لو كان المسيري حيا بيننا

هاني بشر يكتب لـ عربي21: لو كان المسيري حيا بيننا

المعارك دائما في الصراع العربي الإسرائيلي جولات كر وفر. وهي معارك تقودها الشعوب أكثر ما تقودها الأنظمة. وهذه الأخيرة لا تخوض أية مواجهات مع إسرائيل إلا مضطرة، وأحيانا مكرهة تحت ضغط شعبي كبير وفي مناخ غير ديموقراطي. ينطبق هذا على الساحات العسكرية والسياسية والاقتصادية وأيضا الفكرية. وحين نتحدث عن المعارك، لا نتحدث عن عنتريات وخطب رنانة بقدر ما نتحدث عن توازن حقيقي في القوى وفعل ملموس له قيمة. ويعد المفكر الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري أبرز الأسماء في الإنتاج المعرفي العربي فيما يتعلق بإسرائيل والذي خاض معركة وعي فكري لعدة عقود عكف خلالها على صك نظريات فلسفية تشرح الصهيونية من دون استخفاف أو تهويل في موسوعته الشهيرة اليهود واليهودية والصهيونية.
 
 قبل وفاته بنحو عشرة أعوام قابلته في إحدى حفلات الإفطار الرمضانية بالقاهرة وكنت سمعت عن خبر مرضه. سألته عن صحته، فأجاب بأن الأطباء شخصوا مرضه بالسرطان وقالوا بأنه ربما سيعيش بين 10 و 15 سنة سيحاول إنجاز ما يستطيع من إنتاج فكري خلالها. ويبدو أن طاقته الفكرية وطموحه كان أكبر من هذا الحيز الزمني، إذ قابلته قبل وفاته بأشهر وأخبرني أنه وضع تصورا لمركز دراسات جديد يبحث له عن تمويل. وللأسف غابت الفكرة مع موته بعد ذلك. 
 
 الواقع العربي والإسلامي الحالي يحتاج كثيرا لجهود المسيري ولو كان حيا بيننا لكانت له ربما جهود مميزة في كثير من الملفات الساخنة. وأولى هذه الملفات هو ملف الثورات العربية الذي كان أحد الذين تصدروا الاحتجاجات التي سبقتها عبر توليه منصب منسق حركة كفاية وهي المظلة التي انضوت تحتها كافة القوى السياسية المصرية. لقد قرر المسيري في نهاية حياته أن يخوض النضال السياسي المباشر عبر بوابة حركة كفاية وانضمامه لحزب الوسط المصري، ولكن حالت وفاته دون إتمامه لهذه التجربة ولا تزال بصماته حاضرة على الساحة السياسية المصرية رغم ما تشهده من كوارث. 
 
 أما الملف الثاني فهو الاستقطاب الإسلامي العلماني الذي اشتعل بعد انقلاب 3 يوليو 2013 في مصر وهو استقطاب منبعه سياسي لكنه لا يقوم على أية أسس فكرية راسخة. وكان للمسيري جهود في تفكيك مفهوم العلمانية المعاصرة لأن التطبيقات الحالية للعلمانية تتجاوز المفهوم الكلاسيكي لها في القرن التاسع عشر والذي كان يدور في فلك فصل الدين عن الدولة فقط قبل أن يكون للدولة أذرع إعلامية وتربوية. إذ يفرق بين العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية، فالعلمانية الشاملة بحسب نظرة المسيري هي “رؤية شاملة للكون بكل مستوياته ومجالاته، لا تفصل الدين عن الدولة وعن بعض جوانب الحياة العامة وحسب، وإنما تفصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن كل جوانب الحياة العامة في بادئ الأمر، ثم عن كل جوانب الحياة الخاصة في نهايته.” أما العلمانية الجزئية فهي العلمانية الإنسانية أو الأخلاقية التي تصمت أمام دور الدين والأخلاق في بقية المساحات. 
 
 وقد فصَّل نظريته تلك في كتاب شهير يحمل اسم “العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية” داعيا لعدم تبسيط واختزال مسألة العلمانية في مجرد ممارسات معينة مثل الإباحية وإنما ينبغي تحديد مستويات العلمنة الحقيقة. فقد ينص دستور بلد ما مثلا على أنه إسلامي وأن الشريعة هي مصدر تشريعاته في حيت تكون معدلات العلمنة فيه أعلى من دستور بلد آخر ليس بالضرورة إسلاميا ولكن معظم سكانه بعيدون عن آليات العلمنة الشاملة. 
 
 الملف الثالث يتعلق بموجة التمدد الجديدة للمشروع الصهيوني في المنطقة والأحاديث السرية والعلنية عن تصفية للقضية الفلسطينية. فلو كان المسيري حيا لأعاد التذكير بالخلفيات الاستعمارية والعنصرية للمشروع الصهيوني وأنه مشروع ضد الإنسان بالأساس وغير قابل لأن يكون حليفا لأية نهضة عربية حقيقية. ويحسب للمسيري أنه أعاد تموضع اليهود في إطارهم الديني والإنساني في هذا المشروع بعيدا عن أية أساطير غير حقيقية. وبناء عليه، يستطيع الذين يقاومون المشروع الصهيوني في طبعاته السابقة أو التي قيد النشر حاليا أن يستندوا إلى مرجعية فكرية رصينة تمكنهم فهم عميق للظاهرة الاستعمارية في نسختها الصهيونية مهما غيرت من جلدها.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.