التصفية بلا قانون بين "إيتا" والإخوان

قطب العربي يكتب لـ عربي21: التصفية بلا قانون بين “إيتا” والإخوان

لم يعد مفاجئا عقب أي عملية قتل لضباط أو أفراد من الشرطة أن نسمع أو نقرأ عن عملية أمنية (مظفرة) للشرطة أيضا تبادلت فيها إطلاق النار مع مسلحين فأردتهم قتلى ثم نشرت صورهم في الصحف ووسائل الإعلام وبجوارها السلاح الذي كانوا يقاومون به، ثم نكتشف في كل مرة أن هؤلاء القتلى كانوا بالأساس مختفون قسريا منذ تواريخ سابقة ومحتجزين لدى الأجهزة الأمنية ذاتها، وأنها فقط انتقمت لقتلاها بطريقة سهلة، وبما تظن أنه “يبرد نارها”، ويشفي غليلها، ويحسن صورتها أمام من يطالبونها بالثأر والانتقام.
 
 كان الكثيرون ينتظرون انتقاما أمنيا لحادث كمين البدرشين الذي قتل فيه خمسة من رجال الشرطة، ولم يطل الانتظار فبعد يوم واحد من الحادث قامت الشرطة بتصفية 4 مواطنين في الإسماعيلية كانوا مختفين قسريا، ومحتجزين لديها، ولكن هذه التصفية لن تكون خاتمة التصفيات بل ربما سنسمع عن تصفيات أخرى خلال يوم أو يومين رغم كل التحذيرات، ومن ذلك التحذير الذي أطلقته الجبهة الوطنية المصرية عقب حادث البدرشين مباشرة، وهو ما يتطلب تحركا أكثر فاعلية لغل يد الشرطة عن تصفية المزيد من المختفين الأبرياء، وهذه مسئولية مشتركة للكيانات السياسية والمنظمات الحقوقية المصرية.
 
 30 شابا تمت تصفيتهم بدم بارد خلال الأسبوعين الماضيين، انتقاما لمقتل بعض رجال الشرطة على يد مسلحين مجهولين، لم تتمكن أجهزة الأمن من القبض على الجناة، ولم تنتظر حتى تجمع معلومات دقيقة عنهم، بل إنها عمدت لسحب بعض نزلاء مقارها الأمنية (العزل) إلى بعض الأماكن المجهولة، وأطلقت عليهم الرصاص، وأعلنت عن مقتلهم في اشتباك معها.
 
 فكرة (رأس برأس) نقلتها سلطة السيسي من إسبانيا التي أسست أجهزتها الأمنية فرقة اغتيالات (الغال) لمواجهة مناضلي حركة “إيتا” الانفصالية التي تصاعدت عملياتها في الثمانينيات والتسعينيات، وكانت السياسة الأمنية الإسبانية تقوم في تلك الفترة على تصفية أحد كوادر أو قيادات منظمة “إيتا” مقابل مقتل أي رجل شرطة. لم تكن فرقة الاغتيالات معروفة أو مقننة رسميا، بل كانت أحد الأذرع الأمنية السرية، والتي جرت محاكمات لبعض الساسة الإسبان لاحقا لتسترهم عليها، ويبدو أن نقل التجربة جاء بتوصية مكتوبة من أحد الكتاب المصريين (عاصم حنفي المصري اليوم 17 فبراير 2015 ) الذي دعا لاستنساخ هذه التجربة في مصر ضد جماعة الإخوان، في مقال بعنوان (ابدأ بالإخوان)، وأذكر أنني تقدمت في اليوم التالي مباشرة لنشر المقال بشكوى ضده لنقابة الصحفيين المصريين، واتهمته بانتهاك القانون الذي يجرم التحريض على القتل، وكذا انتهاك ميثاق الشرف الصحفي، ولكن النقابة لم تحرك ساكنا ضده، كون نقيبها ومجلسها في ذلك الوقت كانا متماهيين مع الانقلاب العسكري بشكل كامل.
 
 قتل المعارضين المحتجزين لدى الأجهزة الأمنية بدأ مبكرا منذ انقلاب يوليو 1952، فقد قتلت الشرطة عددا من سجناء الإخوان داخل محبسهم دون سبب في الستينيات، وقتلت في التسعينيات عددا كبيرا من شباب الجماعة الإسلامية سواء داخل السجون، أو خارجها، وقد أجريت بنفسي تحقيقات صحفية حول بعض تلك العمليات خصوصا في المنيا وأسيوط (جنوب مصر مطلع التسعينيات)، ومع ذلك بقى العدد الأكبر من قتلى الجماعة الإسلامية مجهولا لم تعرفه وسائل الإعلام في حينه، وتم الكشف عن بعضه عقب خروج جميع السجناء بعد ثورة 25 يناير2011.
 
 ومع ذلك تبقى فكرة المعاملة بالمثل وبشكل مباشر وعلني أمرا جديدا على المنظومة الأمنية المصرية ظهرت بقوة خلال العامين 2016 و2017، مع تكرار العمليات المسلحة ضد مسئولين كبار بالدولة (النائب العام — وقيادات أمنية وعسكرية كبرى) وعجز الأجهزة الأمنية عن وقف تلك العمليات أو القبض على الجناة، وفي الوقت نفسه تصاعد غضب أسر الضحايا مع تصاعد الحملات الإعلامية المطالبة بالثأر والقصاص، فوجدت تلك الأجهزة الطريق السهل للثأر هو تصفية بعض القيادات العليا أو الوسيطة التي بحوزتها أو تستطيع الوصول إليها، كما حدث مع قادة الإخوان المجتمعين في إحدى الشقق السكنية في مدينة 6 أكتوبر، أو غيرهم من الشباب المحتجزين في مقار أمنية، والذين أبلغ ذووهم عن اختفائهم قسريا في تواريخ سابقة على تصفيتهم، وسجلت ذلك منظمات حقوقية مصرية مختصة، ووفقا لهذه المنظمات فقد تعرض 1500 مواطن للاختفاء لفترات متفاوتة في العام 2017 ظهر كثيرون منهم في النيابات لاحقا، ولكن ظل حوالي 50 شخصا حتى الآن مختفون.
 
 ما تفعله الشرطة بتصفية بعض المختفين انتقاما لبعض قتلاها يعبر عن سلوك همجي يليق بشرطة عاجزة عن حماية نفسها، عاجزة عن القبض على قتلة رجالها، تنتقم من أسرى عزل لديها، وهو ما يزيد الكراهية ضدها، خصوصا بين ذوي وأصدقاء وجيران وزملاء هؤلاء الضحايا الأبرياء، كما أنه يسهم في توسيع دائرة الانتقام والانتقام المضاد، ما يعني أن الشرطة هي التي تنقل مصر عمليا إلى حرب أهلية لن يكسبها أحد، وحتما سيكون الوطن هو الخاسر.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.