من نحن وماذا نريد: منطلقات الحركات الإسلامية تحت المجهر (6)

هاني الديب يكتب لـ عربي21: من نحن وماذا نريد: منطلقات الحركات الإسلامية تحت المجهر (6)

شمولية الفكرة وشمولية التنظيم
 
 كان أكبر إنجاز تحقق في القرن الماضي أن عادت فكرة شمولية الإسلام إلى حياة المسلمين، بعد ما غيبت لزمن بعيد. وكان من رواد عودة هذا الفكر السنوسي، جمال الدين الأفغاني، وتلاميذه محمد عبده رشيد رضا وحسن البنّا. ولعل كثيرا ممن يتحدثون عنها ينسبونها للإمام البنّا وحده، وهي مخالفة للحقيقة، لكن البنّا أنشأ تنظيما يحمل الفكرة. ونادت تلك المدرسة بتحقيق عملية إصلاح شامل لمختلف جوانب الحياة، وربط مناهج التعليم بواقع المجتمع ومتطلبات الناس، في ظل محاولات تفكيك الإسلام وتجزئته.
 
 وقد استمرت جهود اللاحقين من رموز الإصلاح في بلورة مفهوم الشمولية وتأصيله وتأطيره، حتى أصبح عموم المسلمين في العالم الآن يؤمنون أن الإسلام ليس رسالة لاهوتية روحانية محصورة في ضمير الفرد أو محصورة في المسجد فقط، إنما هو رسالة تشمل كل جوانب الحياة مصداقا لقول الله عز وجل {ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ}. هذا التبيان كان تفصيليا في بعض الأمور كالميراث والزواج، وكان عناوين في بعضها مثل الشوري والحكم وفي كل له حكمة.
 
 الحقيقة التي لا تنكر أيضا أن كل تنظيم يتأثر في نشأته بالأدبيات الأساسية له. فحين نسمع عن حزب الخضر، مثلا، فبلا شك ستصبح البيئة ورعايتها في صلب اهتمامات هذا الحزب. وحين ينشأ تنظيم ليعيد فكرة الشمولية مثلا، فهو لا إراديا يتحول نفسه إلي تنظيم شمولي.
 
 وأزعم أنه قد حدث خلط بين شمول الإسلام وبين شمول التنظيم. فالإسلام دين ودولة لكن التنظيم ليس كذلك والإسلام مصحف وسيف والتنظيم لا ينبغي أن يعكس كل ذلك. الشاهد أن شمولية الإسلام لا تعني شمولية الوسيلة (التنظيم) ولا شمولية القيادة. هناك فرق شاسع بين الإسلام كدين شامل، وبين الدول التي قد تحمل جزءا — كبر أم صغر — من الإسلام، وبين التنظيمات الإسلامية والتي لا تعدو عن كونها جزءا من دولة أو فصيلا في وطن.
 
 هذا يعود بنا إلى السؤال الأول: أيهما أهم وأولى؛ الفكرة والمشروع أم التنظيم؟ وهل كانت الفكرة والمشروع بداية ثم تأسست التنظيمات لحمل الفكرة والمشروع؟ أم أن الحركات الإسلامية نشأت كتنظيمات ثم بدأت تبحث لها عن أفكار تحملها؟ وإذا كانت الفكرة والمشروع هما الأساس، فينبغي أن تكون كل التنظيمات تصب في مصلحة الفكرة لا أن يحتكر التنظيم الفكرة. الحركة اليمينية المتطرفة التي تجتاح العالم الغربي الآن، مثلا، لها هيئات اجتماعية ونوادٍ رياضية ونوافذ إعلامية وأحزابا سياسية، تخدم كلها نفس الفكرة دون وجود رابط تنظيمي بينها.
 
 التخصصية سمة العصر:
 

 نحن في عصر التخصصات، بل وتخصص التخصصات، ومن ثم يصبح من العبث أن تؤسس تنظيما له عمل اجتماعي لا يشق له غبار، وتواجد مسجدي لا يعلى عليه، وعمل نقابي لا يبارى، ومشروعات تجارية هي عنوان النجاح.. ووووو.. نعم لقد كان رسول الله عليه السلام إمام الصلاة، وإمام الحكم، والقاضي، والقائد العسكري والمفتي.. ولكنه كان أولا، وقبل كل شيء رسول الله، وكان يعهد في كل أمر إلى أصحاب الكفاءة والخبرة فيه، وليس أصحاب السبق في الإسلام أو أكثرهم التزاما.
 
 الملكية والتشاركية:
 

 تغلب على كثير من الحركات الإسلامية نزعة الملكية، أو ما يمكن أن نسميه “الرأسمالية الدعوية”، فتنشئ دور أيتام ترعاها، ومستشفيات خيرية خاصة بها، ومنابر إعلامية تتحكم فيها، وكيانات اقتصادية ربحية تديرها، ولربما كان الأمثل طريقة والأفضل لها ولمجتمعاتها أن تكون تشاركية، فَلَو وجد مستشفى خيري صغير في مدينة ما. فالأصل أن تشارك التنظيمات الإسلامية كلها فيه، لتجعله أكبر وأحدث وأنفع، بدلاً من أن تسعي كل جماعة لإقامة مشاف خاصة بها، بل يفتح المجال لغيرهم ليسهم فيه فيكون ملكية تشاركية عامة لهم فيها فضل السبق، وتفيد المجتمع ككل فيحافظ عليها باعتبارها له لا لفئة منه، وإضافة لما سيوجده ذلك من تعاون وانفتاح على الآخر، فإنه يجذر هذه المؤسسات المجتمعية ويستفيد من طاقات كل المجتمع بدلا من طاقات كل التنظيم!! بما يعنيه الأخير في المجال المجتمعي من حواجز أو تعريض لشبهة حب التملك والسيطرة لأهداف خاصة. وقد شهدت مثالا لدار أيتام لا تريد حركة إسلامية المشاركة فيها لأن القائمة عليها غير محجبة، أو لأن بعض العاملين فيها لا يكنون ودا لهذه الحركة وأفكارها! فكم تضيّع مثل تلك المواقف المنغلقة من فرص وتهدر من طاقات وجهود.
 
 شمولية القيادة:
 
 بما أن التنظيمات الإسلامية ليست دولا، فإني لقيادة التنظيم أن تحيط علما وتخصصا بكل مجالات الحياة من سياسة واقتصاد إلى إعلام إلي دعوة وتربية ومن ثم عمل خيري ومجتمعي!!! بعض هذه التنظيمات يريد لقيادة- صغرت عددا أو كبرت — أن تدير كل هذه المؤسسات والمشروعات في كل المجالات!! والأكيد أن وجود هكذا قيادة في تنظيم محدود لهو ضرب من المستحيل، وربما يمكن الاستدراك على هذا الخلط بالقول إنها “شمولية الفكرة وتخصصية التطبيق”، وعدا ذلك يصبح من قبيل “العبث المنظّم”.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.