قرار اليونيسكو والمسجد الأقصى

منير شفيق يكتب لـ عربي21: قرار اليونيسكو والمسجد الأقصى

قررت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) أن المسجد الأقصى إسلامي، كما قررت الحفاظ على التراث الثقافي العربي الفلسطيني لمدينة القدس. الأمر الذي ينفي أيّة علاقة لليهود بالمسجد الأقصى الذي يسمّونه “جبل الهيكل” أو بحائط البراق الذي يسمّونه “حائط المبكى”. وذلك باعتبارهما إسلاميين خالصين.
 
 وقد طالب القرار إسرائيل بوقف انتهاكاتها للمسجد الأقصى كما حفرياتها تحته، معتبراً حي المغاربة وباب المغاربة جزءاً من المسجد الأقصى. وذلك إلى جانب رفضها “إجراءات إسرائيلية” أحادية الجانب في القدس.
 
 أثار القرار جنون نتانياهو وصولاً إلى حزب العمل مروراً طبعاً بالقيادات الصهيونية كافة. لأنه يسهم في هدم السردية الصهيونية حول ما يسمى زوراً بجبل الهيكل وحائط المبكى. وقد وصلت أوهام نتنياهو وأكاذيب السردية الصهيونية إلى حد اعتبار “جبل الهيكل” و”حائط البراق” حقائق مسلماً بها كما هو الحال بالنسبة إلى سور الصين أو أهرامات مصر. مما يعطي مثالاً لكيفية تحوّل الأوهام إلى “حقائق”، أو الأيديولوجية الخرافية إلى “وقائع”، لا يمكن لعاقل إنكارها.
 
 وفي المقابل قوبل القرار من الكثيرين، وبحق، بأنه مهم للغاية ويجب اعتباره نصراً فلسطينياً على الباطل الصهيوني. وقد وصل الأمر بالبعض إلى نظم قصائد مديح بالمجلس التنفيدي في منظمة الـ”يونيسكو”.
 
 لا شك بأن القرار أحقّ حقاً وأبطل باطلاً، ولا شك في أنه جاء في توقيت شاعت فيه الأخبار غير السارة، أو المقلقة، أو المفزعة. الأمر الذي يفسّر جنون نتنياهو من جهة، ويفسّر، من جهة أخرى حماسة الذين صفقوا للقرار، وراحوا يبالغون بأهميته، ويعيدون الاعتبار (الذي تراجع كثيراً) بالنسبة إلى هيئة الأمم والمنظمات الدولية. وقد ذهب البعض إلى الحث على مواصلة الجهود الدولية لتحقيق “حلّ الدولتين” (التصفوي بامتياز).
 
 لنتنياهو كل الحق في أن يجنّ جنونه بسبب هذا القرار الذي أسهمت في إصداره دول عربية تتهافت لتعزيز العلاقات بدولة الكيان الصهيوني ضاربة عرض الحائط بالقضية الفلسطينية وشعبها، ومفرّطة بالأمن القومي العربي وبالمصالح والثوابت العربية والإسلامية العليا. وهو أمر يحتاج إلى توضيح، خصوصاً وأن تلك الدول لم تظهر أيّة بادرة بالتراجع عن التطبيع مع العدو الصهيوني أو التهافت على توثيق العلائق والاتصالات به. 
 
 الجواب ببساطة يرجع إلى حساسية المسجد الأقصى والقدس إذا ما أُثير موضوعهما، كما الحق الفلسطيني والعربي والإسلامي بهما، أو إذا أُثيرت الإجراءات التي تتخذها حكومة نتنياهو لتهويدهما. ومن ثم يجب ألاّ يُبْنى أيّ تفاؤل سياسي إزاء مواقف بعض الدول العربية المطبّعة وهي تصوّت إلى جانب قرار منظمة الـ”يونيسكو”. 
 
 ومع ذلك يجب ألاّ يُركن إلى مواقف الدول العربية التي ذهبت إلى تطبيع علاقاتها بالكيان الصهيوني وصولاً إلى عدم اعتباره العدو رقم واحد للأمّة العربية والإسلامية وأحرار العالم. بل يجب ألاّ يُركن إلى استمرارية مواقف عدد من الدول التي ضوّتت في مصلحة قرار الـ”يونيسكو” الخاص بالمسجد الأقصى وحائط البراق والقدس عموماً. وذلك لسبب بسيط يرجع أولاً لضعف مواقف الدول العربية المارة ذكرها، كما يرجع إلى الهزال العام الذي راح يضرب في الكثير من قيادات دول العالم الثالث، أو الدول الاشتراكية سابقاً. 
 
 وهنا لا بدّ من لفت الانتباه إلى المتغيّرات السلبية التي نجمت على مستوى غالبية دول هيئة الأمم المتحدة إزاء القضية الفلسطينية والموقف من الكيان الصهيوني. فقد انتهت معادلة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات التي سادت في الجمعية العامة في زمن حركة عدم الانحياز، وإلى حدّ أقل في زمن المعسكر الإشتراكي. وكان من ثمرة ذلك الزمن صدور قرار اعتبار الصهيونية عنصرية فضلاً عن القرارات التي استخدمت فيها الولايات المتحدة سلاح الفيتو في مصلحة الكيان الصهيوني أمام إدانته في مناسبات عدّة. 
 
