كيف استغل السيسي وإعلامه "فتاة العربة" الفقيرة؟
حرص السيسي أثناء لقائه بـ”فتاة العربة” على إظهار حفاوته البالغة بها ومنحها عددا من العطايا — فيسبوك

كيف استغل السيسي وإعلامه “فتاة العربة” الفقيرة؟

أثار اللقاء الذي عقده قائد الانقلاب في مصر، عبدالفتاح السيسي، الأحد، في مقر رئاسة الجمهورية، مع فتاة تدعى “منى السيد”، وهي المعروفة إعلاميا باسم “فتاة العربة”، كثيرا من الجدل في البلاد.
 
 واستغلت وسائل الإعلام المؤيدة للانقلاب هذه المقابلة في الهجوم على الشباب المصريين، واتهمتهم بالجلوس على المقاهي دون عمل، وبانتقاد النظام طوال الوقت، بدلا من السعي وراء أرزاقهم كهذه الفتاة، كما وظفتها للترويج بأن السيسي حاكم عطوف؛ يتمتع بقلب مشفق على فقراء شعبه، ويضرب القدوة والمثل في النبل والإنسانية، على حد زعمها.
 
 وخلال اللقاء؛ حرص السيسي على إظهار حفاوته البالغة بالفتاة، ومنحها عددا من العطايا، من بينها شقة سكنية، وسيارة، ومبلغ من المال.
 
 وقال السفير علاء يوسف المتحدث باسم الرئاسة المصرية، إنه وجّه الدعوة لـ”منى” للمشاركة في المؤتمر الوطني المقبل للشباب، حتى تعرض على المشاركين تجربتها “التي تتميز بالجدية والالتزام والمثابرة”.
 
 لا تعفي السيسي من المسؤولية
 
 من جانبه؛ قال المدير السابق لمعهد إعداد القادة، القيادي اليساري يحيى حسين عبدالهادي، إن “اللفتات الإنسانية من أي رئيس مطلوبة، ولا غبار عليها، ولكنها تظل في إطار العلاقات العامة، ولا تعفي الرئيس وحكومته من اتخاذ الإجراءات التنفيذية لرفع الظلم الاجتماعي عن طبقة الفتاة بأكملها”.
 
 وأضاف عبد الهادي لـ”عربي21": “لا بد من سن تشريعات قانونية تحفظ حقوق الفقراء عموما، وهذا يتلخص في مبدأ العدالة الاجتماعية الغائب عن هذا الوطن، والذي يعتمد على الرؤية السياسية فى إدارة موارد البلاد المتاحة، بغض النظر عن كثرة أو قلة هذه الموارد”.
 
 وأوضح أن “نظام السيسي يحاول الظهور أمام الرأي العام بمظهر المحارب للفساد، والمدافع عن حقوق الفقراء، بينما في الحقيقة يتحالف مع رجال الأعمال من نظام المخلوع حسني مبارك الفاسد، مما يكشف للمصريين أن حرب السيسي على الفساد ما هي إلا حرب كلامية فقط دون أي مضمون”.
 
 وتابع: “أكبر دليل على ذلك؛ هو تكميم وسائل الإعلام المدافعة عن الفقراء، مثلما حدث مع الإعلامي عمرو الليثي الذي عرض فيديو سائق التوك توك، وكذلك إقالة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات المستشار هشام جنينة؛ لأنه تجرأ وكشف حجم الفساد في البلاد”.
 
 وظائف مرموقة لا تجد من يشغلها
 
 وبدأت حكاية “فتاة العربة” بعدما عرض الإعلامي المقرب من النظام، عمرو أديب، صورتها وهي تجر عربة بضائع يدوية، وقدمها باعتبارها نموذجا يجب أن يحتذي به الشباب المصري، بدلا من انتقاد “الرئيس” والحكومة على مواقع التواصل الاجتماعي، وانتظار التعيين في وظائف مريحة، على حد قوله.
 
 وبين الحين والآخر؛ يخرج أحد المسؤولين على المصريين ليقرعهم بتصريحات لاذعة يتهمهم فيها بالكسل، ويؤكد أن الوظائف متاحة إلا أنه لا أحد يتقدم لها، وكان آخرهم ياسر الشربيني، مساعد وزير القوى العاملة، الذي أكد في تصريحات صفحية نشرت في أيلول/سبتمبر الماضي، أن 212 ألف وظيفة برواتب مجزية تصل إلى ثمانية آلاف جنيه شهريا؛ لم تجد من يشغلها، على الرغم من الإعلان عنها منذ أسابيع.
 
 انتقادات
 
 وبعدما نشرت صفحة الرئاسة على “فيسبوك” صور لقاء السيسي مع فتاة العربة؛ انتقد كثير من النشطاء هذه المقابلة، قائلين إن السيسي يحرص كل فترة على تقديم نماذج مصطنعة لشباب يعملون في مهن بسيطة، حتى يتم استغلالها إعلاميا؛ للتأكيد على أن المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، وخاصة البطالة، سببها إحجام الشباب عن العمل، وكسلهم وتفضيلهم الجلوس في البيوت.
 
 وقال وفيق سليمان ساخرا عبر “فيسبوك”: “يا ريت كلنا نتصور ونبعت صورنا لعمو عمرو أديب، يمكن ياخدوا بالهم من 90 مليون مصري مطحونين.. لا أقلل من شأن منى؛ فلها كل الاحترام، لكن هناك الملايين مثلها، بل وأشد بؤسا”.
 
 وعلق أحمد شرف بقوله: “مش بيفَكَّرْكوا لقاء السيسي اليوم بمشهد جميل راتب وعادل إمام في فيلم طيور الظلام، وهو بيقول للوزير بوس الطفل المشرد من بقو؟ الإحسان الفردي يضر أكثر مما ينفع، ودور الرئيس هو وضع المنظومة التي تغير وضع البؤساء، وليس التقاط صورة مؤقتة”.
 
 أما أحمد عبد الله فقال: “تدخّل الدولة مختلف عن تدخل الجمعيات الخيرية، فالدولة تتدخل لإنفاذ سياسات تحد من الفقر، وليس وضع سياسات إفقار متعمدة، وبعدها تقوم بعمل خيري”.
 
 لعبة قديمة
 
 ويقول مراقبون إن هذا مشهد لقاء “فتاة العربة” ليس جديدا، حيث قدم نظام السيسي نموذجا مشابها لشاب متعلم يعمل في بيع حلوى الفريسكا بشوارع القاهرة، ولم يخجل من هذه الوظيفة البسيطة.
 
 وبعدما احتفت وسائل الإعلام لأيام طويلة ببائع الفريسكا، باعتباره نموذجا مشرفا يفضح تقاعس الشباب عن السعي وراء رزقهم، والاكتفاء بإلقاء اللوم على النظام، نشر نشطاء صورا ولقاءات تلفزيوينة قديمة لهذا الشاب؛ تثبت أنه ليس إلا شخصا ثريا قام بخداع الجميع وفق لعبة “أمنية إعلامية”.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.