الجيش والانعطافات الكبرى (عرابي نموذجا)

هشام الحمامي يكتب لـ عربي21: الجيش والانعطافات الكبرى (عرابي نموذجا)

منذ تأسيس محمد علي للجيش المصري عام 1820م وحتى يومنا هذا سنجد أن هذا الجيش الكبير كان حاضرا بقوة في الانعطافات الكبرى في تاريخ مصر والمنطقة العربية، والشواهد التاريخية علي ذلك كثيرة، معاهدة 1840 التي أسست لحكم الأسرة العلوية كانت من نتائج حركة الجيش الذى شارف حدود الأستانة، الاحتلال الانجليزي 1882 كان من نتائج حركة الجيش. خلع الأسرة العلوية 1952م كان من نتائج حركة الجيش، تعملق إسرائيل وتسيدها كان من نتائج حركة الجيش 1967م، والأمثلة عديدة في حقيقة الأمر وتتباين في نتائجها وأثارها، أشير أيضا ان كتابة التاريخ ودراسته واستخلاص نتائجه تتم عادة بعد غياب أهم شيء في صنع أى حدث، وهو سياقه وظروفه وزمنه ثم إن الحكم علي هذه التحركات مثله مثل الحكم علي أى حدث تاريخى كبير لن يخلو بحال من الأحوال من(الميول الذاتية).
 
 فى هذه الأيام وفي ذكرى حرب أكتوبر 1973م التى كانت نتاجا طبيعيا لحرب يونيو 1967م التى كان نتاجا طبيعيا لحركة الجيش في 1952م التي كانت نتاجا لحركة عرابي 1882، التي كان لها أثر كبير يدعونا للوقوف عليه قليلا اعتبارا وتبصرا …(وهو موضوع المقال). كل هذه التداعيات تدعونا للتأمل في كل تلك الأحداث والحكايات التي وراء تلك الأحداث، ناهيك طبعا عن ما حدث في 25/1/ 2011 و30/6/2013 وما تلا كل ذلك من أحداث ضخمة بالغة التأثير في المجال الاجتماعي والفكري والسياسي
 
 سيكون علينا ان نتذكر دائما أن التاريخ مليء بالحروب و المعارك والانتصارات والانكسارات ومواقف الشرف والنصرة ومواقف الخيانة والخذلان، وأن هناك انتصارات رسخت أمم بحدودها الجغرافية وقيمها الفكرية والحضارية ومصالحها الإستراتيجية، وهناك هزائم خلخلت أمم وأسست بنفسيه الهزيمة وتوابع الهزيمة لما بعدها، من تلك الهزائم هزيمة عرابي في (التل الكبير) والتي أسست للاستعمار البريطاني في مصر والشرق العربي كله والذي أدي إلى استيلاء بريطانيا علي فلسطين في الحرب العالمية الأولي‏‏ ثم أدي بعد ذلك إلى وعد بلفور وإقامة دولة يهودية في فلسطين، ولو أن عرابي كان قد قدر له ان ينتصر في عام‏1882‏ كما انتصر المصري من قبل علي حملة فريزر لتغير ميزان القوي في المنطقة العربية كلها‏..
 
 هناك آراء تقول أن بدايات التمرد داخل الجيش المصري والتي انتهت إلى ما انتهت إليه تم الافاده منها وتوجيهها في الاتجاه المراد؟ بحيث مثلت ذريعة قويه للجيش البريطاني باحتلال مصر والبقاء بها ثمانون عاما..والانجليز بطبائعهم الموروثة أساطين في المكر والتلاعب بالأحداث وتوجيه مسارها ..وهو ما كاد يجمع عليه كل من اشترك فيها وأرخ لها فيما بعد، من البارودي إلى الشيخ الإمام محمد عبده وقاده الجيش الكبار أمثال عبد العال حلمي وعلى فهمي، غير أننا لا نستطيع أن نغفل أن مجموعة كبيره من رجالات الأمة وأعيانها دعموا هذا التمرد وساندوه، ففي 22 يوليو 1882 م عُقِد اجتماع في وزارة الداخلية حضره نحو خمسمائة فرد من أعيان الأمة يتقدمهم شيخ الأزهر وقاضي قضاة مصر ومفتيها ونقيب الأشراف وبطريرك الأقباط وحاخام اليهود والنواب والقضاة والمفتشون ومديرو المديريات وكبار الأعيان وكثير من العمد فضلا عن ثلاثة من أمراء الأسرة الحاكمة. وهو ما يعنى ان المناخ السياسي العام في البلاد كان مهيئا لقبول تحرك ما ضد الأوضاع القائمة.
 
