كيف فاز ترامب؟!.. مشاهدات من أرض الواقع

كيف فاز ترامب؟!.. مشاهدات من أرض الواقع

مشهد 1
 تقترب الساعة من الثامنة والنصف مساءً بتوقيت الساحل الشرقي مما يعني أنه لم يتبقى إلا نصف ساعة فقط على إغلاق لجان الإقتراع في مدينة نيويورك، ورغم ذلك نلاحظ “أنا وفريق التصوير المتوجه صوب إحدى اللجان” أن أنصار ترامب/متطوعين في حملته مازالوا في محيط اللجنة، يبدو الأمر غريبًا بإعتبار الوقت المتأخر والجو المائل للبرودة ومخالفة ذلك لأعراف الإنتخابات هنا.
 
 كنا قد وضعنا الكاميرات لتونا في السيارة وقصدنا اللجنة لإستطلاع الأوضاع وهل سيتم السماح لنا بالتصوير أم لا، لذا ظن أنصار ترامب أننا ناخبين وبالتالي ابتسموا في وجوهنا مع إشارات للقمصان التي يرتدوها وتحمل إسم ترامب، هاتفين في حماس “ترامب هو الرئيس” في سلوك مناف لعقلية الإنتخابات الأمريكية التي لا تحاول التواجد في محيط لجان الإنتخابات ولا توجيه الناخبين!! وهو ما جعلني متأكدًا أن ترامب يملك أنصارًا متحمسين للغاية ولا يستسلموا حتى اللحظة الأخيرة.. وبالطبع لم نجد أثرًا لأي من أنصار كلينتون الذين كانوا يظنوا أن المعركة منتهية لصالحهم قبل أن تبدأ!!
 
 مشهد 2
 أول يوم عقب إعلان فوز ترامب.
 
 تعج مدينة نيويورك بالغضب، القهر يبدو على وجوه الشباب الأمريكي صغير السن، دعوات العصيان ورفض فوز ترامب بدأت بعد لحظات من إعلان النتيجة، بشعار مختصر وواضح هو “ليس رئيسي”، للمرة الأولى يحدث هذا في تاريخ أمريكا، قطاعات واسعة تجاهر برفضها الإلتزام بما أسفرت عنه نتيجة الإنتخابات الرئاسية، لم يكن يتوقع أن يحدث في أمريكا مثل هذا أبداً.. لا تمر ساعات إلا وتنتشر في وسائل التواصل الإجتماعي دعوات للتظاهر في العديد من المدن التي تقطنها جاليات مهاجرة.
 
 أتواجد في الصباح الباكر متوجها إلى مانهاتن، حاملًا معي عقلي الذي لم يستوعب بعد كيف فاز ترامب بالرغم من كافة إستطلاعات الرأي التي كانت ترجح كافة هيلاري، أمضي في طريقي بينما أشاهد مواقف غريبة تحدث أمامي، عشرات الأمريكان يستوقفون أي مار يبدو أنه مهاجر ليعتذروا له بكلمات مخنوقة ودموع مكبوتة، الكلمات كلها تدور حول “ليست هذه أمريكا” “لا تغضبوا منا، نحن نحب المهاجرين” “نحن معكم وأنتم لستم بمفردكم في مواجهة هذا الفاشي”، لحظات مؤثرة لكنها تظل على هامش الأمر الواقع، ترامب فاز بالفعل وإنتهى الأمر “أو هكذا كنت أظن حتى مرت عدة ساعات”.
 
 وصلت في الرابعة عصرًا إلى كولمبوس سيركل في قلب مانهاتن وهو المكان المحدد لبدء أول تظاهرة ضد ترامب بالقرب من أشهر عقاراته في مدينة نيويورك، الأعداد ليست كبيرة رغم أنه يتبقى على بدء التظاهرة نصف ساعة فقط، الدقائق تمر سريعًا وتتزايد الأعداد بشكل غريب من عشرات إلى مئات لتتخطى حاجز الآلاف، الوجوه غاضبة والأنفاس محتبسة واللافتات تهاجم ترامب وتصريحاته بكل اللغات، أقضي ساعة ونصف في تلك التظاهرة لأستمتع بنغمة الهتاف الأشهر “ليس رئيسي” ثم الهتاف الأقبح “تبًا لترامب” وفقاً للترجمة العربية السائدة عن ذلك الهتاف، أنوي التوجه للتظاهرة الأخرى التي تم الإعلان عنها في يونيون سكوير غير أن الأخبار التي تأت من هناك تغير من خططي تمامًا، تظاهرة يونيون سكوير باتت ضخمة للغاية وتعدى عدد أفرادها عشرين ألفًا على أقل تقدير، تتعالى أصوات المتظاهرين فرحين عندما تصلهم تلك الأخبار، لحظات ويصل خبر جديد، لقد إنطلقت تظاهرة أخرى كبري تضم الآلاف في التايمز سكوير، وكافة تلك التظاهرات تتحرك بإتجاة برج ترامب للإحتجاج علي فوزه بإنتخابات الرئاسة، أسمع صوت عشرات من سيارات الشرطة تقترب بسرعة من بعيد محاولة السيطرة على طوفان البشر الذي إنفجر في شوارع نيويورك هاتفًا في صوت واحد “ليس رئيسي”!!.
 
