حين تصبح الدولة "مطية" تركبها طبقة

هشام الحمامي يكتب لـ عربي21: حين تصبح الدولة “مطية” تركبها طبقة

ستظل رواية “مزرعة الحيوانات”، للكاتب الإنجليزي جورج أورويل، بكل حواراتها وأحداثها، رواية فاضحة وكاشفة لأكاذيب الحكام الذين يسطون على السلطة سطوا، ويغتصبونها لصالح “الشعب”، واعدين إياه بوعود الرخاء القريب الذي لا يأتى أبدا، بل ما يأتي هو الفقر والبؤس المادي والاجتماعي والأخلاقي، في مشهد مفتوح على كل ألوان المعاناة والأنين.
 
 وسيظل حديث “بوكسر وكلوفر” في الرواية إيجازا نموذجيا لفكرة اغتصاب السلطة، وما يصاحبها من أكاذيب. ستكون هي.. هي في كل عصر وكل وقت، وسنكتشف أن أجهزة المخابرات والأجهزة المتصلة بها من أسوأ ما أنتجته الحرب العالمية الثانية للأسرة البشرية عبر التاريخ.. ستتمدد هذه الأجهزة وتتسع إلى حدود مرعبة، ولعل هذا يفسر اتصال أورويل بجهاز المخابرات البريطاني، كما كشفت الوثائق بالفعل.. سيستفيد هو ككاتب وروائي، وستستفيد المخابرات أيضا، وستتطور فكرة السلطة/ الدولة ومستلزماتها على أيدي هذه الأجهزة إلى حدود مخزية ومهينة لفكرة “الكرامة”؛ أخص خصائص الإنسان والإنسانية في كل حين وفي كل مذهب ودين، وهو ما سنعرفه بعد أن نتأمل ما اورده الكاتب على لسان بوكسر وكلوفر فيقول: “إلا وحده بوكسر بقي واقفا وراح يتململ ذهابا وإيابا، ثم قال: لا أستطيع فهم ما حصل، ولا يمكن أن أصدق أن مثل هذه الأمور قد تحدث في مزرعتنا. لا بد أنها نشأت عن خطأ نابع من ذاتنا. وفيما كانت كلوفر تنظر إلى التل، امتلأت عيناها بالدموع. ولو تسنى لها التعبير عن أفكارها لقالت: ليس هذا ما كنا نهدف إليه، فمشاهد الرعب والذبح لم تكن مما كانت تتوقعه. ولو تمثلت لديها صورة عن المستقبل؛ لكانت عن مجتمع يخلو من الجوع والضرب والسياط، فيما الجميع سواسية ويعمل كل على قدر طاقته. لقد جاء وقت لا يجرؤ فيه أحد على البوح بما يجول في فكره، فالكلاب الشرسة في كل مكان، وباتت الحيوانات تشاهد رفاقها يٌمزقون إربا إربا، ولا يدافعون عنهم”.
 
 المؤرخ والسياسي السوفييتي ميخائيل فوسلانسكي؛ نشر عام 1972، بعد هروبه من الاتحاد السوفييتي إلى ألمانيا الغربية، كتابا لا يمل من قراءته إنسان حر يقظ، ذلك أنه سيراه بأم عينيه قبل أن يقرأه وبعد أن يقرأه. الكتاب بعنوان “النومنكلاتورا”، وتعني بالروسية “أصحاب المصالح” أو “أصحاب الامتيازات”.. الطبقة والصفوة والنخبة التي أنتجتها الدولة الحديثة (دولة القطيع لا دولة السياسة)، واتخذت تلك الطبقة من الدولة “مطية” تفعل بها وبأجهزتها وتشريعاتها ومؤسساتها وعنفها المقنن؛ ما يحقق ويحفظ لها المصالح والمنافع المغلقة عليها. سنرى أن اغلب أعمدة وأركان ورجال هذه الدولة كانوا في وقت من الأوقات من بسطاء الناس، بل ومن دهمائهم، وحين جاءتهم فرصة “الالتحاق بالدولة” وأجهزتها “المنيعة”، إذا بهم كائنات أخرى تماما.. طعام غير الطعام، ومسكن غير المسكن، وتعليم غير التعليم ومصايف غير المصايف، وعلاج غير العلاج، وأكاديميات خاصة بهم تمنح الدكتوراة لمن يتطلب دوره مهابة أكاديمية وعلمية خاصة.. يعني دنيا غير الدنيا.
 
