لمن سنمنح أصواتنا في بلديات تونس 2017؟

نور الدين العلوي يكتب لـ عربي21: لمن سنمنح أصواتنا في بلديات تونس 2017؟

يتنادون إلى انتخابات أخرى، وسنقول لهم إن الانتخابات ليست غاية في ذاتها. سيقولون لنا انظروا سوريا وليبيا وانظروا قطر كمثال جديد وسنصمت خوفا من الحرب والحصار وسيفوزون في البلديات، ليواصلوا إعادة إنتاج المنظومة. 
 
 إن حالنا الديمقراطية مثيرة للحزن فنحن نتظاهر بالديمقراطية ونخوف أنفسنا من الحرب، فينتهي بنا الطريق إلى تغيير الدهن الخارجي للدولة، بينما تحتفظ منظومة الفساد والاستبداد (جوهر دولتنا ومكنونها الأجلى) بكل قدراتها على إفشال التحوّل الجذري نحو الديمقراطية بوسائل الديمقراطية، ومن وسائلها نعت هذا الخطاب بالتشاؤم، كي تظهر كاتبه كسولا عن الفعل ويبحث عن معجزات.
 
 أعلنوا أخيرا تاريخ إنجاز الانتخابات البلدية وربطوه بذكرى الثورة في السابع عشر من ديسمبر. 
 
 ونادوا الناس إلى تجديد انخراطهم في القوائم الانتخابية. 
 
 جميل هذا الربط، رغم ذلك مازال الخوف سيد التحاليل. بمن سندخل الانتخابات والطبقة السياسية والنخب لم تتغير بل تردت منذ آخر موعد انتخابي تشريعي في 2014؟ السؤال الذي يجب أن يسبق الانتخابات ماذا أعددنا لها من عدة ورجال؟
 
 مشهد سياسي جامد ويتراجع
 

 يقال والله أعلم، فليس لدي معطيات كمية، إن حزب النهضة هو الحزب الوحيد الذي حافظ على كيانه متماسكا منذ انتخابات 2014، بينما تفككت أغلب أو كل مكونات المشهد الحزبي. 
 حتى أن المرء يشك في استطلاعات الرأي التي تجرى مع أحزاب لا وجود لها في الواقع، لكنها تخرج في النتائج كموجودات فعلية. فيتكرس انطباع عام بزيف الاستطلاعات ونتائجها وكذب منجزيها.
 
 نجد حزب النداء (حزب الرئيس) الذي لم يعقد مؤتمره الأول منذ إعلان التأسيس سنة 2012 يأتي دوما حزبا أولا في الاستطلاعات، ولكن الحزب مفكك ونوابه في البرلمان مختصمون وسمعتهم في الحضيض أخلاقا وسلوكا. 
 
 وتعرض إلى انقسام طولي، فلم يعد الكتلة البرلمانية الأولى، رغم ذلك ما زال يحكم على أساس النتائج الأولى لا على أساس مصير الكتلة النيابية. 
 
 في الشارع، أغلقت أغلب مقراته لعجز عن دفع معينات الكراء، ويلتقي آخر أنصاره في المقاهي ويروجون لخلود حزبهم بلا مؤسسات.
 
 في الجهة اليسار، نجد الجبهة الشعبية تكرر الخطاب السبعيني ذاته، وتتشدد في القطيعة مع النهضة العدو الوحيد للجبهة. 
 
 ويبدو أنها تستبق البلديات لعجز عن الفوز بالدعوة إلى تشريعية سابقة لأوانها، دون مبرر واضح، ففشل الحكومة يحل عندها بمحو اللوحة كلها والبدء من صفر، ولكن بأي قوة ستدخل التشريعية إذا كانت عاجزة دون البلدية؟ 
 
 والجبهة في الأثناء لا تقدم لنا مبررات مقنعة لتجاوز المسار الحالي والقفز إلى التشريعية. للجبهة شعارات جميلة عن العدالة، ولكن ليس لديها مؤسسات حزبية وتمثيليات جهوية كثيفة إلا أن تكون تخفي قوتها الفعالة خشية الحسد.
 
 هذه الرؤوس الثلاثة البارزة في المشهد قبل ستة أشهر من الانتخابات البلدية: النهضة متماسكة أو متآكلة ولا ندري حقيقة الوضع الداخلي للحزب، وحزب النداء مشتت في الواقع ومتماسك في الاستطلاعات، والجبهة الشعبية اليسارية شعارات براقة ووجود منعدم. أما الطريق الثالثة فلم تولد بعد أو لعلها انعدمت.
 
 الرئيس المرزوقي لم يبن الخيار الثالث 
 

 هو الاحتمال المهدر. لقد خرج الرئيس السابق من الانتخابات الرئاسية منتصرا رغم خسارة المنصب. لقد حظي بأصوات صادقة لم يدفع فيها مالا قذرا. 
 
 وفي غمرة المعركة الانتخابية أعلن الرجل ميلاد حراك جديد وواعد بخيار ثالث خارج النداء والنهضة، ولكنه بعد سنتين من المناورات أعاد إنتاج حزبه القديم الذي لم يصمد بعد معركة التأسيسي سنة 2011. 
 