 يقفز السؤال إلى ذهني مرة أخرى “كيف فاز ترامب إذن؟!”
 
 1- كلمة السر دائما تكون “كبار السن/حزب الكنبة”.
 
 نجح ترامب في جذب قطاع كبير من الشعب الأمريكي لم يكن مهتمًا بالإنتخابات، أغلب هذا القطاع في مرحلة سنية فوق الخمسين وهؤلاء صوتوا لترامب بنسب كبيرة عكس الشباب الأمريكي الذي صوت في الأغلب لهيلاري، كبار السن هؤلاء أعجبتهم الأفكار القومية/العنصرية التي تحمل نظرة إستعلائية والتي ينادي بها ترامب ويطعم بها خطاباته لبث الحماس في نفوس مؤيديه، وقد رأيت بأم عيني أحد هؤلاء كبار السن “يبدو فوق السبعين عامًا” وهو يحاول إعتراض تظاهرة معارضة لترامب في اليوم التالي لفوزه، كان الرجل العجوز يصرخ “ إنكم أغبياء، ترامب هو الأعظم، ترامب هو أعظم رئيس لأمريكا!!”
 
 2- تضليل وسائل الإعلام وإستطلاعات الرأي لمؤيدي كلينتون.
 
 سألت صديقة أمريكية: “لماذا فاز ترامب؟”، ردت بإجابة واحدة: “لقد خُدعنا، كل وسائل الإعلام أعطتنا جرعة تخدير على مدار الشهور الماضية حينما تحدثت ليلًا ونهارًا عن فوز هيلاري السهل والمُنتظر على ترامب، مما جعل العديد من الأمريكان لا يتكلفوا عناء الذهاب للتصويت بإعتبار الأمر محسوم سلفًا”.
 بغض النظر عن كون عملية التضليل التي تمت كانت متعمدة أم لا، لكن الحقيقة أن كافة إستطلاعات الرأي قبل التصويت كانت تشير لتفوق هيلاري وهو الأمر الذي جعل بعض الصحف الأمريكية تصف ما حدث بأنه كان أشبه بتواجد “مصوتين متخفيين لترامب” في إشارة ساخرة بأن بعض الناخبين قد صوت لترامب رغم أنه في إستطلاعات الرأي كان يقول بأنه يؤيد هيلاري!!
 
 3- عنصرية ترامب وخطابه الفج.
 
 قدم ترامب خطابًا جديدًا للناخبين الأمريكان، خطابه الذي يُشابه خطابات هتلر وموسيليني وشعارات النازيين الجدد في ألمانيا كان خطابًا مستساغًا ومُحببًا لقطاع من الأمريكان يعتبر نفسه كذبًا “صاحب الأرض” وما سواه هو ضيف عليها، هذا القطاع يمثل له ترامب نموذجًا للأمريكي المكتمل أو للصورة الحديثة لفتى الكاوبوي، أبيض البشرة، وقح، ثري، يصاحب الجميلات وفوق ذلك كله هو يشعر بغرور يصل للإستعلاء على الآخرين ولهذا فهو سوف “يجعل أمريكا عظمية مُجددا”، إنها حقا الخلطة المحببة لولايات الوسط الغربي في أمريكا التي تعج بأصحاب المزارع الواسعة والمدن الصغيرة التي تنتشر بها الأفكار العنصرية تجاه كل ما هو مُغاير لها حتى أطلق عليهم باقي الأمريكان عدة ألقاب ساخرة تصفهم “بالحثالة البيضاء “ أو “ أصحاب الأعناق الحمراء”.
 لذا فقد ربح ترامب تلك الولايات بسهولة ومنها ثلاث ولايات متأرجحة كان يمكن لهيلاري أن تصل للرئاسة لو فازت بها.
 
