مصر والعودة المطلوبة

محمود عبد الله عاكف يكتب لـ عربي21: مصر والعودة المطلوبة

في بداية عام 1974 صدر كتاب للكاتب الكبير توفيق الحكيم ونشرته دار الشروق، بعنوان عودة الوعي، وكان يتحدث عن الفترة من تموز/ يوليو 1952 وحتى تموز/ يوليو 1972 من تاريخ مصر، كما ذكر في بداية كتابه. وهو رحمه الله أكد في مقدمة الكتاب أنه ليس كتابا تأريخيا للفترة المذكورة، ولا يعتمد أي مراجع أو وثائق إلا على ذاكرته ورؤيته الشخصية.
 
 وكان الأستاذ الحكيم قد كتب رواية سابقه بعنوان عودة الروح عام 1927، ونشرت عام 1933 عن حالة مصر بعد ثورة 1919. وفي الرواية يطالب الحكيم بعودة الروح للشعب المصري، وأنه يحتاج إلى انبعاث جديد، وذلك من خلال زعيم منتظر من الشباب يعيد له الحياة. حتى أنه اقتطف بعض الفقرات من كتاب الموتى عند قدماء المصريين، وأن حورس الأبن الشاب أعاد الروح إلى أبيه أوزوريس.
 
 وكان قد انتشر خلال الخمسينيات والستينيات أن كتاب ورواية عودة الروح للحكيم؛ كانت الملهمة للبكباشي جمال عبد الناصر في تخطيطه للقيام بحركة 1952، ورسخت في ذهنه أنه الزعيم المنتظر الذي سيعيد الروح للشعب المصري. ولكن بعد عشرين عاما من حركة الضباط عام 1952، ووفاة الزعيم، توصل رحمة الله بأن مصر في حاجة إلى الوعي وليس الروح.
 
 يجب أن نلفت الانتباه إلى أنه بعد صدور كتاب الحكيم، ظهرت عدة ردود من الكتاب والمفكرين الناصريين للرد والتعليق على كتاب الحكيم. من أهم الكتب التي صدرت في هذا المجال كان كتاب الأستاذ محمد عودة بعنوان “الوعي المفقود”، والذي نشر عام 1975، وإن كان الأستاذ الحكيم قد ذكر أنه أيد الحركة وتصرفاتها على مدى العشرين عاما، ولام نفسه وهو من النخبة، على ذلك. ولكن الأستاذ عوده قدم نقدا شديد اللهجة لكتاب عودة الوعي، وركز هجومه على تأخر الأستاذ توفيق الحكيم في عرض رؤيته بشأن حركة الضباط، ولماذا انتظر لما بعد وفاة عبد الناصر. كما دافع الأستاذ عودة عن كل المشروعات ومواقف النظام الناصري التي انتقدها الحكيم في كتابه عودة الوعي، مثل الإصلاح الزراعي وتأميم القناة والسد العالي وحرب اليمن وحرب 1967 وغياب الحرية والاستبداد الذي عاش فيه الشعب المصري على مدى العشرين عاما. وقدم الأستاذ عوده مبررات لهذه المشروعات والمواقف التي قام بها النظام الناصري خلال تلك الفترة. وصاحب ذلك سجال كبير في الساحة الفكرية، بين مؤيد ومعارض لأفكار الأستاذ الحكيم ومبررات الأستاذ محمد عودة، وهل الشعب المصري ينقصه الوعي فعلا أم لا.
 
 تذكرت هذه الأحداث والسجالات الصحفية والفكرية والتي مر عليها نحو أربعين عاما، ونحن نطالع كل يوم مقالا أو حديثا مرئيا او مكتوبا صادرا من معسكر معارضة الانقلاب في مصر يتحدث حول نفس المعاني. وكأن التاريخ يعيد نفسه، ونسمع ونقرأ أن الشعب قد فقد الحياة، وأنه في حاجة إلى إعادة الروح إليه من طرف داخل المعسكر، وطرف آخر يؤكد على أن ما يحتاجه الشعب المصري هو الوعي بما يحدث وزيادة وعيه. وهناك طرف ثالث يدعي أن ما يحتاجه الشعب المصري الآن هو الاصطفاف، أي الوقوف صفا واحدا.
 
