الفارابى و(جمهورية) لم تأت بعد

هشام الحمامي يكتب لـ عربي21: الفارابى و(جمهورية) لم تأت بعد

إذ كانت الجمهورية ارتبطت بالجماهير والديمقراطية فان الديمقراطية قد ارتبطت أكثر بالمال والإعلام، وما يمثله الاثنان في دنيا الهيمنة والسيطرة والتلاعب بالعقول , وهو ما يجعل البشرية على نصل سكين حاد فيما يتعلق بمعضلة السلطة والإنسان, خاصة ونحن نرى كيف يمارس التضليل والتلاعب بالعقول عبر الإعلام بكل أدواته والقصة في النهاية قصة إنسان يتكون لديه وعى عن طريق رسائل مكررة تحمل فكرة مكررة ويتكرر ذلك كل يوم مع لبن الصباح وشاي المساء كما يقولون ,الديمقراطية والانتخاب والجمهورية ما هي إلا محصلة صوت هذا الإنسان مضروبا في ملايين , ما يضع الإنسانية كلها أمام محك السؤال الأخطر ان لم يكن الأسوأ, عن ما جدوى هذه الديمقراطية التي تصنع لنا كل يوم جمهوريات الخوف والخداع .
 
 والجمهورية حلم قديم للبشر تحدث عنه الكثير من الفلاسفة والمفكرين اشهرهم بالطبع أفلاطون الذى تحدث في جمهوريته الشهيرة 380 ق.م عن العدالة والنظام والدولة العادلة والإنسان العادل لكنها تبقى ذات طابع طبقي بعيد عن اللٌحمة الإنسانية الطبيعية بما تحمله من رحمة وحب وإيثار وإيمان. 
 
 أما الجمهورية التي أعنيها هنا فهي جمهورية الفارابي التي تحدث عنها في كتابه لشهير( أراء أهل المدينة الفاضلة)والتي تأثرت رؤيته فيها بعض الشيء (بجمهوريه أفلاطون),على أية حال فإن ما ذكره الفارابي عن شروط الرئاسة التي ينبغي توفرها في شخص من يتولى الرئاسة وإدارة شئون الأوطان جديرة بالتأمل . 
 
 و تمضى الأمور بأهل الرأي ما صلحت ** فإن تولت فبالأشرار تنقاد 
 يرى الفارابي أن الرئاسة والقيادة في هذه الجمهورية يجب أن تستند إلى صفتين على درجه عالية من الأهمية و الضرورة وهما الطبع والخبرة. أي أن يكون الرئيس بطبعه به صفات القيادة عن طريق قوه فطريه قاطنه فيه، وأن يكون صاحب خبره طويلة في التجارب الحياتية والاجتماعية والعلم والمعرفة، ومن خلال ذلك وضع عدة صفات لا غنى عنها في شخصية الرئيس حتى يكون أهلا للحكم وهى : 
 
 * أن يكون سليم الحواس والأعضاء. 
 * أن يكون جيد الفهم والتصور والحفظ لما يراه ويسمعه، ذكيا فطنا إذا رأى الشيء بأدنى دليل فطن له على الجهة التي دل عليها الدليل، وهذه الصفات لا شك أنها تعرف عن الإنسان من خلال المواقف المتراكمة التي يتفاعل فيها مع من حوله فتتكون لديهم سيرته وسمعته التي يشتهر بها. 
 
 * أن يكون حسن العبارة يواتيه لسانه على إبانه كل ما يضمره إبانه تامة. 
 * أن يكون محبا للعلم والعلماء . 
 * أن يكون غير شره للملذات الدنيوية . 
 * أن يكون محبا للصدق والصادقين الكذب هو نافذه الشر على كل الخطايا كما يقولون وهو قبيح واقبح ما يكون في الرؤساء والحكام. 
 * أن يكون كبير النفس محبا للكرامة تعاف نفسه ارتكاب الدنيا، ومن سنن الحياه أن هذه الصفة تنعكس كامله على الناس فان كان الرئيس كذلك كانوا، وإن كان خسيسا دنيئا سادت فيهم أخلاق الخسة والنذالة والدنائة وانتشرت بينهم الجرائم الوضيعة واصبحوا( نفوسا لا تليق بها المعالى ** وأخلاقا تضيق عن المساعي) . 
 