 4- الأقليات لم تصوت لهيلاري بالشكل الكاف.
 
 رغم خطاب ترامب العنصري تجاه السود والمكسيكان والمسلمين بل وحتى ضد النساء إلا أن أداء تلك الفئات لم يكن على قدر الإهانة التي وُجهت لهم، فقد كشفت الإحصائيات أن هيلاري خسرت نسبة لا يُستهان بها من الأقلية السوداء التي صوتت لأوباما، كما لم يكن خروج العرب والمسلمين للتصويت لهيلاري بالشكل الكاف لدعمها رغم كون تلك النسبة في التصويت هي الأعلى لهم لكنها تظل نسبة بعيدة عن أعداد العرب والمسلمين والتي تقدر بحوالي ثمانية مليون مسلم وحوالي ثلاثة مليون عربي على أقل تقدير، أيضًا حصل ترامب على نسبة أعلى من هيلاري في ولاية فلوريدا وهي التي تكتظ بالمهاجرين اللاتينيين، بل حتى النساء الأمريكيات ذوات البشرة البيضاء فشلت كلينتون في إقناعهن بالتصويت لها، حيث ذهبت أغلب أصواتهن لترامب!!
 
 5- هيلاري ضعيفة بالفعل والناخب الأمريكي لا يثق بها إلا قليلًا.
 
 لم يكن مستغربا على مدار الشهور الماضية وقبل حتى أن يبزغ نجم ترامب أن أسمع نفس الجمل تتكرر، “هيلاري صقر حرب، إنها ليست جيدة لتكون رئيستنا”، “كلينتون إمرأة منافقة، تفهم سياسة نعم لكنها تكذب علينا”، “لن ننتخبها إلا مضطرين”، وهذا بالفعل ما حدث بعد هزيمة هيلاري لبيرني ساندرز في الإنتخابات التمهيدية والتي كان لساندرز فيها تمثيل قوي لتيار جديد ومتحمس يسعى بقوة لنشر أفكار إشتراكية تريد تغيير/تعديل نظام أمريكا الرأسمالي، لكن ساندرز فشل في كسب ود المؤسسات العملاقة التي توجست من أفكاره لذا فقد فازت هيلاري صاحبة الأفكار التقليدية وإختارها الحزب الديمقراطي كمرشحة للرئاسة.
 عند تلك النقطة كان من المفترض أن ينتقل مؤيدي ساندرز تلقائيًا لتأييد هيلاري بإعتبارها مرشحة الحزب، لكن ذلك لم يحدث للأسف، لأن أغلب داعمي ساندرز هم من فئة الشباب الساخط على المنظومة الأمريكية بأكملها والتي تُعتبر هيلاري جزءً منها، لذا لم ينضم لدعمها إلا أعداد قليلة مضطرة من مؤيدي ساندرز، وهو ما إتضح بعد ذلك في كون أعداد الشباب التي صوتت لها بالنهاية -رغم تفوقه على ترامب- أقل من عدد الأصوات الشابة التي صوتت لسلفها أوباما، هذا طبعًا عدا بعض العثرات التي ساهمت في زعزعة ثقة الناخب في نزاهة هيلاري، كعلاقة مؤسستها الخيرية مع بعض الجهات الخارجية المناحة التي لا يرتاح لها المواطن الأمريكي كالدول الخليجية وعلاقتها بالمؤسسة المالية الشهيرة غولدمان ساكس وعلاقة أسرتها مع رجل المال الشهير جيفري إيبستاين.
 
 6- فضيحة الإيميلات ودور مكتب التحقيقات الفيدرالية فيها.
 
 تُعتبر تلك الفضيحة هي الدافع الأكبر للكثير من الأمريكيين لعدم التصويت لهيلاري بحجة أنها أساءت إستخدام سلطات حكومية أُعطيت لها وإستهترت بالعديد من القواعد الأمنية في تعاملها عبر بريدها الخاص غير المؤمن مع أسرار ومعلومات تخص حكومة الولايات المتحدة، كما إعتبر الكثير من الأمريكان أن توقيت إعادة فتح تلك القضية من مكتب التحقيقات الفيدرالية قبل عدة أيام من التصويت النهائي في الإنتخابات يحمل إشارة ضمنية إلى أن هناك جهات داخل المكتب ترى أنها مخطئة في تلك الفضيحة حتى وإن لم يتم إدانتها وهو ما أربك حسابات بعض الناخبين في اللحظات الأخيرة.
 