 وكل طرف يؤكد وجهة نظره، ويستدل بالمواقف والأحداث التي تحدث خلال السنوات الثلاث الماضية، وفي نفس الوقت يسترجع أحداث كانون الثاني/ يناير 2011، ويقوم بالإسقاط عليها، مثلما برر البعض عدم نزول المصريين في ما أطلق عليه بثورة الغلابة، في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، بأن الشعب قد مات وأصبح بلا روح ولا يحس بما يعيش فيه من ظلم ويؤس. وهناك طرف آخر يؤكد أن مشكلة الشعب المصري وعدم مشاركته في الفعاليات المختلفة تعود لعدم وعيه بما يحيط به. لذلك فهم يرون أن المعركة التي يجب الاهتمام بها هي ما يُطلقون عليها معركة الوعي، وأنه إذا عاد الوعي وزاد فإننا سنجد الحراك الشعبي يتنامى وسيتحقق كسر الانقلاب ودحره.
 
 والطرف الأول يؤكد أن الشباب هم من سيعيد الروح للشعب ويوحده، كما فعل حورس مع أبيه أوزوريس، عندما قال له: انهض لقد جئت لأعيد إليك الحياة، كما في عودة الروح للحكيم. وبالتالي، يطالب أصحاب هذا الرأي بعودة الروح من خلال تركيز على ضرورة تسليم الراية للشباب حتى تعود الحياة إلى الشعب، بل ويطالبون قيادات كافة القوي والجماعات التي تنتمي لمعسكر الشرعية بأن تتنازل عن مسيولياتها وتتركها للشباب، وذلك لتصورهم أن الشيء المفقود هو الروح ولن تعود إلا من خلال حورس ممثلا في الشباب، ويحاولون فرض ذلك على كافة القوى بطوائفها المختلفة.
 
 أما أصحاب الرأي بعودة الوعي، فنجد مثلا القنوات الفضائية لسان حال هذا المعسكر بلا استثناء، وخصوصا البرامج الأساسية فيها التي تركز على أن مصر والشعب المصري في حاجة إلى الوعي، ويعتقدون أن هذا الشعب في غيبوبة ولا يدري بما يحدث حوله. وبالتالي، كل ما يقدمونه هو محاولة كشف ما يفعله رمز الانقلاب — ولا أقول قائده والذي يمكن أن يتغير في أي لحظة وبأي سبب — وفضحه وسبه بأي شكل وأي طريقة، حتى لو كانت غير منطقية. ودافعهم لذلك أنهم يقومون بمحاولة استرجاع الوعي المفقود للشعب، معتقدين أن عودة الوعي ستجعل المصريون يهبون وتتكرر أحداث كانون الثاني/ يناير 2011. ومن هنا، فإن هذا الطرف يرى أن المطلوب هو زيادة جرعات الوعي حتى يستوعب الشعب ما يدور حوله. وهذه الطائفة تؤكد على أنه إذا تم ذلك وزاد وعي الشعب المصري، فإنه سوف يتحرك ويثور ويسقط الانقلاب. وهناك طرف ثالث يدعو إلى ما يطلق عليه بالاصطفاف، وأن ما ينقص نجاح المنادين بالشرعية هو أنهم غير مصطفين وغير متحدين. وهذا البعض الثالث يؤكد أن الاصطفاف هو الشرط الضروري والكافي لتكرار أحداث عام 2011، وأنه إذا اصطفت القوى المعارضة للنظام الحاكم في مصر، فإنه سوف يسقط كما اصطفوا في 25 يناير وسقط حسنى مبارك، ولكن النظام العسكري الحاكم منذ 1952 لم يسقط ابدا.
 
