الوعي السياسي ركيزة الإصلاح

محمد خليل برعومي يكتب لـ عربي21: الوعي السياسي ركيزة الإصلاح

يترقب الجميع في تونس نتائج الحوار حول قانون المالية الذي سيكون له انعكاسات مباشرة على الوسط الشعبي والمشهد السياسي. قلق وخوف من المستقبل يسيطران على الشارع التونسي بسبب الوضع وتصريحات المسؤولين الموغلة في السلبية والتشاؤم.
 
 البعض يشبّه حالنا بالأزمة الاقتصادية لسنة 1984، اذ جعلت الدولة تقوم بسلسلة من الاجراءات 
 التقشفية انتهت بانتفاضة عارمة وازمة سياسية. مما يطرح التساؤل اليوم حول مستقبل هذه الازمة والاطراف التي ستكتوي بنارها (كبش الفداء) في ظل غياب بوادر الحل!
 
 وعلى قدر اهمية المشكل الاقتصادي الا أن المشكل الأكبر يكمن في كيفية تفاعل الدولة والطبقة السياسية عموما مع هذا الامر.
 
 يمكن ملاحظة ارتباك الدولة وفقدانها للحلول الذكية عبر الاستفادة من تجارب مقارنة على الصعيد الآسيوي او ببعض دول أميركا الجنوبية، كما لا يخفى اهتراء الطبقة السياسية عموما.
 
 تُعرّف الطبقة السياسية او النخبة بانها اقوى وأذكى مجموعة من الناس في المجتمع وهي الأقدر على التحكم بموقع اتخاذ القرار وانتاج الحلول، في حين أن واقع نخبتنا يقول عكس ذلك.
 
 ان الازمة الحقيقية التي تعيشها تونس هي تضارب الأولويات بين النخبة والشعب. ففي الوقت الذي ينتظر المواطنون بعض الحلول والافكار تطمئنهم على القليل الذي يحافظون به على بقائهم البيولوجي، تناضل مجموعة واسعة من هذه النخبة على الحفاظ على مجرد بقائها السياسي، رامية عرض الحائط مصلحة الدولة والشعب.
 
 ما معنى ان يحذر أحد أهم رموز هذه النخبة من إجراء الانتخابات البلدية في موعدها خوفا من فوز احد الاحزاب (حركة النهضة)، رغم اهمية التعجيل بهذه المحطة ودورها في تفعيل الحكم المحلي والحوكمة اللامركزية التي ستُسهّل تنفيذ عديد المشاريع المعطلة بأموال مرصودة لها من سنوات!
 
 شتاء ساخن في الأفق يسبق سنة عصيبة خاصة على المستوى الاقتصادي، في مقابل جلسات مغلقة ومكثفة، ليس لإيجاد حلول، وإنما لبحث سبل تكوين جبهة سياسية تواجه حركة النهضة انتخابيا وتمنعها من الفوز.
 
 من شب على شيء شاب عليه. نخبة سياسية شبّت على التطاحن الايديولوجي والفرز الهوياتي كيف لها ان تؤمن ان المرحلة تقتضي قواعد لعبة جديدة، وتحتاج تنافس برامجي وليس صراعات جوفاء تحقق مشاهد “فرجة” حماسية على أنقاض شؤون الناس.
 
 الجميع يعلم ان هناك قرارا دوليا في ضبط دور الإسلاميين في الشأن السياسي. ورغم ان حركة النهضة اثبتت ممارسة أنها افلتت بأقدار كبيرة من عقال الاسلام السياسي، إلا أن جهودا حثيثة تسعى لتحجيم دورها عبر تصنيع جسم سياسي مضاد لها. ولكن على أي أساس ووفق أي رؤية؟
 هل ستكتفي هذه المضادات بخلق التوازن الانتخابي مع حركة النهضة مثل ما كان عليه حزب نداء تونس، حيث كان الاخير حزبا انتخابيا التقى على مصالح ضيقة انتهت به الى التفكك والتحلل، أم سيكون لها مشروعا سياسيا واضحا من اجل خدمة المواطن والحفاظ على الدولة!
 
 على هذه النخبة ان تتعلم من دروس الماضي وخاصة اذا كنا حديثي عهد به، وان تقدم المصلحة الوطنية على مصالحها الضيقة ونزعاتها الزعامتية.
 
 من الضروري ان يكون هناك توازن حزبي وانتخابي في دولة تكافح لتجاوز مخلفات نظام احادي استبدادي، بغض النظر عن خلفيات هذه الاحزاب، وذلك لضمان التوزان السياسي ومنع تغول اي طرف، ولكن يجب ان تكون المعادلة على ارضية استقرار الدولة ورعاية شؤون الناس. 
 
 تحتاج تونس الى وعي جديد تتجاوز به منطق الغلبة الى ثقافة التكامل والتعاون في جميع المجالات، بين الافراد، بين الاحزاب، وبين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، من أجل إصلاحات عميقة وشاملة تنقذ هذه التجربة الديمقراطية الناشئة.