مؤتمر "الشيشان" يشعل صراعات الأشاعرة والسلفيين من جديد
يظهر من المساجلات الساخنة والردود الصاخبة أن الأزمة جد مستفحلة بين الطرفين — أرشيفية

مؤتمر “الشيشان” يشعل صراعات الأشاعرة والسلفيين من جديد

انعقد في مدينة غروزني، عاصمة جمهورية الشيشان، في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، المؤتمر العالمي لعلماء المسلمين، تحت عنوان: “من هم أهل السنة والجماعة؟…”، برعاية رئيس الجمهورية رمضان أحمد قديروف، وحضور شيخ الأزهر، وأكثر من مئتي عالم من علماء المسلمين من أنحاء العالم.
 
 وبحسب البيان الختامي للمؤتمر فإن المؤتمرين خلصوا إلى أن “أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علما وأخلاقا وتزكية على مسلك الإمام الجنيد وأمثاله من أئمة الهدى..”. 
 
 ووفقا لباحثين فإن حصر أهل السنة والجماعة في الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد ، يعني لزاما إخراج أهل الحديث والسلفية منه، الأمر الذي أحدث ردود فعل غاضبة وساخطة في أوساط السلفيين، كان أشدها وصف المؤتمر بأنه “حلقة في سلسلة مؤامرة تدور على أهل السنة والجماعة، باتت العداوة على عقيدتنا ووطننا على المكشوف” على حد قول الداعية السعودي سعد البريك.
 
 لكن ما الذي استفز علماء السلفية ودعاتها وأتباعها من نتائج مؤتمر “الشيشان وتوصياته”؟ وهل إخراج الأشاعرة للسلفية من مسمى أهل السنة والجماعة أمر جديد أم أنه هو المقرر في كتب الأشاعرة والماتريدية وأدبياتهم؟.
 
 من هم أهل السنة والجماعة عند الأشاعرة
 
 أوضح الداعية الأشعري الأردني، محمد إدريس أن مسمى أهل السنة والجماعة عند الأشاعرة يطلق على الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث، مؤكدا على ضرورة التمييز بين أهل الحديث التي تعني جماهير علماء الحديث، وبين تلك الطائفة المنتسبة إلى مذهب الإمام أحمد، والتي تبنت مقولات شاذة وغريبة، تعرضت بسببها لنقد شديد من كبار علماء الحنابلة كابن عادل الحنبلي، وابن الجوزي وغيرهما”. 
 
 وتابع إدريس، أحد كبار تلاميذ المنظر الأشعري المعروف سعيد فودة (المشارك في المؤتمر) “إن المقرر عند الأشاعرة النظر إلى ما يطلق عليه السلفيون عقيدة أهل الحديث، على أنه مذهب مجموعة انتمت في وقت مبكر إلى مذهب الإمام أحمد، لكنهم تبنوا مقولات الحشوية والكرامية (فرق منحرفة من مقولاتهم تجسيم الله)، فابن تيمية سار على طريق الكرامية، والسلفيون المعاصرون تابعوا ابن تيمية، وتبنوا أصوله ومقولاته تبنيا تاما”. 
 
 وأضاف إدريس لـ”عربي21"، “لذلك فإن الأشاعرة لا يدخلون ابن تيمية، ومن سار على طريقته ومنهجه في أهل السنة والجماعة”، لأنهم وافقوا طريقة أتباع عبد الله بن كرّام (شيخ الكرامية) في تجسيم الله وتشبيهه بخلقه”. 
 
 وجوابا عن سؤال: بماذا يُخرج الأشاعرة السلفية من أهل السنة والجماعة؟ أجاب إدريس: بجملة من الأصول والفروع، يأتي في مقدمة تلك الأصول رفض ابن تيمية المجاز في القرآن، ما يعني وجوب الأخذ بالحقيقة والظاهر، كما عكس ابن تيمية المحكم والمتشابه في آيات القرآن، فهو يرى أن آيات اليد والعين والاستواء وما إلى ذلك من المحكم، وليس الأمر كذلك كما يراه الأشاعرة”.
 
 من جانبه دافع الداعية اليمني الصوفي، الحبيب على الجفري، عن عدم إدراج معتقد أهل الحديث مع الأشاعرة والماتريدية في بيان المؤتمر بقوله “والحقيقة هي أن أهل الحديث في مسألة الصفات كانوا بين مفوّض للمعنى، ومؤول له، وهذا هو معتقد الأشاعرة والماتريدية، وشرح ذلك كان من أبحاث المؤتمر التي سوف يتم نشرها إن شاء الله”. 
 
