منظمة التحرير وخرافة تمثيل الشّعب الفلسطينيّ

وائل أبو هلال يكتب لـ عربي21: منظمة التحرير وخرافة تمثيل الشّعب الفلسطينيّ

عندما أنشئت المنظّمة عام 1964 كان لها “ميثاق قوميّ” يعبّر عن روح قوميّة تجتاح الشّعوب العربيّة التي جرح كرامتَها احتلالُ جزءٍ من فلسطين، لكنّ هذا الميثاق كان أوّل ما طالته يد “التنازلات” الثورية؛ فأصبح “الميثاق الوطني”، وذلك في دورة المجلس الوطني الرابعة عام 1968.
 
 في ذلك المجلس أُقرّت آفة الكوتا (المحاصصة) الفصائلية أساسا لتشكيل المجلس الوطني! الأمر الذي أدّى إلى أنْ تسيطر حركة “فتح” على المجلس في دورته الخامسة مباشرة! ومن تلك اللحظة تماهت المنظمة في فتح؛ فخسرنا الكيانَ الرسمي الذي يريد تمثيل الشعب الفلسطيني، وخسرنا “فتح” الفصيلَ الثائرَ الذي يريد تحرير الأرض الفلسطينية!
 
 بدأت زاوية الانحراف من تلك اللحظة المشؤومة؛ إذ سيطر على المنظمة “بثقافتها” و”تركيبتها” الجديدة هاجس منطق “الدولة”، والسعيُ لتقليص المسافة بين سقفها السياسي (الثوري) وسقف النظام العربي الرسمي (التسووي!) الذي كان أعلاه القرار 242، سعياً لقبولها من قبل هذا النظام ممثلاً شرعيّاً للشعب الفلسطيني!
 
 تلا ذلك مباشرةً قَبولُ “الثوّار” برنامج النقاط العشر في دورة المجلس الوطني الثانية عشرة في حزيران 1974.
 
 وبالفعل فقد قبضت “المنظّمةُ” الثمن بعدها بأربعة أشهر فقط؛ إذ عُقِد مؤتمر القمّة العربية في أكتوبر 1974 و”كافأ” المنظمة باعترافه بها ممثلاً شرعيّاً ووحيداً للشعب الفلسطيني!
 
 ويستمر تغلّب منطق “الدولة” الذي يحتاج — موضوعيّاً — مزيداً من “الأثمان” والتنازلات؛ وقد أدى هذا المنطق إلى توقع المنظمة اتفاقيةً مع الأردن في فبراير 1985 لحضور أيّ عملية تفاوض مع “العدوّ” ضمن وفد فلسطينيّ — أردنيّ مشترك، وعُدّ ذلك إنجازاً سياسيًّا للمنظمة.
 
 وتتوّج المسيرة “الثوريّة” في اجتماع المجلس الوطنيّ 1988 في الجزائر! ليكرّس المسار التنازلي (الذي بدأ قبل عشرين عاماً) فيعلن الدولة الفلسطينية!!
 
 يمضي مسلسل التنازلات — باسم المنظّمة — مستغلاً ومستهتراً بإنجازات الانتفاضة “الشعبية” الأولى، ليقطف ثمارها في مدريد وأوسلو وكامب ديفيد.
 
 وتُغيّب المنظمة ردحًا من الزمن “الثوريّ” عن الساحة “السياسيّة” لتحل محلها “السلطة” الفلسطينية؛ التي تبتلع المنظمة والشعب والقضيّة! إلى أن ياتي يوم مشؤوم فيتذكرها الآباء الثوريّون، فيَستدعون مجلسَها الوطني ليُعدّل “الميثاق الوطني” الذي كان يوماً ما قوميّاً!
 
 ففي 24 أبريل 1996 يجتمعَ في غزة أكثرُ من ألف شخص (تحت مظلّة المجلس الوطني)، لم يُعرف كيف ولماذا وبأيّ صفة اختيروا؟ فيقرّرون (بصفتهم ممثلّين للشّعب) تعديل 27 مادة من أصل 30 تشكل روح هذا الميثاق.
 
 وما أن انتهى “الكرنفال” حتى غُيّبت المنظّمةُ واسْتدعيَ من جديد كيان “السلطة” الحبيسة في مقاطعة رام الله أو خلف معابر غزة، لتقود شؤون الشعب في أرقى وأنقى وأقوى مراحله الثورية ضد الاحتلال خلال انتفاضة الأقصى.
 
 وبرز على الساحة مصطلح “القيادة الفلسطينية” بديلاً عن اللجنة التنفيذية، وأتحدّى أيّ “عضو” في هذه القيادة العتيدة أن يحصي من هم أعضاء هذه القيادة؟ أو كيف ولماذا وعلى أيّ أساس أصبحوا “قادة” لهذا الشعب؟!
 
