فتوحات التوحيد والتحرير

محمد عمارة يكتب لـ عربي21: فتوحات التوحيد والتحرير

لقد جاء التوحيد الإسلامي لتحرير الإنسان — مطلق الإنسان — من كل ألوان العبودية لغير الله، ولتحرير الملكات والطاقات الإنسانية من قيود العبودية لكل ألوان الطواغيت، المادية منها والمعنوية، ولذلك كان الإسلام — ولا يزال — “ثورة” تحطم القيود والأغلال المفروضة على حريات الناس.
 
 جاء “يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم” (الأعراف 157).
 
 جاء الإسلام ليفتح آفاق العالمية والعمومية أمام الحرية، حتى لا تكون حكرا على قبيلة عبرانية، ولا على عنصرية رومانية، وإنما لتكون إنسانية مشاعة بين كل أصحاب العقائد والديانات، ففي بواكير السياسة الخارجية لدولة النبوة في المدينة المنورة، يطلب الرسول صلى الله عليه وسلم من “هرقل” عظيم الروم (610–641م) رفع الاضطهاد عن النصارى الموحدين — الأريوسيين — أتباع “أريوس” (256–336م) فيقول لهرقل: “أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين”، ويطلب من “المقوقس” عظيم القبط على لسان الصحابي “حاطب بن أبي بلتعة” (35 ق هـ — 30 هـ ، 586–650 م) أن يفقه معنى الدعوة إلى الإسلام وكيف أنها تضيف إلى النبوات والرسالات السابقة، ولا تحجر على الإيمان بأي منها، بل ولا تمنع من الوقوف عند حقيقة أي منها: “إن لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير منه، هو الإسلام الكافي به الله فقد ما سواه، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به”!.
 
 كما يذكره بعبرة مصير الاستبداد عبر التاريخ فيقول له: “إنه قد كان قبلك رجل (فرعون) زعم أنه الرب الأعلى، فانتقم الله به، ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك ولا يعتبر بك”.
 
 كذلك يطلب الإسلام من الفرس الأكاسرة أصحاب العنصرية والطبقية الاستبدادية — أن يفقهوا أن الحرية هي جماع رسالة الإسلام، فعندما سأل قائد الفرس “رستم” (14 هـ — 635 م) الصحابي ربعي بن عامر: ما الذي جاء بكم؟!، قال له ربعي: “إن الله قد جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”، مؤكدا على أن الإسلام — دين الله — قد جاء ليخرج من يشاء، دون أن يفرض هذا التحرير على من لا يشاء!.
 
 ولقد جعل الإسلام “الجهاد” سبيلا لهذا التحرير، الجهاد بالكلمة والحجة والعلم والبرهان، فالقرآن هو الجهاد الكبير، “وجاهدهم به جهادا كبيرا” (الفرقان 52)، والجهاد القتالي لتحرير المستضعفين الذين فرض عليهم الرومان والفرس القهر الديني والسياسي والاقتصادي والثقافي عشرة قرون، من الإسكندر (256–323 ق.م) — في القرن الرابع قبل الميلاد — إلى “هرقل” (610–641م) في القرن السابع للميلاد، “ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها أجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا” (النساء — 75).
 
 فكانت الفتوحات الإسلامية تحريرا لأوطان الشرق وضمائر شعوبه من كل ألوان القهر والعبودية، ثم تركهم المسلمون وما يدينون، حتى أن نسبة المسلمين في الدولة الإسلامية بعد قرن من الفتوحات لم تتعد 20% من السكان!!.
 
 لقد حررت الفتوحات الإسلامية عقائد النصرانية الشرقية من الاضطهاد الروماني، كما حررت كنائس النصرانية الشرقية وأديرتها من الاغتصاب الروماني، وحررت البطرك المصري “بنيامين” (39 هـ ، 659م) من النفي الذي دام ثلاثة عشر عاما، حتى قال: “لقد وجدت النجاة والطمأنينة اللتين كنت أنشدهما، بعد الاضطهاد والمظالم التي صنعها الرومان المارقون”.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.