 بالوجوه السياسية المستهلكة ذاتها. لم يستقطب الحزب الجديد شخصيات وازنة ولا قدم برامج فعالة، بل لوائح عامة ومبادئ جميلة خرجت من خيال الرئيس دون أن يحولها أنصاره إلى كراسات قابلة للتنفيذ بعد وقد لا ينجحون أبدا. 
 
 فآليات الاستقطاب الحزبي العاملة الآن تبدو عاجزة دون تطوير قدرات الحزب الجديد بنخب وكفاءات فعالة وبعيدة عن التفكير الغنائمي. 
 
 وهي إلى ذلك فاشلة في إعادة ضم كل أنصار الرئيس الذين ساروا وراءه في الرئاسية تحت شعار “جيانك بلاش فلوس”. 
 
 والكراسات النظرية وحدها وإن كتبت لن تقدر على بناء حزب قوي دون أموال.
 
 مازال كثير من الناس يكنون للرئيس مودة صادقة ويرونه مرشحهم الوحيد لرئاسيات 2019، ولكن قبل ذلك كيف يدخل حراك المرزوقي (حزب الإرادة) البلديات، ويثبت وضعه حزبا قادرا على الفعل لا على التنظير، في ساحة مليئة بالشعارات، وينقصها الفعل المؤسس؟
 
 لم يستعد المرزوقي شقوق الحزب القديم التي انفصلت عنه، خاصة حزب التيار الديمقراطي، الذي يشتغل على استقطاب طبقة وسطى من الكوادر العالمية، ولا يحدث اختراقات شعبية. 
 ولم يفلح الحزبان منفصلين في توسيع دائرة الاستقطاب الشعبي العريض الضروري للانتخابات بلدية، وكونهما حزبي نخبة، يجعل بينهما وبين الناس سدا منيعا.
 
 يُستقبل المرزوقي في اجتماعات حزبه كأخ أكبر محبوب، ويحظى بثقة عالية عاطفية أكثر منها عقلا مؤسسا، فليس للرجل/ الحزب كوادر للترشيح في انتخابات تتطلب كوادر محلية. 
 وتأخر التأليف لانشغال مجموعة إعادة التأسيس في صراعات تحتية لاستعادة المواقع حول الرئيس. 
 
 ويبدو أن هذه الإعاقة القديمة التي فككت الحزب قد عادت بكل أعراضها في المجموعة الجديدة، بما يجعل حزب الإرادة خارج موقع الطريق الثالث المأمول منه أن يحقق دور الحكم بين الحزبين القويين المؤهلين، رغم عوائقهما للسيطرة على البلديات.
 
 نقول هذا رغم فضل مجموعة حزب المؤتمر من أجل الجمهورية في المجلس التأسيسي في فرض الباب السابع من الدستور، التي فتحت الباب القانوني لتفكيك مركزية السلطة وتأسيس الحكم المحلي. ولكنه استثمار انتهى في ورقة الدستور ولم يخرج منه بعد.
 إذن لمن سنمنح أصواتنا؟
 
 حيرة حقيقة لقطاع واسع من المتحمسين للثورة وأنصارها والمؤمنين بها، أو المؤملين منها خيرا، فالنهضة لم تعد حزبا شعبيا مثلما ما كان عليه سنة 2011 فحساباته الخاصة غالبت حساباته الوطنية، حتى ليظن المرء أن الحزب يصغّر نفسه لكي لا يجابه مشاق الحكم في هذه المرحلة، فضلا عن أن بخار خصوماته الداخلية المتعلقة بالتموقع والغنيمة يخرج للعلن وتقلص مستويات الثقة في كوادره. 
 
 أما حزب النداء، فلم يكن يوما حزبا شعبيا، ولولا لمال الفاسد ما أفلح في تجميع أطرافه، وهي أطراف تدور حوله بقدر ما يمنح من غنائم. 
 
 والجبهة الشعبية، تيار أيديولوجي يعيش من معركته مع النهضة (الحزب الإسلامي) أكثر من معاركه من أجل الشعب المفقر، ولا طريق ثالث يمكن أن يجمع حول البلديات. 
 
 ستظهر قائمات انتخابية مستقلة خارج كل التيارات، ولكنها ستفتقد إلى المال والجاه والتجربة، مثلها مثل قائمات مستقلة تقدمت للتأسيسي وفشلت كلها.
 
 هذه الحيرة تتفاقم مع حرص المتحزبين على التسجيل الانتخابي دون تقديم برامج ولوائح ورؤى لإدارة بلديات مهملة منذ سنوات الثورة. 
 
 هل تتنظر معجزة؟ المجال ليس مجال معجزات فنحن نظريا نتجه إلى بناء دولة مدنية وعمليا نحن نراوح في الفقر السياسي والتصحر النخبوي. 
 
 وقبل ستة أشهر من الانتخابات يبدو النكوص عن الصندوق غالبا على الكثيرين. وسينتهي الأمر إلى تسليم البلد إلى حكامه القدامى، فالجدد المتقدمون للحكم المحلي ليسوا أفضل ممن سبقهم، وحديث النوايا الطيبة لا يكفي لإدارة بلدية صغيرة. 
 
 اللوحة سوداء بائسة، لكنها حقيقية وفاجعة. قولوا لنا إن الوضع هنا أفضل من سوريا. نحن مقتنعون بعد، ولكنكم لستم أفضل من نظام بشار، إنما عازتكم وسائل القتل.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.