تونس.. الثورة المضادة تقترب من الهاوية

محمد هنيد يكتب لـ عربي21: تونس.. الثورة المضادة تقترب من الهاوية

تمّ رسميا تكليف رئيس حكومة جديد في تونس عوضا عن رئيس المُقال، أو المتآمر عليه من قبل الجماعة الحاكمة نفسها، من أجل تجاوز حالة الشلل العام التي أصابت الدولة، كما تروج لذلك الأبواق الإعلامية المرتبطة بالسلطة والمتحالفة معها.
 
 التطور الجديد، ورغم ما رُوّج له قبلاً، يبدو خارج النسق المرئي للمشهد التونسي، وهو مشهد لم يعرف تطورات كبيرة مؤخرا؛ تُحتّم اللجوء إلى حكومة جديدة ورئيس وزراء جديد، رغم كل الحملات الإعلامية التي تروّج لفكرة دنوّ انهيار الدولة وقرب موت الاقتصاد وأوان احتضار العُملة.
 
 تونس ليست دولة هندسية كبيرة بمقاييس التعداد السكاني والامتداد الجغرافي والثروات الكبيرة، مثل الجزائر أو السعودية أو السودان أو مصر، بل هي دولة وظيفية تكمن قوّتها — الفارقة عن غيرها ـ في قدرتها على خلق شروط الفعل المُعدي، مثلما حدث ذلك خلال “ثورة الغضب الكبرى” ثورة 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 في ريف تونس المطحون. تونس مثل قداحة البوعزيزي؛ قادرة على إنشاء الحركة وخلق الشرارة الأولى ككل جسم وظيفي، لكنها ليست القاطرة الهندسية القوية التي تستطيع سحب القطار لوحدها — مصر مثلا -
 
 تأسيسا عليه نستنتج معطيين أساسيين: الأول هو أن هذا البلد الصغير هندسيا والخطير وظيفيا؛ لن يُسمح له إقليميا ودوليا أن يصل مرحلة اللاعودة مرّة أخرى، مثلما حدث ذلك خلال الفترة التي امتدت من 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 إلى يوم هروب الرئيس الهارب؛ لأن الضفة الجنوبية للقارة العجوز، أو ما يصطلح عليه استشراقيا “شمال إفريقيا”، تمثل مجالا حيويا لأوروبا وامتداد استراتيجيا لها؛ بشكل لن تسمح معه بحصول حالة من الفوضى شبيهة بالحالة المشرقية قد تمتد إلى ترابها.
 
 بذلك يشكل استقرار تونس في حدّه الأدنى، أو الفوضى في حدها الأقصى المتحكَّم به، شرطا من شروط السيطرة على المغرب العربي، بسبب حساسية الوضع الجزائري وقابليته القصوى للاشتعال، وكذلك الوضع الليبي المشتعل أصلا. تونس لا بدّ أن تظل هادئة لما فيه صالح الجميع، وحتى الوضع الاقتصادي يمكن التحكم فيه بسهولة في هذه الدولة الصغيرة ببعض الفتات من صناديق الهيمنة المالية العالمية.
 
 أما المعطى الثاني فيتمثل في ضرورة التحكّم خارجيا في المشهد التونسي وفي نسق تطوّره الداخلي، بشكل يمنعه من بلوغ الشروط التي قامت من أجلها الثورة، وهو ما حدث إلى حدّ اليوم، بل ومنعه من إمكانية التطور نحو شكل سياسي آخر قد يغري دولا أخرى بالنسج عليه، مثلما حدث في شتاء 2010.
 
 أي أن الانقلاب الناعم الذي أنجزته الدولة العميقة خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة لم يكن غير وضع آليات التحكّم الجديد في التجربة الثورية الأولى بشكل يسمح أولا بالإيهام بالتحول الثوري وبالانتقال الديمقراطي وبتميّز التجربة التونسية وفرادة الشعب التونسي المثقف.. وغيرها من الأساطير الكاذبة التي تطرب لها “نخب نوفمبر ومثقفو التغيير” سواء من “نخب الممانعة والمقاومة” أو من “رفاق الصراع الطبقي” أو حتى من “نخب الإسلام التوافقي”.
 