 وأضاف الجفري في منشور له عبر صفحته على الفيس بوك “أما المجسمة والمشبهة الذين فسروا المتشابه بالمعنى الحسي فوصفوا الله سبحانه وتعالى بالجلوس والانتقال بل والنسيان، والعياذ بالله تعالى من ذلك، فليس مسلكهم هذا بمسلك أهل الحديث، وإن وقع شذوذ في ذلك من بعض المحدثين، فهو استثناء بين جمهور المحدثين، لهذا فليس في التعريف إقصاء لأهل الحديث كما توهم البعض”. 
 
 وفي السياق ذاته أكدّ الباحث الأشعري الأردني، حسام الدين الحنطي، أن مؤتمر الشيشان “قرر حقيقة قررها علماؤنا المتقدمون، كأمثال العز بن عبد السلام، والإمام عبد السبكي، وغيرهما، وهي أن مصطلح أهل السنة والجماعة خاص بالأشعرية والماتريدية”.
 
 وتساءل الحنطي عبر صفحته على الفيس بوك “ثم من الذي يشق الصف؟ أليسوا هم التيمية والوهابية الذين ما فتئوا عن تضليل الأشاعرة والماتريدية، وربما يفتي بعضهم باستباحة دمائهم، ومن رجع إلى أدبياتهم يجد هذا الأمر واضحا جليا”.
 
 جذور الخلاف والتوظيف السياسي
 
 متى نشأت الخلافات بين السلفية والأشعرية؟ وما هي جذورها وخلفياتها؟ طبقا لما هو مقرر في تاريخ نشوء المذاهب الإسلامية، فإن أبا الحسن الأشعري، الذي تنتسب الأشاعرة إليه، كان في مبدأ أمره معتزليا وبقي على ذلك ما يقارب ثلاثين سنة، ثم فارق المعتزلة وتصدى لنقد مقولاتهم وتفنيدها، وهي التي تبعه عليها الأشاعرة.
 
 وتشير بعض المصادر إلى أن أبا الحسن الأشعري مر بثلاث مراحل: الأولى: المرحلة الاعتزالية، والثانية: المرحلة الكلابية نسبة إلى ابن كلاب (يثبت بعض الصفات الإلهية وينفي صفات أخرى)، والمرحلة الثالثة: المرحلة السُّنية التي انتهى فيها إلى موافقة ما كان عليه الإمام أحمد، وقد دون ذلك في كتابه “الإبانة عن أصول الديانة”. 
 
 من جانبه أرجع الباحث الأردني والمحقق، عماد المصري جذور الخلاف بين السلفية والأشعرية، إلى ظهور المدرسة الكلامية، وقد ظهرت بذرتها زمن عبد الله بن سعيد القطان البصري الشهير بابن كلاب، وهو أول من قال “بأن القرآن قائم بالذات بلا قدرة ولا مشيئة”.
 
 وتابع المصري حديثه لـ”عربي21"، “من هنا بدأ الصراع بين الحنابلة ـ مدرسة الحديث (السلفية)، والمعتزلة والأشاعرة، فكان الإمامان أحمد بن حنبل، وأحمد بن نصر الخزاعي هما سيدا هذه المدرسة، حتى ظهر أبو الحسن الأشعري”. 
 
 ووفقا للمصري فإن الخلافات بين الأشعرية والسلفية خلافات تاريخية قديمة، تدور على جملة من المسائل كإثبات صفات الله وتأويلها، لافتا إلى أن “العقيدة الإسلامية لم تكن في يوم من الأيام ـ قبل عقيدة الخلاف ـ إلا سلفية المورد والمنهل والمعين”.
 
 ولفت المصري إلى أن “الأشعرية القديمة لم تكن مطية للحكام كما هو الحال اليوم، فهذا كبير الشافعية وسيدهم في زمانه الإمام النووي وهو أشعري ـ في بعض الصفات ـ ينقل عنه الذهبي في تاريخه أنه كان أمَّارا بالمعروف ونهاءً عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم؛ يواجه الملوك والجبابرة بالإنكار، وإذا عجز عن المواجهة كتب الرسائل…”.
 
 وتابع المصري “أما أشاعرة اليوم فهم خدم الحكام ومفتوهم، وما تجد حاكما ظالما بطاشا إلا ومفتيه أشعري صوفي بغيض، وما علي جمعة والجفري وعلام وحسون والبزم والبوطي عنكم ببعيد”.
 لكن الناشط السوري، حسن الدغيم أبو بكر، كتب عبر حسابه على تويتر تغريدة قال فيها “نحن (الصوفيين) والأشاعرة لا يمثلنا من حضر في مؤتمر مؤامرة غروزني من شيوخ الضلال، وإن إخوتنا من علماء السلفية لأقرب لنا بألف مرة من علماء بوتين”. 
 