 7- حلم الثراء السريع من جراء إنتخاب ملياردير.
 
 داعب إمبراطور العقارات والملياردير الشهير ترامب أحلام الأمريكيين الفقراء عبر كلمات رنانة تحمل وعود بتنمية إقتصادية مهولة بمجرد إنتخابه، ترامب الذي أفلس عدة مرات وعانى ماليًا كثيرا في شركاته لم يدع الفرصة للناخبين لكي يراجعوا كلامه أو ينبشوا في سيرته المالية التي تمتليء بالإخفاقات كما تمتلىء بالنجاحات، ترامب الذي أشار مرار إلى أنه قادر على إجتذاب مئات المليارات إلى الداخل الأمريكي ربح جولة الإقتصاد في معركة التصويت لدى الناخب الذي بات يحلم بتلك الأموال التي ستمطرها السماء بعد إنتخابه ترامب.
 
 8- الإرهاب الذي يضرب العالم.
 
 “اللاجئون داخل أمريكا، لا نعرف في ماذا يفكرون ويجب أن نضع حدا لهذا”، “يجب مواجهة داعش والإرهاب الإسلامي بمنتهى الحزم”، “سوف أعيد الأمان لأمريكا”، كان لترامب توجه واضح في إظهار نفسه في صورة الرجل القوي الذي لا يخاف من مواجهة الخطر الذي يواجهه، سينتصر على الإرهاب ويحطم داعش سريعًا، كيف؟! لا أحد يدري ولا أحد يسأل!! المهم أن ترامب يقول هذا بمنتهى الثقة فلا شيء يُهم بعدها!!
 
 9- هجوم هيلاري المستمر على ترامب وقلة حديثها عن برنامجها.
 
 الهجوم خير وسيلة للدفاع.. نعم هذا صحيح، لكن أي شيء يزيد عن حده ينقلب ضده للأسف، وهو ما تورطت فيه هيلاري، حيث دأبت على الهجوم على ترامب بمعدل بات يتزايد في كل خطاب حتى أصبحت خطاباتها وبياناتها الأخيرة قبل عدة أسابيع من التصويت تنصب على مهاجمة ترامب وتصريحاته دون المرور على برنامجها أو الحديث عن أفكارها إلا نادرًا، وهو ما مثل عقبة للناخب الأمريكي الذي أصبح على وشك أن ينسى أي ملامح من برنامج هيلاري الإنتخابي.
 
 10- النظام الإنتخابي المعقد والمتخلف.
 
 دعني أخبرك بمفاجأة.. بعد كل ما قرأته بالأعلى، الحقيقة أن هيلاري هي من فاز بأغلبية أصوات الناخبين، حيث صوت لها 60,274,974 بينما حصد منافسها ترامب 59,937,338 صوت فقط، ورغم ذلك أُعلن فوزه هو، لحصوله على النسبة الأكبر من أصوات المجمع الإنتخابي!!
 
 المجمع الإنتخابي بإختصار هو فكرة عتيقة من القرن الثامن عشر تنفرد بها الولايات المتحدة الأمريكية وهي هيئة انتخابية قوامها 538 مُمثلًا للشعب من 50 ولاية أمريكية ومهمته هي إنتخاب الرئيس ونائبه، مع التزام مندوبي المجمع غالبًا بالتصويت لصالح المرشح الذي اختاره التصويت الشعبي في الولايات التي يتبعون لها، ومع ذلك فقد انتخب المجمع الانتخابي أربعة مرات مرشحين خسروا في التصويت الشعبي هم: راذرفورد هيز عام 1876، وبنجامين هاريسون عام 1888، وجورج بوش الابن عام 2000 عندما فاز بأصوات المجمع الانتخابي رغم أنه خسر التصويت الشعبي لصالح آل جور!! وآخرهم دونالد ترامب الذي انهزم من هيلاري كلينتون مؤخرا، لتصبح هي الضحية الرابعة لهذا النظام المعقد الذي بدأت تتهمه بعض الأصوات الآن بعرقلة حق المواطنين في إنتخاب من يحكمهم بشكل مباشر

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.