مصر وإسرائيل.. نحو علاقة إستراتيجية

ماجد عزام يكتب لـ عربي21: مصر وإسرائيل.. نحو علاقة إستراتيجية

طغت المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا منتصف شهر تموز الماضي على الزيارة المهمة جدّاً التي قام بها وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى إسرائيل في العاشر من الشهر نفسه ، وبدت حافلة بالدلالات على مستوى الشكل والمضمون أيضاً غير أن تصريحات شكري منتصف اب اغسطس الحالى التي رفض فيها وصف ما تمارسه إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني بإرهاب الدولة، سلطت الضوء من جديد على العلاقة المتنامية بين الجانبين، والتي تأخذ شيئاً فشيئاً الطابع الاستراتيجي في أبعاد وجوانب مختلفة سياسية أمنية عسكرية واقتصادية أيضاً.
 
 للتذكير فقد كانت زيارة وزير الخارجية المصرى الأولى على هذا المستوى منذ تسع سنوات، وهي هدفت إلى كسر الحاجز النفسي، وإخراج العلاقة المتنامية للعلن، وإسباغ الطابع أو البعد السياسي عليها، بعدما ظلت لسنوات حبيسة النقاش والتنسيق والتفاهم الأمني والعسكري بين المسؤولين في البلدين.
 
 في السنوات الأخيرة لنظام مبارك عاشت العلاقة بين البلدين أفضل مستوياتها وكانت الخطوط مفتوحة بين مكتب مدير المخابرات الجنرال عمر سليمان ونظرائه في وزارة الدفاع الإسرائيلية، ورغم صفقة الغاز المشبوهة إلا أن الجانب السياسي الاقتصادى كان غائب أو مغيّب ، وكان ثمة تعمد أن تظل العلاقات رهينة العسكر واجهزتهم، مع نقاشات ذات طابع أمني أساساً تخص ملفات متعددة في المنطقة من فلسطين إلى السودان، مروراً بلبنان سورية، وحتى العراق الخليج والبحر الأحمر بموازاة سعي تقليدي من نظام مبارك للاستثمار، وحتى السمسرة في القضية الفلسطينية لتحقيق مكاسب فئوية ومصالح ضيقة وتعويض الشرعية المتاكلة والمنهارة فى الداخل، ودائماً تحت السقف الأمريكي الذي حاول خلال تلك السنوات ضخ الحياة في عملية التسوية الفلسطينية الاسرائيلية- الميتة إكلينيكياً — بدعم مصري كلما دعت الحاجة.
 
 الوضع اختلف الآن مع نظام السيسي، وهو ما تبدى من زيارة الوزير شكرى كما تصريحة الأخير، وثمة سعي دؤوب جليّ وحتى وقح لإضفاء صبغة سياسية على العلاقة، وعدم الخجل من إظهارها للعلن. علماً أن جدول أعمال زيارة الوزير والملفات التي ناقشها لساعات طويلة مع نتن ياهو تفضح أو تكشف عمق العلاقة والتحالف بينهما.
 
 شكري التقى نتن ياهو مرتين خلال يوم تفاوضى طويل، وبدا ان ثمة تعمد لإضفاء الحميمية على العلاقة ليس فقط كمّاً، وإنما نوعاً أيضاً عبر إجراء اللقاء الثاني في منزل رئيس الوزراء الإسرائيلى الخاص، وطبعاً في القدس المحتلة، وحتى مشاهدة نهائي كأس أوروبا معاً لتظهير البعد الشخصي، والتأكيد على الدفء في العلاقة.
 
 حسب وسائل الإعلام الإسرائلية المختلفة فقد كان الملف الفلسطيني ببعده السياسي مغيّباً أو هامشياً، وجرى التركيز على العلاقات الثنائية مع استعداد متبادل للوساطة لتحقيق مصالح الجانبين في ملفات ثنائية، وحتى إقليمية أيضاً.
 
 الوزير شكري طلب دعم إسرائيلي للعمليات العسكرية والأمنية في سيناء، مع تأكيد على زوال الحواجز فيما يخص معاهدة كامب ديفيد وملحقها الأمني ، مع عدم ممانعة القاهرة في تنفيذ عمليات أمنية إسرائيلية مباشرة في سيناء، وهو ما تؤكده التقارير والتعليقات الصحفية الإسرائيلية المتواترة و شعور تل أبيب أن السياسة المصرية المتبعة فى شبه الجزيرة تصب أساساً في خدمة مصالحها ، تحديداً فيما يتعلق بالتضييق على قطاع غزة، وعرقلة إدخال السلاح إليه عبر الأراضي المصرية، كما كان متبع منذ سنوات.
 
 وزير الخارجية المصري طلب كذلك وساطة إسرائيلية تجاه تركيا ان لم يكن بالعمل ، لتحسين العلاقات معها مباشرة فعلى الاقل لضمان ألا يؤثر الحضور التركي في غزة على التأثير وبالأحرى الحصار المصري ضدها أو يصب سياسياً في صالح النفوذ التركى الاقليمى أو فى صالح حركة حماس التى تعاديها القاهرة علناً ودون مواربة.
 