 * أن تكون أعراض الدنيا عنده هينة لا يتكالب عليها، حب الدنيا والتعلق والاطمئنان بها من الصفات التي لا تليق بالقائد الذى يسير بشعبه في دروب الحياه حاملا على كتفيه أحلامه وهمومه . 
 * أن يكون عادلا محبا للعدل يعطى النصح ويكره الظلم وصفه العدل فى الرئيس من اخص خصائص دوره وهو الذى ينشر ثقافه الالتزام بالقانون إيمانا وفهما منه بأن القوانين لم توضع لتمكينه من فعل ما يشاء بل لفعل احسن ما يستطيع. 
 
 * أن يكون قوى العزيمة على الشيء الذى ينبغي أن يفعل جسورا مقداما غير خائف ولا ضعيف ,فيلتف حوله الناس عن حب ومهابه وثقه وهذه الصفة مرتبطة بصفه الأعراض عن الدنيا والتكالب عليها ذلك أن الناس لديها مؤشر شديد الدقة تجاه هذه الصفة تحديدا فإن وجدوه من أهل(عش ودع عشيرتك تعيش) انصرفوا عنه وكرهوه وتمنوا له الهلاك. 
 
 هناك أيضا صفات مكتسبه من واقع علمه وخبراته وتجاربه ومعايشته للأحداث وتفاعله مع الأنظمة الاجتماعية والتقاليد العرفية وهى : 
 *أن يكون حكيما فى إدارته لشئون الحكم والرئاسة الحكمة التي من أؤتيها فقد أوتى خيرا كثيرا وهى من الله العليم الحكيم وهناك المعرفة وهى تأتى بالقراءة الدؤوبة والإكثار من مجالسة المفكرين والفلاسفة واهل الرأي والمشورة . 
 
 *أن يكون عالما بالشرائع و السنن والسير التاريخية وأخبار الأولين. 
 * أن يكون له قدره على الاستنباط والقياس في الأمور والمشكلات إلى تستجد. 
 * أن تكون له رؤية وابتكار تسمح له بتشريع مبتكر في الأمور التي لم يحدث لها نظير و(الرؤية) من أهم صفات السياسي بوجه عام وهى الحد الفاصل بينه وبين(الإداري) الذى يتحرك في حدود ما يعلم ويبالغ في تقدير خطورة ما لا يعلم لأنه لا يعرف إلا الجمع والطرح أما السياسي فهو صاحب عقل مبدع وله رؤيه تتجاوز المرئي والمسموع ويفاجئ المستقبل بمعرفته بتطورات الأحداث وعواقب الأمور والرئيس إن لم يكن كذلك أولم يحاول أن يكون كذلك أصاب بلاده وشعبه بأخطر ما يمكن أن يصاب به مجتمع وهو ما يمكن أن يسمى(التقدم التراجعي) إذ تبدو عجله الحياه تسير ولكنها لا تتقدم تاركه وراءها جمودا وركودا مصحوبا — بطبيعة الحال — بعفنا وفسادا حتى الممات. 
 
 * أن يكون على دراية جيدة بالشئون العسكرية والحروب والقتال.
 
 هذه هي الشروط التي يراها فيلسوفنا العزيز ضرورية في من يلى سدة الحكم، بقى أن نعرف أن الفارابى (872_950م) اسمه بالكامل محمد بن طرخان ولد في تركيا في قرية قريبة من مدينه فاراب التي تقع على نهر سيحون وعاش في كنف سيف الدولة الحمدانى (ممدوح المتنيى) في حلب والذى كان محبا للعلوم والآداب .