دولة مدنية وشريعة إلهية

محمد عمارة يكتب لـ عربي21: دولة مدنية وشريعة إلهية

في حياتنا الثقافية كثير من الآفات الفكرية، ومن هذه الآفات “فتاوى” غير المتخصصين فيما لا يعرفون ولا يعلمون!، فترى من لم يدرس حتى نواقض الوضوء وقواعد الاستنجاء يتقمص شخصية كبار العلماء، ويخوض في أعقد المباحث الكلامية والفقهية الإسلامية، دون أن يدري أن كبار الأئمة والفقهاء كانوا يتحرجون من الفتوى، ويقول الواحد منهم: من قال لا أدري فقد أفتى!.
 
 وفي الجدل الدائر حول الشريعة الإسلامية، والدولة الإسلامية، يكتب كثير من الهواة زاعمين أن تطبيق الشريعة الإسلامية إنما يفضي إلى “الدولة الدينية الكهنوتية” التي عرفتها أوربا في عصورها المظلمة الوسطى.
 
 ولأن جمهرة هؤلاء الهواة هم من العلمانيين المتغربين، الذين ضربت عقولهم وفق المناهج الغربية، كان تقديم الشهادات الغربية التي تنفي عن دولة الشريعة الإسلامية شبهة الكهانة والدولة الدينية، هو منهاج الاستشهاد بشهود من أهلها.
 
 ولما كان المستشرق الإيطالي “سانتيلانا” (1845–1931م) هو واحد من كبار الفقهاء في الشريعة الإسلامية وفي القانون الروماني، فإن شهادته على الطبيعة المدنية للدولة الإسلامية — دولة الشريعة — هي شهادة جديرة بالاعتبار.
 
 يقول هذا المستشرق الذي درس الشريعة الإسلامية والقانون الروماني في مصر وتونس وفي الجامعات الغربية: “ليس في الشريعة الإسلامية ما يضفي على الخليفة صفة القداسة، أو يسمه بميسم الكهنوت، كما ادعت بهذه السمة هيئات حاكمة معينة في تاريخ العالم، إن سلطة الخليفة — كرئيس ديني — لا يمكن أن تعد سلطة حَبرية أو بابوبة، ولم يوجد فيها تعاقب رسولي، والإمام في سلطانه الدنيوي هو وكيل جماعة المؤمنين، وأعماله تستمد قوتها وقانونيتها من المبدأ القائل: إن الأمير يجب أن يضع نصب عينيه مصلحة المجموع، فلهذه الغاية أُمّر الأمراء على الناس، وكما يجب أن يقدم الوكيل حسابا صحيحا على ما أنجزه لموكله وسيده، كذلك يتحتم على الخليفة أن يسترشد بالله.
 
 إن الرابطة التعاونية الموجودة بين الخليفة والشعب تبقى متينة وثيقة العرى ما دام الخليفة صالحا للقيام بواجبه في حماية المجتمع الإسلامي، فإذا لم يعد أهلا لمنح شعبه ما يريده منه، بطل سلطانه، وفُسخ العقد شرعا بين المتعاقدين”.
 
 كذلك تحدث المستشرق “سانتيلانا” عن مفهوم الحرية في الشريعة الإسلامية والنظام الإسلامي، فقال: “إن الحرية هي أولى القواعد في الشرع الإسلامي، ولقد وصل الفقهاء المسلمون إلى أن هذه الحرية تجد حدودها في طبيعتها نفسها، لأن الحرية المطلقة معناها فناء البشرية، والحدود التي تقف عندها الحرية هي ما أُصطلح على تسميتها بالقواعد القانونية “الشريعة”، وليس في هذه الحدود اشتطاط أو غلو، لأن الغاية المتوخاة من فرضها هي المنفعة والصلاح والخير بأعظم ما يستطيع الفرد أو المجموع أن يجني منها تلك المنفعة، وهي الغاية التي تهدف إليها الشريعة.
 
 ولما كان الفرد خليفة الله في أرضه، فقد وهبه خالقه ملكات تدرك الحقوق، وأسماها حق المرء — بوصفه فردا — في السلامة والحرية، فالحرية هي الحق الطبيعي لكل مخلوق بشري.
 
 والشريعة الإسلامية حريصة على الاعتدال والقسط في كل شيء، ونحن نجرؤ على وضع هذه الشريعة في أرفع مكان، وتقليدها أجل مديح علماء القانون، فهو خليق بها”.
 
 تلك شهادة شاهد كبير من علماء الغرب، لمدنية الدولة الإسلامية — دولة الشريعة — ولمكانة الحرية، التي هي أولى القواعد في الشرع الإسلامي.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.