 شكري طلب كذلك وساطة أو دعم تل ابيب تجاه الغرب الولايات المتحدة وتحديداً فيما يخص المساعدات العسكرية والاقتصادية للنظام، وغض النظر عن انتهاكه المنهجي لحقوق الإنسان، كما بالعمل على إبعاد النظام وممارساته عن التغطية السياسية والإعلامية الغربية المركزة، والحفاظ على واقع أو حقيقة أن لا شيطنة سياسية وإعلامية له او عقوبات اقتصادية ضده، طالما أنه يخدم في النهاية المصالح الأمنية الإسرائيلية والأمريكية الإقليمية، ولا يشوّش أو يشاغب عليها بأي حال من الأحوال.
 
 إسرائيل من جهتها طلبت وساطة مصرية فيما يخص أسراها في غزة، وأصلاً أبدت القاهرة دوماً استعدادها للوساطة في هذا الملف، مع إبقاء الطابع الأمني للعلاقة مع حماس، والتأكيد على الموقف المصري الرافض لأي وساطة ذات طابع سياسي، ورفض تخفيف الحصار أو تقديم أي مكاسب سياسية لحماس، وحتى التخفظ على الخطوات الإسرائيلية المتعلقة بتخفيف الحصار أو زيادة إدخال المساعدات إلى غزة، ما يحرج القاهرة إعلامياً، ويظهرها أكثر تشدداً من تل أبيب فيما يتعلق بالحصار والتعاطي مع ملف غزة بشكل عام.
 
 إلى ذلك ثمة خدمة سياسية اخرى يقدمها النظام المصرى لإسرائيل، وعن سبق إصرار وترصد، تتمثل باستغلال القضية الفلسطينية ضمن السياق والفهم الإسرائيلي طبعا لأن لا حديث جدّي عن انخراط مصري في عملية التسوية، و الحديث عن المبادرة المصرية المزعومة يأتي فقط من جانب نتن ياهو وحكومته، حتى أن وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكى نفسه رفض تسميتها مبادرة، وإنما مجرد رؤية مصرية، علماً أنها تأتي في سياق قطع الطريق على المبادرة الفرنسية وتخفيف أي ضغوط دولية ضد تل ابيب في هذا الصدد، وتتبنى أى الرؤية المصرية المقاربة الإسرائيلية عن المفاوضات المباشرة دون شروط او سقف زمنى واضح ومرجعيات محددة، و بإطار إقليمي عربي و بالتاكيد ليس دولي.
 
 في السياق الفلسطيني بدا لافتاً كذلك التركيز المصري على المصالحة الفتحاوية الداخلية كمرحلة ضرورية لا غنى عنها فى الطريق نحو المصالحة الفلسطينية ومن ثم استئناف عملية التسوية وصولا الى اتفاق سلام نهائى للصراع فى فلسطين حيث تبدو تل ابيب راضية تماما عن هذا المسعى لانه يلفت الانتباه عن ممارساتها ويعطى الإنطباع وكأن المشكلة عند الفلسطينيين غير الجاهزين للمفاوضات والتسوية وهى تعى -ولا تمانع –طبعا ان الغرض الاساس من المسعى المصري يتمثل ب اعادة تعويم حليفها القديم القيادى الفتحاوى المفصول محمد دحلان وتسهيل خلافته للرئيس محمود عباس بينما يمكن تاجيل الملفات الاخرى اى المصالحة مع حماس علماً أن القاهرة واعية بالتاكيد لحقيقة ان لا فرصة للحل فى المدى المنظور وان الحكومة الاكثر تطرفا فى تاريخ الدولة العبرية -حكومة نتن ياهو ليبرمان بينيت- لا تملك الإرادة ولا حتى القدرة للتوصل الى اتفاق سلام نهائى وفق الحد الادنى المقبول فلسطينياً عربياً ودولياً.
 
 القاهرة تعمل كذلك فى خدمة ومساعدة تل أبيب لعكس المبادرة العربية، وجعل التطبيع والعلاقات العربية الاسرائلية قبل ، الحلّ النهائي، والانسحاب من الأراضي العربية، وإقامة الدولة اللفلسطينية. وهنا تبدو العلاقة الاسرائلية مع مصر أعمق بكثير من العلاقة مع السعودية، مثلاً رغم ضخ وتركيز الحشد الشعبي الإعلامي على السعودية، ومع الانتباه كذلك لما نشره موقع والا عن غضب وضيق نتن ياهو لعجزه عن إظهار النجاحات والعلاقات واللقاءات مع مسؤولين عرب اخرين إلى العلن، كما يحدث مثلاً مع الجانب المصري.
 
 عموماً فإن تصريحات الوزير سامح شكري المتراققة مع تخفيف حدة الموقف المصرى من الملف النووى الاسرائيلي في المنتديات الدولية ذات الصلة، كما الكم الكبير من التصريحات والتعليقات الإسرائيلية المتدفقة والمتواصلة، تؤكد المنحى الجديد للعلاقة بين الجانبين، الذى ياخذ الطابع السياسى العلنى مع بعد أمنى عميق ومقاربة استراتيجية لملفات ثنائية واقليمية تتعلق بحاضر ومستقبل المنطقة غير أن هذا قد يخدم النظام على المدى القصير أو المتوسط الا أنه لن ينجح فى التغطية على فشل الداخلي المركب والعميق وأزماته المتكاثرة وبالتاكيد لن ينجيه من مصيره المحتوم السقوط ولو بعد حين.
 
 • كاتب فلسطيني

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.