 الكلمة الآن تكاد تكون نسيا منسيا في الأدبيات السياسية الغربية، والعالمية أيضا، مع أن الغرب عموما مهووس بالكلمات العابرة للمحيطات والحدود واللغات. ولا أجد تفسيرا لحالة التناسي هذه، لكلمة “النومنكلاتورا”، إلا لأنها فاضحة إلى أبعد حد، كاسحة إلى أوسع حد، تبوح بلا حدود؛ بأسرار رهيبة ومرعبة ومروعة عما يحدث تقريبا في الدنيا كلها. تذكروا “الفيفا” وبلاتر وسيطرته ونفوذه العجيب، واتصالاته التي كانت تكاد تصل لكوكب زحل، بل وتذكروا ما قاله نائب رئيس المخابرات الأمريكية الأسبق، “مايكل موريل”، الذي نشر مذكراته من عامين (الحرب الكبرى في زماننا) عن اتصال “عمر سليمان” به أيام ثورة 25 يناير، عن طريق أحد الأصدقاء المشتركين؛ يعمل بالتجارة، وذلك خوفا من رصد هذه الاتصالات من أجهزة مبارك التي كانت تراقب بعضها بعضا لصالحه وصالح أسرته، فيملك زمامها جميعا.. وهكذا دواليك. وتركيزي هنا على “رجل الأعمال” هذا الذي هو صديق عمر سليمان وصديق مايكل موريل في نفس الوقت، وهو غير مهم في شخصه.. أهميته في الحالة التي يمثلها، وشبكة العلاقات المريبة الرهيبة الممدودة حولنا وبيننا؛ وتفعل بنا ما يحلو لها.
 
 كتاب “النومنكلاتورا” يتحدث عن الامتيازات والمصالح التي كانت تتمتع بها الطبقة الحاكمة في الاتحاد السوفييتي في عهد “ستالين”، عندما انتقلت أجهزة الدولة من أيدي “الثوريين العقائديين” إلى المميزين ذوي النفوذ الذين أنشأهم ستالين ورعاهم ونثرهم في طول البلاد وعرضها وعمقها، وعند أي نقطة تلامس سلطة أو قرار أو تأثير، بدءا من المخابرات والأمن، وانتهاء بالثقافة والرياضة، مرورا طبعا بالجامعات والإعلام بكل مكوناته. وتعيش هذه الطبقة في مستوى من الرفاهية والبلهنية يختلف تماما عن عموم الشعب والجماهير التي تسير في المسالك اليابسة والدروب العابسة، كما ذكرنا سابقا!!
 
 ويكشف الكتاب عن حقيقة “طريفة”، وهي أن كل الخلافات والصراعات التي كانت تحدث في المكتب السياسي واللجنة المركزية في الحزب، لم تكن لها علاقة بالأفكار والسياسات ومصالح الناس، إنما هي صراعات “شخصية” من أولها لآخرها، ومجالها هو النفوذ والقوة والهيمنة والبقاء في بؤرة السلطة.
 
 انطوت صفحة الاتحاد السوفييتي ولم تنطوي صفحة “النومناكلاتورا” التي تعيش في التاريخ كله، ولا أقول في الاتحاد السوفييتي السابق فقط. والدهر كالدهر، والناس كالناس، والأيام واحدة، والدنيا لمن غلبا.
 
 وكلهم في النهاية طلاب “دنيا”.. كلهم يطلبون صيدا، إلا من رحم الله و”سكن قلبَه” الإيمان بحفظه سبحانه وتعالى من “خوف الخلق وهمّ الرزق”، كما كان يقول أهل التربية وبناء وصلاح “الإنسان”، حتى يكون إنسانا يبلغ كمالاته ويصبح جديرا بإنسانيته.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.