 والغريب أن أمريكا كانت في تلك المرحلة في عزّ قوّتها وهيمنتها. ولكن كانت ثمة قوّة لا يُستهان بها في الوقت نفسه من جانب دول حركة عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية في مواجهة السياسات الصهيونية. 
 
 أما المتغيّر فقد بدأ مع المعاهدة المصرية — الصهيونية في 1979. ولكن بدايته كانت ضعيفة لتصبح أقوى في ما بعد، ولا سيما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وكارثة اتفاق أوسلو التي أسهمت بخروج دولة الكيان الصهيوني من عزلتها الدولية. فما دامت منظمة التحرير الفلسطينية ذهبت إلى الاعتراف به والتفاوض معه مع التنازل عن 80% من فلسطين بإعطاء شرعية لإقامة دولة الكيان الصهيوني. فلماذا لا تعترف الدول التي كانت لا تعترف بشرعيته ولماذا لا تعيد الدول علاقاتها به، وقد قطعتها نصرة لفلسطين؟ 
 
 هنا تقع الغرابة، وإن كانت قابلة للتفسير، إذ كيف يكون الكيان الصهيوني معزولاً ومنبوذاً عالمياً عدا من الدول الغربية، وفي زمن سطوة أمريكا على ميزان القوى العالمي، ويصبح مُعتَرفاً به ويخرج من عزلته في هذه المرحلة التي نعيشها الآن وقد تهاوت سطوة أمريكا وضعفت كثيرا؟ 
 
 الجواب ببساطة يعود من جهة إلى سياسات الصين والهند وروسيا التي ذهبت بعيداً في تعزيز علاقاتها بالكيان الصهيوني، كما يعود من جهة أخرى إلى ظاهرة هزال قيادات العالم الثالث وتهافتها وغرقها بالفساد حيث ولّى زمان قادة كبار أمثال جمال عبد الناصر ونهرو وتيتو وماوتسي تونغ وهوتشي منه ونيكروما وسيكوتوري وألليندي. 
 
 ولهذا يحق أن يقابَل قرار الـ”يونيسكو” بالترحيب والفرح. ولكن مع عدم السماح بالانقياد وراء السياسات التي تريد الرهان على هيئة الأمم المتحدة وقرارات منظماتها الدولية. فاليونيسكو والمنظمات الدولية يجب ألاّ يُركن للمعادلات التي تسودها حتى لو أفلتت بعض القرارات. فهي تقف فوق رمال متحركة بسبب هزال القيادات التي تسود بلدان العالم الثالث وبسبب ضعف الوضع العربي العام. الأمر الذي يفرض أن تركز كل الجهود على الصراع في الميدان حيث القول الفصل في إنقاذ المسجد الأقصى والقدس ودحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات من خلال الحفاظ على سلاح المقاومة في قطاع غزة كما من خلال دعم الانتفاضة في القدس والضفة والارتفاع بها إلى مستوى الانتفاضة الشعبية الشاملة والعصيان المدني طويلا الأمد حتى دحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات وإطلاق الأسرى وفك الحصار عن قطاع غزة، وبلا قيدٍ أو شرط. 
 
 ما تقدّم لا يعني عدم خوض المعارك السياسية والقانونية داخل هيئة الأمم والمنظمات الدولية. ولكن يجب ألاّ يُصار إلى الرهان عليها في إرساء حقنا الثابت في كل فلسطين وفي تقرير مصير الشعب الفلسطيني. فلا ينبغي لأحد أن ينسى قرار 181 لعام 1947 الذي شرعن، وبالباطل، لإعلان إقامة الكيان الصهيوني ضارباً عرض الحائط بالقانون الدولي وميثاق هيئة الأمم المتحدة. بل أن كل ما تلاه من قرارات انتزع، بهذا القدر أو ذاك، حقا فلسطينيا و”شرعن” لباطل صهيوني. 
 
 لهذا جاء الحديث عن الاعتراف بالقرارات الدولية أو القبول بما يُسمّى الشرعية الدولية في غير مصلحة الشعب الفلسطيني فيما القانون الدولي وحده ما يمكن الرجوع إليه لأنه يعتبر كل ما أحدثه الاستعمار البريطاني في فلسطين ابتداءً من وعد بلفور ومروراً بفرض الهجرة اليهودية وصولاً إلى إقامة الكيان الصهيوني باطلاً في باطل، وغير شرعي، فيما يُبقي الحق في تقرير المصير حصرياً للشعب الفلسطيني الذي كان يقيم في فلسطين يوم حدوث الاحتلال البريطاني الاستعماري في عام 1917. طبعا ولأبنائه وأحفاده مهما طال الزمن وكرسّت وقائع على الأرض.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.