شهادة للتاريخ

محمد خليل برعومي يكتب لـ عربي21: شهادة للتاريخ

لم يتجاوز سني الأربع سنوات حين وقع إلقاء القبض على والدي بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مرخص لها. هاجمت قوات الشرطة البيت بأعداد كبيرة بعد أن قاموا باختطاف أخي الأكبر (7 سنوات) من المدرسة وهددوه بالسلاح من اجل دلّهم على مكان والدنا.
 
 كنت بين أحضان والدتي المنهارة قهرا وكمدا حينها.
 
 اعتقلوا أبي وهشموا كل ما في الغرفة التي أوينا إليها هربا من الظلم. 
 
 جمّعوا كل الكتب ولم يترددوا في سرقة بعض متاع والدتي. هاجمت احدهم لأنه أراد سرقة لعبتي فلم يتوانى في دفعي بكل ما أوتي من جهد.
 
 كانوا يحمّلون الكتب وأغراضنا البسيطة في السيارات وقد تجمعت أعداد غفيرة من الناس حول المكان ترقب الحدث.
 
 أحد الجواسيس (القوادة) كان يصرخ زورا بين الناس : لقد وجدوا أسلحة خطيرة، أنهم إرهابيون…
 حوكم والدي وعشنا أيام عصيبة بسبب التشويه الأمني والمضايقات التي لم تنتهي يوما لأكثر من 20 سنة.
 
 تفاصيل كثيرة مرهقة ومنهكة للذاكرة والخيال ولكن لم تخلوا قلوبنا من حب تونس لأننا تعلمنا منذ نعومة أظافرنا أن حب الوطن من الايمان، واننا في معركة الحياة الطويلة 
 
 علينا ان نكافح من اجل الانتصار على الظلم وارساء العدالة
 
 اقول هذه الكلمات في سياق جلسات الاستماع لضحايا الاستبداد التي تعقدها هيئة الحقيقة والكرامة ضمن ملف العدالة الانتقالية. حيث يمثل هذا الحدث فرصة لحفظ الذاكرة الوطنية ورد الاعتبار لمناضلي الدكتاتوريّة.
 
 ان كشف بعض الحقائق من تلك الحقبة المظلمة ليس مدعاة للحقد والكراهية ولا يجب ان يكون سببا لاثارة النوازع الانتقامية، بقدر ماهو فرصة للنظر في الماضي واستخلاص الدروس والعبر من مجرياته.
 لقد تأكّد للجميع أنّ الافكار تنتصر على السّوط وانّ الكلمات لا تموت وانّ ارادة الشعوب لا تقهر لانها من ارادة الله.
 
 لقد استعلمت اجهزة الدولة للنيل من المنافسين السياسيين وتحولت من اداة لخدمة الشعب الى ادة للتغلّب والظلم، ممّا أدى ثورة شعبيّة عارمة.
 
 وهو ما يفرض على الجميع اليوم التعاون في بناء دولة المؤسسات الساهرة على تطبيق الدستور والحامية للديمقراطية.
 
 عملية المصارحة هي انتصار للكرامة الوطنية وحقوق الإنسان على عكس ما يظن البعض من أن هذا المسار يخدم طرف سياسي بعينه.
 
 إن ما تحقق من منجز ديمقراطي وطني لا يمكن المراكمة عليه دون الاعتراف بأخطاء النظام السابق وحماية الدولة من الانزلاق مجددا إلى مثل هذه المحاذير، تحت أي غطاء وأي عنوان. 
 
 إلى جانب أهمية إدراك جوهر الحياة السياسية القائم على التنافس والتداول والسعي لخدمة الناس وليس التصادم والصراع وتبادل الإقصاء، كما يشوه صورة السياسة والسياسيين ويوسع الفجوة بينهم وبين عموم المواطنين.
 
 من الضروري تمهيد طريق المصالحة وطي صفحة الماضي عبر بناء علاقات جديدة في مناخ يتوفر على الحد الأدنى من الثقة والاحترام المتبادل، خاصة في هذه الفترة الصعبة التي تعلو فيها أصوات الفتنة الرامية لاستعادة مشاهد الاستقطاب
 
 رئيس منتدى الفكر السياسي والاقتصادي.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.