 في هذا الاجتماع أفتى ثلاثة من كبار شيوخ الأزهر وهم الشيخ عليش والشيخ العدوي والشيخ الخلفاوي، بمروق الخديوي عن الدين لانحيازه إلى الجيش المحارب لبلاده وبعد مداولة الرأي أصدرت الجمعية قرارها بعدم عزل عرابي عن منصبه- وهو القرار الذي كان الخديوي توفيق قد أصدره — ووقف أوامر الخديوي ونظّاره وعدم تنفيذها لخروجه عن الشرع الحنيف والقانون المنيف.
 
 لا يمكن اعتبار كل هؤلاء بالمغررين الأحداث، لكن المؤكد في كل ذلك أن عرابي لم يكن هو فارس هذه الثورة ورجلها المختار، وهو ما تؤيده الأحداث سواء في الأيام الأولى للهزيمة في الإسكندرية أو يوم العار الأكبر في التل الكبير، لندع خيانة علي يوسف خنفس- الشهيرة — جانبا ونتساءل عن عدم استماعه لعدد القادة بضرورة غلق قناة السويس حتى لا يستفيد منها الانجليز فلا يفعل..!؟ ويستمع بمنتهى البراءة لقول ديليسبس بان القناة محايدة ولن يجرؤ الانجليز علي استخدامها في وقت الحرب ولكنهم استخدموها!! نتساءل عن قائد الثورة الذي يعقد قران ابنه في معسكر التل الكبير والانجليز علي الأبواب، !ونتساءل عن القائد الذي يصغى السمع خادمه وهو يرجوه أن يفر وينجو بروحه فيسمع لنصحه ويهرب مع الهاربين بدلا من أن يموت شهيدا بين جنوده و قواده، (وطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم..) ناهيك عن تسليمه سيفه للقائد الانجليزي علي أبواب القاهرة..(كيف حملت العار ثم مشيت دون أن اقتل نفسي دون أن انهار).
 
 ثم يأبى التاريخ إلا أن يسجل له أسود الصفحات بدأ من محاكمته، وحتى عودته من منفاه وتصريحه لجريده المقطم في أكتوبر 1903 (نشكر الذين نازلناهم في ساحة القتال وكانوا لنا أعداء فصاروا لمصر خير الأصدقاء) قاصدا الاحتلال البريطاني غير كم الرسائل التى أرسلها لكل الدنيا يشهد ويقر فيها علي نفسه انه كان مخطئا وان الانجليز كانوا علي صواب مبتغيا من وراء ذلك أن يعيش(حياه) ستنتهى ولو عُمِر مثل ما عَمر نوح وسيبقى ذكر ما كان فيها إن كان شرفا فشرف وان كان ذلاً فذل، يقول الرافعي في كتابه عن الثورة العرابية (لقد انتقدت في كتابي ما جري في التل الكبير من تجاوزات وأخذت علي عرابي تسليمه سيفه للقائد البريطاني وكنت أتمني لو أنه استشهد في المعركة‏ وأخذت عليه موقفه الضعيف المتخاذل في المحاكمة) مصطفي كامل كتب سلسلة من المقالات في جريدة اللواء في‏سبتمبر‏1901‏ جاء فيها‏:‏ عار أكبر وأشهر من عار، رجل تهور جبانا واندفع جاهلا وساق أمته إلى هوة الموت الأدبي والاستعباد الثقيل ثم فر هاربا من ميادين القتال وكتب أحمد شوقي يهاجمه بقصيدة مشهورة جاء فيها‏:‏صغار في الذهاب والإياب** أهذا كل شأنك ياعرابي..وكذلك فعل البارودي وغيرهم,
 
 سيأتي بعذ ذلك المفكر والشاعر والمؤرخ ا/ محمود الخفيف ( أحد أساتذة المستشار طارق البشرى كما قال لي في المدرسة الإبراهيمية الثانوية) ليكتب كتابا هاما بعنوان (احمد عرابى الزعيم المفترى علية) يستحضر فيه المشهد النضالي الذي خاضه عرابي ضد الإنجليز وضد الخديوي توفيق والمعارك التي خاضها في كفر الدوار و الهزيمة المرة في التل الكبير، تلك المعركة التي جسدت الخيانة تجسيدا كما يقول_ وفي تحويلِ رحى الحرب من النصر إلى الهزيمة وكيف تُأْسرَ الزعامة بين قضبان الخيانة.. وهو عكس كل ما قيل وكتب عن (حركة عرابى والجيش).
 
 ألم أقل أولا أن أي حدث تاريخى كبير لن يخلو بحال من الأحوال من(الميول الذاتية)، كلنا ذاتيين بدرجة من الدرجات.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.