؤسسات سويسرية في مثل هذه اللقاءات ومتابعة الامور العملية والتنفيذية لأي نشاط اسلامي مشترك يساعد في نجاح هذه التجربة وتحقيق الاهداف المطلوبة منها وخصوصا على صعيد تخفيف التوترات المذهبية والطائفية.
 
 ذكّرتني هذه الاجواء بما كنا نقرأه ونتعلمه ،ونحن في بداية تجربتنا الاسلامية، في كتب المفكر الاسلامي الجزائري مالك بن نبي عن نظرية “ القابلية للاستعمار”، وملخصها ان الاستعمار لا يستطيع ان يحقق اهدافه في اي بلد عربي او اسلامي او من دول العالم الثالث ما لم يكن هذا البلد او شعوب هذه الدول مهيأة للاستعمار او مستعدة للتعاون مع المستعمرين، وانه طالما ان شعب اي بلد لديه الارادة في المقاومة وتتوفر في بيئته ومجتمعه الظروف والشروط المناسبة للمقاومة، فان هذا البلد لا يمكن ان يخضع للمستعمر وانه يستطيع النجاح في معركة الحرية والاستقلال والسيادة.
 
 وإن من شروط المقاومة او مواجهة المستعمر، ان تتوفر الوحدة الداخلية والتعاون بين افراد المجتمع والبلد، اضافة للوعي والارادة الصلبة والقرار بالمقاومة والمواجهة.
 
 وطبعا وبدون المقارنة بين الدور السويسري ،المشكور اليوم ، في رعاية الحوارات بين الهيئات والشخصيات الاسلامية والعمل لتخفيف التوترات المذهبية والطائفية والعرقية والدينية ، وبين الادوار الاستعمارية لعدد من الدول الكبرى الشرقية والغربية ، فان استمرار وجود الشعور لدى الشعوب العربية والاسلامية بالحاجة لدور خارجي غربي او شرقي من اجل حل مشاكلها او العمل لتأمين الاجواء المناسبة لعقد مؤتمرات الحوار او الوصول الى تسويات داخلية او مواجهة التحديات المختلفة من استبداد او ظلم او قهر ، كل ذلك يؤكد ان هذه الشعوب لا تزال تعاني من مشكلة “ قابلية الاستعمار” او عدم النضج والرشد في ادارة بلادها او مواجهة مشاكلها.
 
 والدليل الواضح على هذه المشكلة ، ان معظم ان لم يكن جميع القوى العربية او الاسلامية او الليبرالية او القومية التي تسعى لمعالجة مشاكل بلادها تسعى للاستعانة بالخارج ان على المستوى العسكري او السياسي او الدبلوماسي او الامني لحل هذه المشاكل، اضافة لغياب دور المؤسسات والاتحادات والهيئات الاسلامية والعربية عن القيام بمبادرات حقيقية وعملية لحل المشكلات والازمات التي تعاني منها بعض الدول العربية والاسلامية.
 
 كما انه من الملفت حجم الادوار والنشاطات التي تقوم بها المنظمات والمؤسسات الدولية او مؤسسات المجتمع المدني الغربية في الدول العربية والاسلامية، وما تحظى به هذه المؤسسات من تسهيلات ومساعدات من شعوب المنطقة والهيئات والحركات الاسلامية والقومية واليسارية والليبرالية.
 
 ولا يعني هذا الكلام الرفض المطلق للتعاون مع الهيئات والمؤسسات الدولية والاستفادة من خبراتها وامكانياتها ودعمها في معالجة مشاكلنا في العالم العربي والاسلامي ، لكن السؤال الذي ينبغي التفكير به دوما : متى نستطيع ان نستغني عن المساعدات والخبرات الدولية لحل مشاكلنا؟ ومتى نستطيع اقامة مؤسسات او هيئات تكون قادرة على القيام بمبادرات حوارية او معالجة الازمات التي نعاني منها؟ ولماذا فشلت المؤسسات والمبادرات التي قامت بها بعض الهيئات والاتحادات الاسلامية والعربية؟.
 
 من الواضح لمن يراقب الواقع العربي والاسلامي أن القابلية للاستعمار لدينا اصبحت اكبر واقوى مما كانت عليه في اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين، والدليل البسيط على ذلك ان الدول الكبرى اصبحت تأتي لتحتل بلادنا وتقيم القواعد العسكرية فيها دون ان تلقى اي اعتراض كما كان يحصل في الماضي، بل اننا اصبحنا نستجدي هذه الدول كي تأتي وتقاتل معنا ضد بعضنا البعض ومن ثم ندعوها كي تساعدنا في حل مشاكلنا واقامة الحوارات فيما بيننا.
 
 فرحم الله المفكر الاسلامي الجزائري مالك بن نبي وغيره من العلماء والمفكرين والمناضلين الذين عملوا لمواجهة الاستعمار ، وعلى امل ان نصل الى يوم نتمتع فيه بالنضج والوعي وننتهي من مشكلة قابلية الاستعمار او ما كان يسميه ايضا المفكر الاسلامي الايراني الدكتور علي شريعتي: النباهة والاستحمار.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.