هدنة مؤقتة وحل سياسي مؤجل في سوريا

ماجد أبو دياك يكتب لـ عربي21: هدنة مؤقتة وحل سياسي مؤجل في سوريا

بدأ تطبيق اتفاق ما يسمى “وقف الأعمال العدائية” الذي توصلت له الولايات المتحدة وروسيا بين النظام وقوات المعارضة السورية، الذي يفترض أن يمتد لأسبوع كامل، تمهيدا لإطلاق محادثات تسوية سياسية للصراع القائم هناك، منذ أكثر من خمس سنوات.
 
 وقد بدا هذا الاتفاق مبتورا وناقصا منذ البداية، لأنه لم يحدد خطوات للحل السياسي الذي لم تنجح مباحثات جنيف في التوصل له حتى الآن، إذ لا يوجد جهد أمريكي حقيقي لوضع حد للصراع، فيما ترغب روسيا في تحقيق مكاسب سياسية في مواجهتها مع الغرب.
 
 وقف النار.. هل يصمد
 

 وفي الإطار الميداني، فإن وقف إطلاق النار لا يؤسس أبدا لحل حقيقي في سوريا، فهو من البداية وضع السفاح والمجني عليه في كفة واحدة، وكأنهما يخوضان معركة متكافئة، وكأن النظام وحلفاءه لا يتحكمون برقاب الشعب السوري، ويفرضون عليه الحصار المميت، ويحتفظون بآلاف الأسرى من المدنيين والمقاتلين في سجونهم.
 
 كيف يمكن أن نتكلم عن نجاح لوقف إطلاق النار دون إلزام لإيران وحزب الله ومليشياتهم، علما أن الدور الأكبر في الحرب ليس لجيش النظام وإنما لإيران وحزب الله والمليشيات الشيعية التي تأتمر بأمر طهران؟
 
 وكيف يمكن أن ينجح الاتفاق في ظل اتفاق روسيا والولايات المتحدة على محاربة تنظيم فتح الشام (النصرة سابقا) الذي يخوض المعارك ضد النظام جنبا إلى جنب مع بقية الفصائل المسلحة؟ 
 
 وكيف يمكن لجم الطائرات الروسية من استهداف الفصائل المسلحة في ظل اندماج فصيل فتح الشام مع قوى المعارضة، إذ إن من الصعوبة بمكان الفصل بين الاثنين في الميدان؟
 
 ويلزم الاتفاق الجماعات المعارضة التي تُريد الحفاظ على “شرعية” معارضتها أن تتخلى عن “فتح الشام” وتنظيم الدولة.
 
 وهذا يعني أن الاتفاق يميز بين إيران وميليشياتها ولا يلزمها بوقف النار، فيما تستمر القوتين العظيمتين باستهداف تنظيم الدولة، رغم أن الطرفين يتساويان في ممارساتهما!
 
 وقد يصمد اتفاق وقف النار أو لا يصمد، ولكن على الأغلب فإن تطبيقه يبقى محدودا، لأنه لا يؤسس لحل سليم قائم على وضع حد لمجازر النظام واستمراره في رفض الاستجابة لمطالب السوريين التي قامت من أجلها ثورة 2011.
 
 ولعل من أحد أسباب فشل وقف النار الآن، أو مستقبلا، هو استمرار روسيا في مشاركة النظام جرائمه ضد المدنيين والتصدي للمعارضة حتى المعتدلة منها، رغبة في تحقيق إنجاز عسكري لروسيا قبل أن تقرر الخروج من سوريا.
 
 أبعاد الاتفاق الروسي الأمريكي
 

 والاتفاق الذي تم التوصل له بعد مفاوضات شاقة بين الطرفين بدا أنه محاولة للخروج من دوامة الخلافات بين الطرفين في ظل فشل التوصل لأسس للحل السياسي الذي يفترض أن يبدأ بمرحلة انتقالية تنتهي باتفاق دائم.
 
 ويأتي ذلك في سياق مكاسب جديدة للمعارضة في حلب وغيرها، ورغبة من النظام وحلفائه في استعادة المناطق التي خسروها بعد انتهاء الهدنة. 
 
 أما قضية إغاثة المدنيين وفتح الممرات لهم للحصول على مساعدات فلا تشكل لب القضية، وإن كانت أحد المطالب الإنسانية الملحة التي تصر عليها منظمات الإغاثة.
 
 والاتفاق يمكن أن يشكل تهميشا للدور الذي تسعى تركيا للعبه من خلال دعم المعارضة المسلحة، ويصب في اتجاه إبقاء الملف السوري حكرا على الولايات المتحدة طرفا أساسيا وروسيا شريكا أصغر وليس غيرهما.
 
 ويظل الخلاف حول استمرار نظام الأسد خلال المرحلة الانتقالية من النقاط الأساسية التي تحول دون التوصل لاتفاق، كما أن معالم وشكل التحول السياسي في البلاد لا زالت غير محددة في ظل التباين الشديد بين أطراف الصراع والتدخلات الخارجية فيه.
 
 حل سياسي مؤجل
 

 وإذا كانت روسيا راغبة في تحقيق مكاسب عسكرية، وتكريس وجودها السياسي في المنطقة حتى عندما تقبل بحل سياسي ينتهي بإنهاء حكم الأسد، فإنها لا تريد في النهاية إطالة وجودها في المنطقة.
 
 ولكن الولايات المتحدة، ترى أن انشغال الأطراف في الحرب الطاحنة في سوريا يصب في مصلحتها، ولا يكلفها سياسيا وعسكريا، ويضمن لحليفتها إسرائيل الأمن والأمان، وبالتالي فهي ليست مستعجلة للحل، ولا ترغب في تقديم عون كامل للمعارضة التي يشكل الإسلاميون الجزء الأكبر منها، إذ لا تريد واشنطن مشاركتهم الفاعلة في حكم سوريا مستقبلا.
 
 وبين هذين الموقفين، وفي ظل اندفاع إيران في التمسك بالأسد فإن الحل السياسي يظل بعيد المنال في المدى المنظور. 
 
 وسيظل الميدان يتحرك بين المعارضة وبين النظام دون أن يتمكن أحدهما من حسم المعركة لصالحه. 
 
 أما المدنيين، فهم أكثر من يصطلي بنيران الحروب، خصوصا أن النظام السوري وروسيا وإيران لا يميزون في الحرب بين عسكري ومدني. 
 
 ويبدو أنه لن يكون هناك وقف منظور لنزيف الدماء على يد النظام السوري وحلفائه الذين تسببوا في مقتل نحو 250 ألف من هذا الشعب، وسقوط أضعاف هذا الرقم من الجرحى، وتشريد نحو شطر الشعب السوري داخليا وخارجيا.
 
 إن ما جرى لا يعدو كونه حقنة مخدرة للصراع، ولا يؤسس لحل سياسي صحيح في ظل تضارب الأجندات الإقليمية والدولية الذي كتب عليه أن يكون ساحة صراع لهذه القوى، تبقى فيها مصلحة الشعب السوري في مؤخرة الأولويات.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.