 أتابع وأتأمل ما يصدر عن الأطراف المختلفة، وإصرار كل طرف على ما يطالب به، سواء كانت عودة الروح من خلال تمكين الشباب، أو عودة الوعي بزيادة الجرعات الإعلامية، أو بالاصطفاف المنشود والمطالبة بتشكيل الجمعية الوطنية المصرية للتأسي بالجمعية الوطنية للتغيير، والتي أسست عام 2010. والكل يجمع على أنه إذا تحقق ما ينادي به، فإن 25 يناير سوف يعود ويتكرر مرة أخري. وكأن أحداث 25 يناير كانت مشاهد تمثيلية معدة من قبل مخرج قام بتحضير الممثلين والمجموعات المساعدة ودربهم، وكان أغلبهم من الشباب، وقام بتوعيتهم من خلال نشر فضائح مبارك وأولاده وسرقتهم لأموال الشعب المصري — قيل 70 مليار دولار كما أعلنت صحيفة الجارديان البريطانية — وتهريبها للخارج، ثم جعلهم مصطفين معا صفا واحدا. وقام الجميع بأداء المشهد الرائع الذي وقعت أحداثه في 25 يناير 2011!
 
 وهنا أرجو ان تسمحوا لي بان أستطرد قليلا.. فلوا وافقنا أن مشهد 25 يناير 2011 قد تحقق نتيجة هذه العوامل، وانه إذا تكررت واجتمعت هذه المقومات مرة أخرى فسوف نشاهد نفس المشهد مرة أخرى، وكأننا نريد أن نسمع من يقول “مشهد 25 يناير ميدان التحرير كلا كيت ثاني مرة”، ولكن من المخرج الذي سيقول “آكشن” وأين هو؟
 
 بالتأكيد هناك شيء مفقود في الشعب المصري. وفي الحالة المصرية، فإن ما يحدث في مصر خلال السنوات الأخيرة، وخصوصا بعد الانقضاض على إرادة الشعب في تموز/ يوليو 2013، من قتل وتشريد وظلم وفساد واستخفاف بعقول المصريين؛ بلغ درجة كبيرة لم يسبقها من قبل في التاريخ المصري الحديث.
 
 أنا أعتقد، بل ومتيقن، بأن الشعب المصري من أكثر شعوب الأرض وعيا وإدراكا لما يتم حوله، وهذا نتيجة للخبرات الطويلة على مدى آلاف السنين، وبالتالي فهو لا يحتاج إلى عودة وعي. كما أنه شعب حي بمكوناته الديموغرافية المختلفة من رجال ونساء وشباب وفتيات وشيوخ وأطفال، ولا يحتاج إلى حورس ليعيد الروح فيه مرة أخرى. فنحن نرى كل مكون من هذه المكونات هو مكون حي، فنرى النساء والأمهات ودورهن الإبداعي في الحراك السائد منذ ثلاث سنوات، وكذلك الأطفال ونماذج حية نشاهدها كل يوم. إن كل مكون ديموغرافي من مكونات المجتمع المصري له دوره. فكما للشباب دور، فإن للشيوخ دور أيضا، وقد يكون أهم، وكذلك للمرأة وللرجل وللجميع. وأما الاصطفاف، فالاتحاد قوه ومطلوب دائما، والفرقة ضعف، وهي مذمومة، ولكن علينا مواجهة أنفسنا. ونتساءل: الاصطفاف على ماذا ومن أجل ماذا؟ فهل من الممكن أن يقف من كان يؤيد تمثيلية 30 حزيران/ يونيو ويدعي بأنها موجة ثورية ثانية بجانب من مات أبية أو أخيه أو ابنه من جراء هذه التمثيلية؟ هذا هو السؤال، وأعتقد أن الاصطفاف على سقوط الانقلاب (رأس النظام) لم تعد إجابة كافية كما كانت في عام 2011.
 