 ردود السلفيين الغاضبة
 
 تكاثرت ردود السلفيين على بيان المؤتمر الختامي، الذي نص في إحدى فقراته على إخراج السلفيين من أهل السنة والجماعة، وكان من أشد تلك الردود وأقساها اتهام المؤتمر بالمؤامرة، فهو “مؤتمر تآمري على العالم الإسلامي، وعلى المملكة العربية السعودية بشكل خاص” كما جاء في مقال للأكاديمي الشرعي السعودي محمد إبراهيم السعيدي.
 
 وهاجم السعيدي المؤتمر بأن “المؤشرات عديدة ومتوافرة على أن الهدف من هذا المؤتمر عكس ما أعلنوا عنه من جمع كلمة أهل السنة والجماعة، وتوحيدها في مواجهة الأخطار المحدقة بالعالم الإسلامي”. 
 
 ورأى السعيدي أن عقد المؤتمر “يقع ضمن العديد من التحركات الغربية لقتل كل مظاهر يقظة الشعوب الإسلامية إلى حقيقة دينها، وإعادة العقل المسلم إلى حظيرة الخرافة، وتسلط الأولياء المزعومين، وسدنة القبور، وعقيدة الجبر على حياة الناس وعباداتهم”.
 
 وأضاف السعيدي “ومن المؤشرات أيضا على البعد التآمري للمؤتمر: أنه يأتي ضمن سلسلة من المؤتمرات رعتها دولة الشيشان، كلها تهدف إلى تلميع التصوف وإلصاق التكفير والتطرف بالسلفية، وكان آخرها سنة 1435هـ تحت عنوان “التصوف آمان للإنسان واستقرار للأوطان”.
 
 ونوه السعيدي إلى أن “روسيا الاتحادية التي تستضيف هذا المؤتمر لتوحيد أهل السنة هي التي تنطلق طائراتها من إيران ومن أماكن أخرى لتضرب حلب وحماة وغوطة دمشق، لتجعل هذه البقاع السنية أثرا بعد عين، كما فعلت سابقا في غروزني، حيث يجتمع المؤتمرون، الذي لا يخفاهم أن الرئيس الشيشاني الذي يستقبلهم ويرحب بهم، كان هو ووالده أحمد قاديروف من أكبر المتعاونين مع الروس لتمكينهم من الانتصار على الحكومة الشيشانية المستقلة”.
 
 هل من مخرج؟
 
 يظهر من المساجلات الساخنة، والردود الصاخبة والعنيفة بين الأشاعرة والسلفيين، أن الأزمة جد مستفحلة بين الطرفين، خاصة إذا ما استخدمها السياسي ووظفها كورقة ضغط في صراعاته السياسية والعسكرية الدائرة هنا وهناك، فهل من مخرج آمن، وعلاج ناجع لهذه الأزمة المستفحلة؟.
 
 بحسب الداعية الليبي، سالم الشيخي، فإن حسن التعامل مع الاختلاف القائم بين الأشاعرة والماتريدية من جهة والحنابلة من جهة أخرى، حول إثبات الصفات الإلهية وتأويلها، يمكن أن يفضي إلى محاصرة مظاهر الاختلاف، وتقليل مفاسده وشروره.
 
 وأضاف الشيخي لـ”عربي21"، “إن ذلك الاختلاف هو من جنس اختلاف الصحابة رضي الله عنهم، في رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه ليلة المعارج، واختلافهم في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه” وهو من الاختلاف السائغ في فروع الاعتقاد. 
 
 ويخلص الشيخي إلى أن اجتهادات الأشاعرة والماتريدية والحنابلة لا تُخرج أصحابها من أهل السنة والجماعة، لأن ذلك المسمى يرتبط بالأصول الكلية الكبرى الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، فالاجتماع على تلك الأصول مع التمسك بآداب وفقه الاختلاف تبقي الجميع داخل إطار أهل السنة والجماعة”. 
 
 من جهته رأى الباحث الأشعري محمد إدريس، أن أنجع الطرق للتعامل مع هذا اللون من الاختلاف (والصراع) هو إشاعة ثقافة التعايش، والقبول بالآخر الإسلامي على حاله ومعتقده. فالأشاعرة سيبقون أشاعرة، والسلفيون سيبقون سلفيين، فلماذا لا يقبل كل منهم بالآخر، تجمعهم رحابة الإسلام وسماحته ورحمته.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.