ما شأنكم بأسنان الوزير؟

نزيه الأحدب يكتب لـ عربي21: ما شأنكم بأسنان الوزير؟

“لماذا لا تسعى قطر إلى رسم الابتسامة على وجوه الناس؟..”. عبارة رددها وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان في المؤتمر الصحافي الختامي لاجتماع دول حصار قطر في القاهرة، فكانت كافية لإشعال وسائل التواصل الاجتماعي بالسخرية من خطاب لا يتناسق مع جدية اللحظة والموقف. وتفنن المعلقون في إسقاطات حوّلت المطلب الإماراتي بالابتسام إلى موجات من الضحك لفت العالم.
 
 لكن من بين ما استخدمه المغردون من مواد فيلميه لإسقاطها على “تقليعة الابتسامة” مقطع من برنامج الأطفال التربوي والترفيهي الشهير “افتح يا سمسم” يظهر فيه عبد الله بن زايد وهو يجلس إلى جانب الأطفال يروي لهم قصة “سِنان ورحلة الأرقام”، وقد بدا الأطفال سعداء بمبادرة الوزير التي لبى فيها بالأساس دعوة وزيرة السعادة في الإمارات عهود الرومي. كذلك سخر كثيرون من أسنان الوزير بن زايد فانتقدوا شكلها الذي بحسب سخريتهم، لا يساعد على الابتسام..
 
 ليس من السهل الوقوع على وزير خارجية بهذا الضعف اللغوي الذي هو عليه الشيخ عبد الله، وليس متوفراً بكثرة هذا النوع من رؤساء الدبلوماسية الذين تخونهم البديهة ولا تسعفهم خبرة ولا يتكئون إلى فيض معرفي يدفع اللسان بما تتطلبه اللحظة من استحضارات.
 
 لكن في الوقت نفسه ليس من العيب أبداً أن يشارك وزير خارجية في برنامج يروي فيه للأطفال حكاية تربوية سيتذكرون عندما يكبرون راويها أكثر من الحكاية نفسها. فالتعامل العربي السائد مع الأطفال على أنهم بلا عقل أو إحساس أو حتى قيمة آنيّة، يشبه إقامة نصف وزن للمرأة بغير وجه حق أو ذوق. وربما تكون مشاركة الوزير في “افتح يا سمسم” أفضل بكثير من مشاركته في كثير من البرامج السياسية. وهي بلا شك أفضل من مشاركته في اجتماع القاهرة الأخير.
 
 أما بالنسبة لأسنان الوزير، فمن الحرام قبل المعيب أن يُعيَّر الإنسان بشكله مهما كان شكله، فالله سبحانه وتعالى هو الخالق وهو لا ينظر إلى صورنا بل إلى أعمالنا التي نقوم بها، أما أشكالنا فليست عملاً لنا، وعمليات التجميل هي الاستثناء وليست الأصل.
 
 ولِكثيرٍ من الناس أسباب تمنعهم عن أجراء عمليات تجميلية حتى للأسنان، فليس للآخرين أن يعيبوا الشيخ عبد الله لأنه لم “يركّب طقم أسنان تجعل ابتسامته جميلة” كما قالوا. بل لهُم أن يعيبوا مواقفه ومواقف دولته التي يرون فيها اعوجاجاً.
 
 السخرية سلاحٌ إعلامي فعال، لكن مثل أي سلاح فاستعماله متاحٌ بالاتجاهين الإيجابي والسلبي. وصاحب الفكر لا ينحرف عن الصواب بل يسدد دائماً في الاتجاه الصحيح، أما الغوغاء التي تبحث عن الضحك بغير حساب فهي موجودة في كل المجتمعات، لكن من الضرورة أن لا تتسلل إفرازاتها إلى وسائل الإعلام. فهذا أسنانه بشعة وذلك أنفه أفطس وغيره أذناه طويلتان، ولن تنتهي هذه اللعبة طالما أن للناس أعين ليست موصولة بعقول ناضجة.
 
 يُقال إن أعذب الشعر أكذبه، لكنهم يقولون أيضاً إن حبل الكذب قصير. فمن أراد التأثير بالناس على الدوام عليه أن يقول صدقاً وأدباً حتى لو سخريةً ولو على حساب جرعات إضافية من الضحك، فالأدب الساخر إن خرج عن الأدب، صار سخريةً بلا أدب..