 أكرر أن الشعب المصري شعب واع بدرجة كبيرة، وأعتقد أنه من أذكى شعوب العالم، ولكنه شعب صبور وصبور جدا، ولا يقاس تفاعله مع الأحداث بعام أو اثنين، أو حتى بعقد من الزمن أو أكثر. حتى إن حكامه يتصورون أن الأمور قد دانت لهم ولأبنائهم من بعدهم، فيعيثون فسادا، ويعتقدون أنه لن يهب أو يثور. وهذا ما يدفع البعض للاعتقاد بأن الشعب المصري لا أمل فيه، وقد وصفه البعض من معسكر الشرعية بأنه شعب ميت. ولكن بدراسة تاريخ الشعب المصري، فإنني أوكد عكس ذلك، وأنه عند قيام العاصفة وتحدث هبته الحقيقية، فلا يستطيع أحد أن يوقفه، بل ويعمي حاكميه المستبدين، كما أنه يبهر العالم ويعتقدون أنه لم يصبر ولا دقيقة واحدة. من هنا فإنني أعتقد أن العودة المطلوبة والتي تساعد على أن يهب هذا الشعب العظيم هي العودة للإيمان الصادق والعودة إلى الله سبحانه وتعالى. وهذه العودة مطلوبة سواء للمسلمين أو للمسيحيين الصادقين الراغبين في حياة أفضل لهم وللأجيال القادمة من أبناء المسيحية أو الإسلام. كما أنه من الواجب على هذا الشعب ان يتحد ولا يتفرق، وهنا أذكر نفسي والجميع بقول الله عز وجل “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ? وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانا “الأية 103 سورة أل عمران.
 
 ولا يظنن أحد أن هذه العودة هي حل بعيد المدى، بل على العكس، فأنا على يقين بأن هذه العودة هي أقصر الطرق لتحقيق النصر المنشود والدائم. لقد تعلمنا قديما أن الخط المستقيم هو أقصر المسافات للوصول للهدف، والعودة إلى الله والإيمان الصادق سوف يوفر علينا التجارب العديدة وما نبذله فيها من وقت وجهد. قد يكون هو أصعب الطرق او اكثر الطرق وعورة ولكنه بالتأكيد هو الطريق الوحيد الذي يصل بنا إلى خط النهاية التي نريد. هذا بالإضافة إلى أن مجرد إخلاص النية للسير في هذا الطريق سوف يجعلنا نرى ثمرات الاختيار، وأنه كلما أوغلنا في الطريق كلما تضاعفت الثمار. ولا يظنن أحد أن هذه الأمور الإيمانية أشياء شخصية، وأن الأزمة التي نعيشها هي أزمة عامة، وذلك لأننا ننتمي إلى عقيدة وهوية وثقافة ما لله لله وما لقيصر لله أيضا. وعلينا أن نتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: “ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل”. ويؤكد نفس المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: “قل آمنت بالله ثم استقم”، وقوله عز وجل في سورة فصلت: “إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا”. إن العودة للإيمان الصادق وتطبيقه عمليا هي مسؤولية كل فرد فينا، ولكنها أيضا مسؤولية جماعية يعين بعضنا بعضا عليها. هذه هي العودة المطلوبة ليس بالنسبة للشعب المصري فقط ولكن لشعوب المنطقة التي تعاني الفتنة.
 
 كما أنني اعتقد أن النخبة المصرية، وخصوصا من هم ينتمون إلى معسكر الشرعية، في حاجة إلى عودة إضافية وهى عودة البصيرة، وذلك حتى يستطيعوا رؤية المشهد الذي نعيشه بجوانبه المختلفة وبصورة صحيحه متكاملة؛ لأنني حسب متابعتي أجد أن هذه النخبة على اختلاف توجهاتها وتعدد قواها لم تستطيع أن تقرأ أحداث يناير 2011، وما قبله وما بعده بصورة صحيحة، وبالتالي لم تستوعبها وتتعامل معها بالشكل الصحيح. إننا في الأمة نعيش مرحلة مخاض وما حدث في مدينة حلب الشهباء في الاشهر الماضية، وما يحدث في مدن إسلامية وعربية أخرى مؤشر لذلك. وإنني أدعوا الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعا لكي نعود العودة المطلوبة، سواء على المستوى الشعبي أو مستوى النخب، ليس فقط في مصر ولكن في كافة الدول العربية والإسلامية. والله تعالى أعلى وأعلم وهو ولى التوفيق.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.