من نحن وماذا نريد: منطلقات الحركات الإسلامية تحت المجهر  (2)

هاني الديب يكتب لـ عربي21: من نحن وماذا نريد: منطلقات الحركات الإسلامية تحت المجهر (2)

الآليات والوسائل
 
 
إن معرفة الآلية ووضوح كيفية الوصول إلى الهدف؛ تحوز على نفس أهمية وضوح الهدف. لقد بات من المعلوم من السياسة بالضرورة — حتى الآن — أن الوصول إلى السلطة دول العالم الثالث والمحافظة عليها لا تتم إلا من خلال الجيوش أو القوى المسلحة، ولا فرق في هذا بين دولة ذات غالبية مسلمة أو غير مسلمة، فطبيعة التخلف واحد. فلم نجد فرقا جوهريا بين محاولات تغيير السلطة في غالب جمهوريات الموز ودول أفريقيا، لا فرق بين شمالها أو وسطها، وبالتالي لو كان الوصول إلى الحكم ليس غاية وإنما وسيلة رئيسية لتحقيق أهداف أي حركة، فإن عدم حيازة أدواتها في هكذا بيئة متخلفة يصبح ضربا من العبث.
 
 وهنا تأتي جملة من الأسئلة من قبيل: هل يعتبر الوصول إلى الحكم كطريق لتحقيق الأهداف أو لنصرة الإسلام واجبا شرعيا بغض النظر عما يترتب عل هذا الوصول أو السعي إليه؟ وهل يصبح العنف بمقتضى ذلك الوضع المتخلف أعلاه طريقا لفرض رؤية أو فكر أو توجه أو انتزاع شرعية الوجود؟ إلى أي مدى يصلح ذلك في أجواء التخلف والجهل التي انقلبت فيها الحقائق وغابت الكثير من البديهيات؟ وماذا لو قام مخالف يرفع نفس الشعار أو الهدف لكنه يعارض من وصل إلى السلطة بنفس الوسيلة؟
 
 في جل مراحل التاريخ السياسي للأمة، بل في أكثر عصورها ازدهارا، كان تداول السلطة جبريا أو حكما وراثيا أو انقلابا عسكريا، فهل هذا ما تنشده الحركات الإسلامية اليوم؟
 
 أم هل يقتصر دور الحركات الإسلامية على نشر الوعي وتربية المجتمع بعيدا عن العمل السياسي برمته؟ ليتحمل الشعب مسؤوليته التشاركية في كيفية تداول السلطة؟ أم أن كل الشعوب تحتاج إلىوصاية وعلى الحركات الإسلامية أن تكون دوما في صدارة المشهد بغض النظر عن ضريبة ذلك؟
 
 يقابل ذلك سؤال آخر: ترى هل تتصادم هذه الأنظمة مع الحركات الإسلامية أو تعاديها لمجرد كونها إسلامية؟ أم لأنها تخشى من منافستها في السلطة، وتتخوف من تنبيه الناس لحقوقهم كبشر مقابل فساد المستبد؟ وهل ترك منازعتها جائز شرعا؟ وهل يشكل هذا السؤال في ذاته أي فارق في رؤية الحركات الإسلامية للأنظمة الحاكمة؟
 
 وهل الوجود الديكوري في إطار أنظمة مستبدة، تتخذ من تلك الحركات الإسلامية مجرد كومبارس فتتحرك في حدود المسموح من قبل السلطة ممثلة في الرئيس أو الملك أو الأمير، فهل هذا يعتبر هدفا لتلك الحركات، أم نافذة تستخدم بحجة خدمة المجتمع، وتستعمل متي فتحت وبأي قدر كان، وفي أوقات التضييق حين تستبدل نوافذ السلطة بفتحات الزنازين فلا بأس، إذن أبناء هذا الطريق يعشقون المحن لأنها دأب الدعاة وضريبة المصلحين، وبالتالي تتحول المِحنة في ذاتها إلى هدف يتوارثه جيل بعد جيل؟
 
 لكي تتسم الأهداف المرحلية بالواقعية كذلك، فلا بد أن تكون على ذات النسق العلمي أو المنهجي، لتأتي محددة واضحة ضمن إطار زمني معين وقابلة للقياس. فحين تحدد حركة إسلامية في الغرب- مثلا — أن هدفها إيصال صورة الإسلام الحقيقية للمجتمع، بعيدا عن تشويه الإعلام والدعاية السلبية المغرضة، فعليها أن تحدد كم النسبة التي تستهدفها من هذا المجتمع كي تصل إليه تلك الصورة عموما، وفي أي إطار زمني، وكيف تقيس هذه النسبة في متابعتها وتقييمها للسعي نحو تحقيق الهدف.
 
 وحين تحدد حركة آلياتها ببناء الفرد والأسرة والمجتمع والحكومة والدولة والخلافة الإسلامية فهل هذه آليات متوالية أم متوازية؟ وما مدي التقاطع بينها؟ وماذا تعني الحكومة المسلمة؟ هل من يحمل أعضاؤها فكر الحركة؟ أم هم من يطبقون القيم الاسلامية من حرية وعدل وكرامة بغض النظر حتي عن دينهم؟ وهل مفهوم الخلافة المعروف تاريخيا هو ما تسعي إليه هذه الحركة من وجود خليفة في دولة ما يبايعه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ويعين الولاة في الأمصار؟ أم الهدف هو نوع من التعاون والتنسيق بين تلك الدول بما يحقق مصلحة شعوبها ؟ وإذا كان الأخيرهو المقصود فلماذا لا تتغير هذه الأدبيات لتتوافق مع الواقع المأمول؟ 
 
 لعل جلّ إحباط أي حراك على اختلاف طبيعته أو هدفه يأتي من عدم وضوح الأهداف وآليات تحقيقها، فتعيش حينها أجيال ما شاء الله لها، ثم تغادر هذه الحياة دون أن تشعر أنها حققت نجاحا ملموسا على أي صعيد.
 
 يتبع …

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.