 بقيت المنظمة مغيّبة في “قمقم” السلطة حتى فازت “حماس” في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006؛ فأصبحت هي المسيطرة على هذه السلطة؛ عندها سُحِبت ورقة المنظمة من أدراج “الحُواة” وسحَرة السياسة، لتصبحَ هي مرجعيّة “السلطة”! وهذا يعني ببساطة: أنّ هناك “مجموعة — نُخبة” أينما تكون يكون التمثيل الوحيد والشرعي للشعب الفلسطيني! سواء كانوا في المنظمة أم السلطة أم غزة أم رام الله أم أريحا أم تونس أم بيروت أم في الطائرات أم في الفنادق!! وسواء حاربوا أم ثاروا أم هادنوا! سواء عاشوا أم ماتوا!! لسان حالهم يقول للشعب كل الشعب: “احنا ممثلوك غصبا عن الخلّفوك”!!
 
 هذه هي المنظّمة التي ما زالت تُعتبر ممثّلاً للشّعب الفلسطيني من وجهة نظر الشرعيّة العربيّة والدوليّة، لم تعقد برلمانها (المجلس الوطني) في جلسة رسميّة منذ عام 1988؛ أي أنّ اكثر من 60% من هذا الشعب الحر الذي تسكن الثورة في جيناته وكروموسوماته وُلِد بعد آخر لقاء لهذا المجلس الذي يدّعي تمثيله!
 
 هذا المجلس أيضاً يتشكل من 445 عضواً لا أحد يعرف — إلا ياسر عرفات رحمه الله — كيف جاؤوا وكيف انتخبوا؟! فمن كان شاباً يمثل الطلاب — مثلاً — أصبح اليوم عجوزاً أبيض الشعر يتوكأ على عصا (كما يقول د. سلمان أبوستة)! ومات ياسر عرفات ومات السرّ معه!
 
 أمّا لجنتها التنفيذية لا أحد أيضاً يعرف مَن يشكّلها؟ وكيف تتشكل؟ ومتى كان آخر تشكيل (في 27/8/ 2009 تمّ إضافة ستة أعضاء بعد وفاة العديد من أعضائها جسديا، ووفاة البقية فكرياً وروحيا وثورياً)!
 
 لكم أنْ تتخيلوا بعض مهازل التشكيلة؛ فمثلا زكريا الآغا وياسر عبدربه اعتبروا أعضاء مستقلين! وفي حين أنّ خالد مشعل لا يمثّل أيّ صوت في هذه “المؤسّسة” فإنّ المناضل واصل أبو يوسف (مع الاحترام لشخصه) عضوٌ في مؤسّسة الشرعية الفلسطينية يقرّر في مصير الشعب والأرض والقضيّة! ويعتبر خالد مشعل ورمضان عبد الله وحماس والجهاد خارجين عن الشرعيّة الفلسطينيّة!
 
 كيف يمكن لمنظّمة تدّعي تمثيل الشعب، في الوقت الذي لا يوجد في أيّ من مؤسّساتها عضو واحد من الفصيل الذي فاز بنسبة أكثر من 65 % في الانتخابات التشريعية في الضفّة وغزة؟!
 
 رغم كلّ ذلك أقنعونا زوراً وبهتاناً أنّ المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهذا يعني أنّها الوحيدة صاحبة الحق في “الحل والعقد” في شؤون الشعب والأرض.
 
 فهل من المعقول أنْ يستمرّ هذا الشعب الحرّ الأبيّ الثائر مخدوعاً بهذه الشعوذة ومسكوناً بهذه التعويذة؟!
 
 وهل يليق بهذا الشّعب العظيم أن يبقى مستكيناً لمثل هذه التركيبة المسخ (مؤسسات وأشخاصاً) لتقود مقاومته ونضاله ومشروعه ومنتظرا منها أن تحرره من الاحتلال؟
 
 هل يليق بالشّعب الفلسطينيّ أنْ تكون هذه قيادتة؟ هذا الشعب الذي علّم العالم معنى الثورة وأصبحت معاركه ومجازره وتضحياته ومذابحه وبطولاته أسفاراً في ملاحم الشعوب التحررية!
 
 لا يمكن، لا يمكن أبداً!! فهذا يخالف “الفطرة الثورية” التي فُطِر عليها هذا الشعب الحرّ!! ويناقض مخزون الوعي السياسيّ الهائل لديه.
 
 لا بدّ للستين بالمئة من الشعب الفلسطيني الحرّ الثائر المنتشر في أصقاع الأرض ولا يُسمع له صوت، أنْ يصرخوا جميعا في وجوه هذه النّخب ومَنْ وراءها: المنظّمة لا تمثّلنا، وأنتم لا تمثّلوننا!
 
 ولتكن كل ميادين التحرير في الأرض ميادينكم! ولا تحشروا ثورتكم وحريتكم وقضيّتكم في ساحة المنارة في رام الله أو اليرموك في غزة على عِظَمهما، ففلسطين أكبر من ذلك بكثير، والفلسطينيون أعظم من ذلك بكثير! والمنظّمة يُفترَض أن تكون أكبر ممّا عليه بكثير، كبيرة بكبر حجم الشعب الفلسطينيّ وتنوّعه ووعيه ونضاله ومقاومته وتضحياته.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.