 هذا الأمر يسمح باستعادة النسق الاستبدادي القديم بشكل أكثر تلاؤما مع السياق الجديد، وأكثر قابلية من سابقه الذي استنفذ شروط وجوده الخارجية، لكنه لم يستنفذ شروط وجوده العميقة التي تعود اليوم إلى السطح بأصباغ جديدة.
 
 ليس رئيس الحكومة الجديد، وهو الموظف السابق بالسفارة الأمريكية في تونس — كما أقرت بذلك مصادر مختلفة لم تكذبها رئاسة الحكومة — إلا تقدما جديدا نحو الشكل المنشود استعماريا للمسار التونسي الذي لا تمثل فيه الدولة بأجهزتها البالية وبرلمانها الكسيح غير عناصر تجميل ومصادر تصويت ـ من الصوت — للإيهام بالحركة والفعل، في حين يتحدد مصير الدولة والشعب بين أروقة السفارات الأجنبية، وخلال تسامر الكبار حول القوارير النبيذ الفاخر.
 
 لن نعلن فشل التجربة أو نندب حظ الثوّار العاثر قبل خوض التجربة، بل نشير إلى أنّ حضور شروط الفشل هو أكثر من حضور شروط النجاح في المرحلة الحالية، وهي مرحلة لا تنفع فيها النوايا الحسنة لرئيس الحكومة الجديد، ولا حتى كفاءة كل الوزراء الذين سيختارهم أو — بتعبير أصدق — الذين سيُختارون له.
 
 لن نخوض في علاقة المصاهرة التي تربط رئيس الحكومة برئيس الجمهورية، ولا حتى تمرّد ابن الرئيس ومحاولة التموقع عاليا في السلطة قبل رحيل أبيه؛ لأن الظاهرة أصبحت بكل موضوعية ظاهرة وطنية مرَضيّة وتشمل كل الأحزاب تقريبا، بما فيها حركة النهضة المحسوبة على التيار الاسلامي، حيث أصبحت علاقة القرابة والمصاهرة مقياسا من مقاييس الترشح لهذا المنصب أو ذاك، وهو أمر لا يلام عليه الرئيس الهارب نفسه؛ لأنه ظهر مرضا تونسيا بامتياز لا يختص به “ابن علي” وحده بعد أن كان خاصا بعصابات المافيا الايطالية.
 
 السؤال المطروح اليوم والذي يتجنبه الكثيرون في تونس، هو التالي: ما الذي يستطيع رئيس الحكومة الجديد فعله في سياقٍ لم تتغير معطياته الذاتية والموضوعية؟ ماذا يستطيع أن يغيّر ولو كان صادق النوايا وحازما؟
 
 الدولة التونسية تُدار اليوم من الخارج تقريبا، وتتحكم فيها بالوكالة أذرع الدولة العميقة الأربع: المالية والأمنية والنقابية والحزبية، وهو ما يجعل هامش المناورة للرجل الجديد ضئيلا، بعد أن خرّبت العصابات النقابية الاقتصاد وركّعت الدورة الإنتاجية ورهنت البلاد للبنوك الدولية، ونفّرت المستثمرين، متحالفة مع أحزاب المعارضة التي صنعها بن علي في أيام طغيانه من القوميين المزيفين أنصار الانقلابات وسدنة العسكر ومن اليساريين الاستئصاليين بطانة الاستبداد وخادم الاستعمار الوفيّ.
 
 لكن رغم ذلك تبقى إمكانيات الإفلات من القبضة الخارجية قائمة بحركة أساسية واحدة؛ متمثلة في محاربة الفساد، وهو الملف الذي أطاح برئيس الحكومة السابق على ما يبدو، لأن الفساد هو منبع الإرهاب الحقيقي، وهو المانع للتنمية، وهو خنجر الاستعمار في الجسد التونسي الجريح.
 
 لو يكتفي الرجل الجديد بالحدّ من النهب والفساد وإهدار الثروات الوطنية — لعجزه عن القضاء عليه — فيكون قد وضع للثورة ولتونس حجر الأساس لنقلة نوعية نحو مجتمع الإنسان بدل دولة العصابات. وإن هو عجز عن ذلك، فإنه يقرّب المشهد التونسي من الموجة الثورية الثانية التي ستستأصل الفساد من جذوره، لتحقق حرية الانسان وسيادته على أرضه وثرواته ومصيره.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.